الاتحاد

عربي ودولي

لبنان: الرئاسات الثلاث لم تتغير وأحزاب في أحضان الطائفية


أحمد خضر:
ما يميز الأحزاب والقوى السياسية الرئيسية في لبنان انتماؤها إلى أصول طائفية في معظمها ، وقد شكلت لنفسها ميليشيا مسلحة خاضت الحرب الطائفية في الداخل مرحلة نهاية السبعينات وبداية الثمانينات ، اعتماداً على قاعدة التحالفات الخارجية ، إلى أن جاء اتفاق الطائف ، لتنطلق مرحلة البناء والإعمار ، وما خلفته الحرب الأهلية من ذيول ومشاكل وأعباء اقتصادية وأمنية وغيرها ، وهذه الأحزاب التي تنتمي إلى جذور طائفية ، تتنافس بصورة ديمقراطيه للوصول إلى مقاعد المجلس النيابي ، وهذا المجلس الذي يختار الرئيس تؤثر فيه العديد من العوامل المتمثلة في العامل السوري ، والذي عبر عن نفسه بصورة حادة في التواجد العسكري والسياسي المستمر في لبنان منذ العام 1976 ، وقد أثر بلا شك على التجربة الديمقراطية ، أي أن سوريا ترفع من تشاء وتخفض من تشاء على الساحة اللبنانية ، وكل ما عدا ذلك عبارة عن شكليات ونعني بذلك المعارك الانتخابية ، فهناك وراء الكواليس عمل سوري دؤوب لتقريب فلان وإبعاد فلان ، سوريا موجودة بقواتها ونفوذها على الساحة اللبنانية ، فمن تكون راضية عنه ينجح ، ومن لا ترضى عنه يسقط ، وهي تضع الفيتو على البعض كما حدث مع وليد جنبلاط الذي أبلغته أنه شخصية غير مرغوب فيها لزيارة دمشق لوقوفه ضد التمديد ، وسحب وزرائه من الحكومة ، وتلبس العباءة لآخر وهو سليمان فرنجية حفيد الرئيس اللبناني الأسبق ، ووزير الداخلية الحالي ، ليكون رئيس لبنان في المستقبل وعمره لما يصل العشرين عاماً في حينه ، بل هي التي رمت بكل ثقلها لتغيير مادة في الدستور اللبناني من أجل التمديد للرئيس الحالي إميل لحود ·
85 بالمئة من لبنان
إن سوريا دعمت أشخاصاً من مختلف الطوائف والأحزاب ، ولم تغير شيئاً في التركيبة الطائفية وبقيت الرئاسات الثلاث كما هي ، أي أنها حافظت على الوضع الطائفي ، ووظفته لصالحها ، فالموارنة تقليدياً ضد سوريا ، لكن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد رفض حسم المعركة لصالح القوى الوطنية واليسارية اللبنانية وقوات المقاومة الفلسطينية والتي كانت تسيطر على 85 بالمئة من مساحة لبنان ، وفي هذا السياق أيضاً يأتي التمديد للرئيس لحود الذي تربطه علاقات جيدة مع دمشق ·
وسوريا ليست موجودة في لبنان عسكرياً فحسب ، إذ بعد الانسحاب السوري ستبقى دمشق جارة بيروت ، ومفتاحها على العالم العربي ، أي أن العامل الجغرافي والقومي والاقتصادي والعديد من العوامل تجعل سوريا الغائب الحاضر في كل حين ·
الطائفية والمذهبية
الطائفية لها بصمة قوية على تركيبة الدولة كلها ومن ضمنها الأحزاب التي أخذت بعداً طائفياً ، لكن بعض الأحزاب كانت تقاوم الطائفية وعلى سبيل المثال الحزب التقدمي الاشتراكي الذي أسسه كمال جنبلاط حيث كان حزباً مفتوحاً للجميع في البداية لكنه صار مقصوراً على الدروز مع نهاية حرب السنتين 75 ـ 76 ، والكتائب كما هو معروف حزب مقصور على الموارنة ، وحركة أمل وحزب الله على الشيعة ، والجماعة الإسلامية على السنة ، وهكذا ، ومثل هذه الأحزاب التي لم تقم على أسس عصرية في جوهرها ، وكان الخطاب الطائفي أكثر حضوراً في أدبياتها السياسية ، وممارساتها الميدانية على الخطاب الوطني لها دور ثانوي في الوقت الحاضر ، قياساً بما كان الوضع عليه إبان الحرب الأهلية ، باستثناء حزب الله الذي أنجز مشروعاً وطنياً عبر آلاف الشهداء وتضحيات المقاتلين وهو تحرير الجنوب من دنس الاحتلال الصهيوني ، لكن دورها الرئيسي ينصب الآن في إخراج القوات السورية من لبنان فيما يعرف بانتفاضة الأرز من أجل السيادة والاستقلال ·
