الاتحاد

عربي ودولي

حرب صامتة حول التحقيقات الأميركية في تجسس منظمة ايباك لحساب إسرائيـل


نيويورك - أحمد كامل:
لم تخصص أجهزة الإعلام الأميركية أي مساحة تذكر لتغطية التطورات المهمة الأخيرة التي تعاقبت على درب تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي مع مسؤولي لجنة الشؤون العامة الأميركية - الاسرائيلية ايباك بشأن الاتهامات المنسوبة للمنظمة بإدارة شبكة تجسس واسعة النطاق في واشنطن تعمل لحساب الموساد·
الا ان التناول المحدود والخجول لهذه التطورات كشف عن طبيعتها، بل وعن اهميتها الكبيرة ليست فقط في تحديد مستقبل ايباك ولكن ايضاً في نظرة الرأي العام الاميركي لعلاقات بلاده مع اسرائيل ولنشاط اسرائيل التجسسي داخل الولايات المتحدة· وكشف هذا التناول عن استدعاء اربعة من كبار مسؤولي المنظمة لاستجوابهم امام هيئة محلفين عليا بما يعني ان التحقيق حول تجسس ايباك لحساب اسرائيل لم يتوقف وادى ذلك الى اثارة بعض الفضول في العاصمة الاميركية التي بذلت دوائر معينة فيها جهداً هائلاً لدفن القصة بأكملها· وسرعان ما تتابعت حقائق لم تكن معروفة من قبل، ولكنها أصبحت الآن متداولة وان على نطاق ضيق اذ ان أجهزة الإعلام الاميركية لا تبدي حماساً لبث اي تقارير تتعلق باتهام عاملين في ايباك بالتجسس لحساب اسرائيل·
من هذه الحقائق مثلاً ان الامر تضمن معلومات تفيد بعمليات لاختطاف اسرائيليين في كردستان بشمال العراق، ومعلومات أخرى تفيد بتسلم المعارض العراقي السابق أحمد الجلبي معلومات أميركية سرية من مسؤولين في البنتاجون ثم ملامح لصورة الحرب الصامتة التي تدور داخل اجهزة الحكومة الاميركية حول اتجاه قضية ايباك·
ولكن تأتي معلومات الاسرائيليين في شمال العراق وأحمد الجلبي وغيرها في سياق هذه القصة التي تزداد تعقيداً وغموضاً كل يوم وتواصل خلال كل ذلك تحركها خلف الكواليس؟ يتعين للاجابة على هذا السؤال الصورة - ولو باختصار - الى البداية·
اجتماع المطعم
فقد بدأت الحكاية برصد مكتب التحقيقات الفيدرالي لاجتماع في مطعم بمقاطعة اليكساندريا بولاية فيرجينيا بين فرانكلين واثنين من قيادات ايباك هما مدير سياسة المنظمة ستيف روزن ومسؤول الشؤون الايرانية بها سميث وايزمان· كان ذلك في يونيو 2003 وسجل المكتب بالصوت والصورة وقائع الاجتماع حيث تبين ان فرانكلين سلم روزن ووايزمان وثيقة سرية وضعها البنتاجون حول ايران·
ولم يداهم ضباط المكتب المجتمعين، ولكنهم ذهبوا في اليوم التالي الى منزل لاري فرانكلين وابلغوه انهم يعرفون بما حدث في المطعم في الليلة السابقة وعرضوا عليه تسجيلاً لما حدث فانهار فرانكلين تماماً· ساعتها عرض ديفيد زادي مدير قسم مكافحة التجسس في مكتب التحقيقات الفيدرالي على فرانكلين صفقة محددة ان يتعاون فرانكلين مع المحققين بصورة كاملة اي ان يفعل بالضبط ما يطلبون منه مقابل ظروف مخففة عند نظر قضية قيامه بتسليم وثيقة سرية أعدتها الحكومة الاميركية للعاملين في ايباك·· ووافق فرانكلين·
بعد ذلك طلب زادي من فرانكلين ان يبلغ روزن بأن السلطات الاميركية تتابع سراً معلومات وصلت اليها عن خطة لاختطاف اسرائيليين في كردستان واتصل فرانكلين بروزن وابلغه بذلك فقام روزن بالاتصال بأحد العاملين بالسفارة الاسرائيلية عن طريق ارسال رسالة الكترونية تم ضبطها بعد ذلك على جهاز الكمبيوتر الخاص به وابلغه فيها بالمعلومات التي حصل عليها من فرانكلين·
ونظراً لأن ايباك ليست مسجلة حتى الآن كمنظمة تعمل لحساب حكومة اجنبية وذلك حتى تواصل تمتعها بالاعفاءات الضريبية التي حصل عليها كمنظمة للعمل العام لا تهدف الى الربح فإن ابلاغ روزن السفارة الاسرائيلية بالمعلومات التي حصل عليها تؤكد الشبهة بأنه يتجسس لحساب اسرائيل·
استدراج بيرل
فضلا عن ذلك فقد اتصل فرانكلين بشخصيات اميركية معروفة مثل ريتشارد بيرل العضو في مجلس الدفاع الاستشاري وأحد أشرس المدافعين عن اسرائيل وعن ارييل شارون في واشنطن وفتح معهم - على الهاتف - قصة حصول أحمد الجلبي على معلومات تتعلق بتمكن الولايات المتحدة من فك شفرة الاتصال بين الحكومة الايرانية واتباعها في العراق· وكان الجلبي قد حصل على هذه المعلومة السرية الحساسة من مصدر ما داخل البنتاجون وابلغ بها طهران على الفور مما ادى الى قيام الايرانيين بتغيير شفرتهم· وعند تغيير الشفرة اشتبه الاميركيون ان تكون طهران علمت بأنهم تمكنوا من حل الشفرة القديمة وانهم غيروها لهذا السبب - وما لبثت واشنطن ان تأكدت من ذلك عبر مصادر لها في طهران·
بقي عن ذاك معرفة الـ مصدر ما الذي سرب تلك المعلومة الى احمد الجلبي مما ادى الى وصولها الى طهران اذ سيصبح هذا المصدر متهماً بالتجسس او على الأقل بالكشف عن معلومات سرية اميركية بالغة الحساسية ولذا فقد تم تكليف فرانكلين بمحاولة استدراج اكثر الاشخاص محلا للشك للحديث حول هذه القصة وتسجيل مكالماته معهم· الا ان بيرل شعر بأن حديث فرانكلين معه على الهاتف يخرج عن الاطار المعتاد وحذر الباحثين من اي تناول لقضية الشفرة الايرانية مع فرانكلين·
وقام بيرل باتخاذ خطوة اخرى اكثر اهمية اذ اتصل بتلامذته في البنتاجون وطلب منهم تطويق اثر تعاون فرانكلين مع مكتب التحقيقات الفيدرالي ومحاولة خصم العلاقة بين الجانبين قبل ان يستغل المكتب شهادة فرانكلين لادانة العاملين في ايباك وهكذا بدأ التلاميذ جولة من الاتصالات الجانبية بفرانكلين لاقناعه بوقف تعاونه مع المكتب·
كان فرانكلين آنذاك قد اوقف عن العمل بدون راتب الى حين الانتهاء من التحقيق ونظراً لأن لديه خمسة أطفال ولأن زوجته مقعدة تتنقل على كرسي متحرك ولأن مصدر رزقه الوحيد هو راتبه فإنه اضطر للعمل في وظائف ثانوية شاقة لكسب قوت اسرته، ومنح هذا الوضع الانساني التلاميذ في البنتاجون فرصة ذهبية·
مساومة فرانكلين
فقد بدأت الاتصالات بفرانكلين لاقناعه بأمرين الاول هو انه راهن على الجانب الخاسر وان المكتب سرعان ما سيضعها لأسباب سياسية الى اغلاق التحقيق لينتهي الامر بفقدان فرانكلين بصورة دائمة ولذا فإن عليه ان يوقف تعاونه مع مكتب التحقيقات الفيدرالي وان يراهن على الجانب الذي سيفوز في نهاية المطاف الامر الثاني هو ان فرانكلين تلقى وعدا بأن يعود الى وظيفته اذا ما فصل علاقته بالمكتب وانه بالتالي لن يحمل هموم كسب قوته وقوت عياله، اي انه سيخرج سالماً من المحنة التي يمر بها·