العامل العائلي
إن منشأ الأحزاب السياسية في لبنان كان في حضن الإقطاع السياسي ، وما زال توريث الزعامات في لبنان قائماً بعد مرور أكثر من سبعين سنة على نشوء الأحزاب ، مثل آل جنبلاط ، آل شمعون ، آل الجميل ، وهكذا ·
وتشكيل الأحزاب في لبنان قديم ، ويعود إلى منتصف الثلاثينات مثل الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي أسسه أنطون سعادة الذي رفع شعار وحدة سوريا الكبرى التي تضم سوريا ولبنان وفلسطين والأردن تتوسطهما نجمة وهي جزيرة قبرص ، وحزب الوطنيين الأحرار بقيادة كميل شمعون ، وحزب الكتائب بزعامة بيير الجميل الذي كان عائداً من ألمانيا ومتأثراً بالأفكار الهتلرية في البداية ، والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة كمال جنبلاط حيث كان ثمة مناغاة بين هذا الحزب مع عبدالناصر على قاعدة الأفكار الاشتراكية ، ومقاومة الاستعمار والمخططات الرجعية ، وفي الحقبة الناصرية كانت الكثير من الأحزاب اللبنانية تتماهى مع سياسة عبدالناصر ، ويقال أنه كانت توجد 33 شلة ناصرية على الساحة اللبنانية ، حتى أن أحد الكتاب كان يقول أنه إذا وجد اثنان ناصريان شخصاً آخر يشكلان شلة ، أما الحزب الشيوعي اللبناني فإنه يعتبر أقدم الأحزاب اللبنانية تأسيساً على الساحة اللبنانية ، وهذا الحزب كان لفترة طويلة اسمه الحزب الشيوعي السوري اللبناني لكن تم الانفصال ، ويقال أن معظم القيادات التي أسست هذا الحزب من أصول يهودية نتيجة لحضور اليهود الطاغي في الثورة البلشفية ·
الحرية النسبية
وفي ظل الانتداب الفرنسي كان هناك نوع من الحرية النسبية في تشكيل الأحزاب ، كما في مصر وفلسطين الواقعتين تحت الانتداب البريطاني ، وكانت هذه الأحزاب تتنافس في تشكيل الوزارات ، لكن هذه الوزارات كانت ألعوبة بيد المستعمر ، أي أن هامش الحرية محدود ، ولا تستطيع الوزارة أن تتخذ قرارات مصيرية إلا بمشورة السيد البريطاني أو الفرنسي ·
وفي لبنان ما زالت التركيبة السياسية كما هي منذ زمن الفرنسيين ، رئيس الجمهورية وقائد الجيش من الموارنة ، ورئيس الوزراء من السنة ، ورئيس مجلس النواب من الطائفة الشيعية ، أما الدروز فإنهم يحصلون على بعض الوزارات ، وفي فترة من الفترات استلم كمال جنبلاط وزارة الداخلية ، ووزارة التربية
خيوط منظمة التحرير
وأثناء تواجد الثورة الفلسطينية في لبنان فإنها كانت تمد خيوطاً لكل القوى على الساحة اللبنانية ، خصوصاً القوى الوطنية والإسلامية ، ولكن لم تقطع الاتصالات مع الكتائب خاصة أثناء حصار المخيمات وغير ذلك من الأحداث ·
وخلال الحرب تعطلت الديمقراطية في لبنان ، والدليل على ذلك أن آخر دورة انتخابية لمجلس النواب كانت قبيل الحرب مباشرة ، وبقيت معطلة طوال عشرين عاماً ، ولم يكن هناك تجربة انتخابية طيلة هذه الفترة حتى اتفاق الطائف ، وبقي النواب هم أنفسهم باستثناء الذين ماتوا ·
وبصورة ظاهرية فإن المليشيات حلت نفسها باستثناء حزب الله الذي يحمل السلاح في لبنان تحت شعار تحرير الجنوب والتصدي للعدو الإسرائيلي ، وفي ظل السيطرة السورية على الوضع ، والعلاقة الوثيقة بين حزب الله وإيران ، فإنه ضمن هذه التوليفة يشكل الحزب إفرازاً طبيعياً لرغبة الدولة اللبنانية ، والرئيس لحود ، في الوقوف في خندق واحد مع سوريا لتلازم المسارين السوري واللبناني ، ومن هنا يتبين سر العلاقة الجيدة بين حزب الله والدولة اللبنانية ، وتحت هذه المظلة يعمل الحزب ، وهو مرضي عنه من جانب سوريا باعتباره يرفع شعار المقاومة ضد إسرائيل · أما حركة أمل فإنه ليس لها تواجد عسكري في المدن باستثناء بعض المواقع في الجنوب ، وبقية الأحزاب اللبنانية تعيش في ظل هذه التعددية الطائفية التي تتجاذبها قوى خارجية ، مما أتاح لمجلس الأمن الدولي أن يصدر قراراً أملته أمريكا وفرنسا بالتدخل في صميم الشؤون اللبنانية الداخلية ، وهو القرار ،1559 بل إن شمعون بيريز زعيم حزب العمل الإسرائيلي يتوقع أن يكون لبنان هو الدولة العربية الثالثة التي ستعقد اتفاقية سلام مع إسرائيل ·
25 مليون دولار
إن المال يلعب دوراً بارزاً كذلك في مسار العملية السياسية على الساحة اللبنانية ، وبعض الزعامات يكون لها فريق من الخبراء والمحللين من أجل الوصول إلى السلطة ، ويكون المال طاغياً على البرامج الإنمائية والسياسية ، حتى يقال أن أحد المرشحين للمجلس النيابي صرف على حملته الانتخابية 25 مليون دولار ، وفي أغلب الحالات فإن الفوز يكون من نصيب هؤلاء بفضل سخائهم وتبرعاتهم قبل إجراء الانتخابات ، وبطبيعة الحال ليس الجاه الاجتماعي فحسب هو الذي يجعل من أمثال هذه الزعامات تنفق الملايين ، بل للحفاظ على مصالحها ومكتسباتها الاقتصادية الشخصية ·
أما الرئاسات الثلاث في لبنان ، فإنه يجري بينهم باستمرار مناكفات ، وحين يشتد الخلاف بينهم يتم الصلح في دمشق ·
رفض التوطين
ومع اختلاف الرؤيا بين حزب وآخر فإنهم يعتبرون رفض التوطين أحد الركائز الأساسية للسياسة اللبنانية ، يرفعونه بمناسبة وغير مناسبة ، إنها نغمة دائمة على لسان معظم السياسيين في لبنان ، هم يعتبرون أنهم يعملون لصالح القضية الفلسطينية ، ولكن على خلفية هذا الشعار تنتقص الحقوق الإنسانية للفلسطيني في لبنان ، فهناك 70 وظيفة ممنوعة عن الفلسطيني مثل حق العمل في المؤسسات الرسمية ، والتملك ، حيث يحرم هذا الذي مضى على وجوده قرابة الستين عاماً على الأرض اللبنانية من تملك شقة ، أو قطعة أرض ، ولا يحق للشخص المتملك أن يورث أبناءه ما يملك ضمن القانون ، وهذا كله باسم العمل ضد التوطين ·
جحيم المخيمات
أما المخيمات فإنها أشبه ما تكون بمنعزلات ، خاصة مخيم الرشيدية الذي لا يسمح بإدخال أي مادة من مواد البناء إليه ، مما اضطر أعداداً كبيرة من الفلسطينيين في لبنان إلى الهجرة الخارجية إلى كندا وأستراليا وغيرها من دول العالم ·
لقد وصل الفرز الطائفي في لبنان إلى الصعيد الفلسطيني ، فأبناء القرى السبع الذين هاجروا من فلسطين وهم من الشيعة أخذوا الجنسية اللبنانية ، وكذلك المسيحيون الفلسطينيون فيما حرم السنة الفلسطينيون من ذلك · أما السنة اللبنانيون فإنهم ينافسون الطوائف الأخرى على رفض التوطين ، لأن اللبنانيين يتوجسون أن تضغط أميركا بإمكاناتها الهائلة باتجاه التوطين ، وهذا حق لكن على أن تتوفر الشروط الإنسانية للحياة كما هي بالنسبة للفلسطينيين في بقية الدول العربية ·
ورغم ذلك فإن الأحزاب اللبنانية قد تكون متقدمة بالنسبة للحركة الحزبية العربية ، والنشاط الحزبي قد يكون متطوراً عن غيره ، لكن طالما هناك تدخلات إقليمية ودولية تظل التجربة ناقصة ، إذ ماذا نتوقع من نشاط حزب إذا كان هذا النشاط في النهاية أسيراً للتدخل الأجنبي ·

اقرأ أيضا

واشنطن تفرض عقوبات على شركة صينية لنقلها نفطاً إيرانياً