واستسلم فرانكلين وقرر قطع علاقته بمكتب التحقيقات الفيدرالي فقد قام فجأة بتوكيل محام شهير في واشنطن يدعي بلاتو كاشيريس الذي سبق ان دافع عن الرئيس بيل كلينتون في فضيحة علاقته بمونيكا ليونسكي والذي يتقاضى نحو أربعة آلاف دولار على ساعة العمل الواحدة في اي قضية يقبل تبنيها ويعني ذلك انه لو قال له واحد منا مساء الخير ورد هو على هذه التحية فإن ذلك قد يكلف من قالها مئة دولار مثلاً بقياس ما استغرقه ذلك المحامي في سماعها والرد عليها!
ولكن كيف تمكن فرانكلين من توكيل كاشيريس؟ لا أحد يعرف وقطع فرانكلين بعدها علاقته بدافيد زادي وبمكتب التحقيقات الفيدرالي فيما وجه المحامي مذكرة الى المكتب قال فيها ان تعاون فرانكلين مع زادي تم بالاكراه والتهديد وان كل ما تأسس عليه من اعترافات قدمها فرانكلين تعد باطلة·
وقبل شهرين فقط، ودون ان يلاحظ احد اعيد فرانكلين الى وظيفته على أساس جديد اذ انه اختير لشغل وظيفة اخرى في البنتاجون وحين علم زادي ثارت ثائرته وقال لأحد الصحفيين ادوين بلاك من نيويورك تايمز ان اعادة فرانكلين لعمله جاء رغم ارادتنا وان المكتب سجل اعتراضه القانوني على ذلك·
هجوم صاعق
وبعد هذه الجولة بدأت الجولة التالية التي اتسمت بالهجوم الصاعق على زادي فقد استخرج البعض من ملفاته اوراق قضية سابقة اعترض فيها على توظيف شخص تصادف ان كان يهوديا في جهاز امني واسس زادي اعتراضه على وقائع محددة تثبت ان السلوك الشخصي لذلك المرشح لشغل الوظيفة لا يدعو الى الثقة في مصداقيته الى ان الامر لم يكن له علاقة بدنية الا ان المدافعين عن ايباك اتهموا زادي - كما هي العادة - بمعاداة السامية وبدأت حملة للطعن في أهداف المسؤول·
وخلال ذلك عرض المحامين الذين وكلتهم ايباك للدفاع عن مسؤوليها على مكتب التحقيقات الفيدرالي وعلى وكيل النائب العام المشرف على عمل هيئة المحلفين العليا بول ماكنولتي تسوية ودية للقضية الا ان المكتب وماكنولتي رفض العرض·
وتبين هنا ربما شرح مغزى تشكيل هيئة محلفين عليا· ذلك ان هذا الاجراء يتخذ في حالة اتجاه الحكومة لاتهام شخص أو عدد من الأشخاص باتهام أساسي، ولمنع الحكومة من اتهام من تريد لأسباب لا تتعلق بارتكابه جريمة محددة بإن القانون يقضي بتشكيل هيئة محلفين عليا تنظر بصورة سرية في طبيعة الاتهامات التي تريد الحكومة توجيهها الى الشخص أو الأشخاص المعنيين، واذا ما قررت الهيئة ان هذه الاتهامات تتسم بالوجاهة والمصداقية، اذان لها أساسا يعتد به فانها تسمح بتوجيه الاتهام لتتحول القضية الى المسار القضائي المعتاد·
ويعني رفض عرض التسوية الودي ان زادي ورجاله متمسكون بمواصلة القضية رغم موقف فرانكلين المتهافت، أو ان عرض ايباك للتسوية لم يكن مقنعا للمكتب، وفي كل الأحوال فقد انهارت شائعات التسوية بصورة كاملة مع استدعاء مسؤولي ايباك الأربعة قبل أيام للظهور أمام هيئة المحلفين العليا التي لا يدري أحد على وجه الدقة تفصيلات ما يدور أمامها، ولا يزال كثيرون في انتظار ما سيحدث رغم التقييم الاعلامي شبه الكامل على هذه القضية بأبعادها المعقدة·

اقرأ أيضا

العراق يعتقل 21 داعشياً في مناطق مختلفة من الموصل