الاتحاد

تقارير

عقد اليابان الضائع··· درس لمواجهة الأزمة المالية

هل يستفيد الأميركيون من تجربة الركود الياباني؟

هل يستفيد الأميركيون من تجربة الركود الياباني؟

في التاسع من الشهر الجاري، قال أوباما إنه كلما أبطأت الولايات المتحدة في التحرك إزاء حل أزمة اقتصادية بكل هذه الحدة والتعقيد، كلما صعب عليها الخروج من مأزقها· وأضاف قائلاً في الاتجاه نفسه: فقد رأينا كيف حدث هذا في اليابان خلال عقد التسعينيات، حيث عانى اليابانيون ما أطلقوا عليه سنوات ''العقد الضائع''· وهكذا تحتم علينا أن نناقش أزمتنا الاقتصادية مقارنة بالأزمة اليابانية في العقد المذكور· وخلاصة ما قاله أوباما إن تاريخ اليابان يؤكد أهمية المصادقة على خطة الحفز الاقتصادي التي تقدم بها الرئيس إلى الكونجرس· ولكن على نقيض ذلك تماماً يرى ''سين هانيتي'' الإذاعي التلفزيوني المحافظ، وعدد آخر من المعلقين والمحللين المحافظين، أن ما يظهره تاريخ الأزمة الاقتصادية اليابانية على وجه التحديد، هو فشل خطط الحفز الاقتصادي في إنقاذ اليابـــان من محنتهــا· وعلى أية حـــال، فإن لوجهتي النظـــر المتعارضتين صحتهمـــا من جهة· ولشدة التقارب بين التجربة اليابانية السابقة والأزمة الخانقــة التي نواجهها اليوم، فقد أصبح من الضروري جداً إثارة السؤال حول ما إذا كنا نحن أيضاً مقدمين على الدخول في ''عقد ضائع'' مثلما حدث في اليابان؟
ولكن ماذا حدث في اليابان خلال عقد التسعينيات تحديداً؟ الإجابة المباشرة عن السؤال هي أن اليابان لم تعانِ ركوداً اقتصادياً كما يعتقد البعض، ولا ''كساداً عظيماً'' مثلما يحلو للبعض الآخر القول· بل توسع الاقتصاد الياباني خلال العقد نفسه لعام واحد فحسب هو 1998-1999 على رغم أن معدل النمو الاقتصادي لم يزد على نسبة 1,5 في المئة· وارتفع معدل البطالة إلى نسبة 5 في المئة في عام ،2001 قياساً إلى 2,1 في المئة عام ·1990 وليست تلك مؤشرات اقتصادية جيدة بالطبع، غير أنها ليست كارثية· وخلال العقد كله ظلت اليابان دولة غنية جداً· ولم يحظ الاقتصاد الياباني بكل ما حظي به من اهتمام دولي من قبل المحللين والمراقبين، إلا لكون ما حدث فيه خلال العقد المذكور كان مخالفاً ومحبطاً لكل التوقعات السائدة· وحققت اليابان في الفترة الممتدة بين 1956-،1973 نمواً اقتصادياً بلغ حجمه السنوي 9 في المئة، وحتى عقد الثمانينيات واصلت اليابان نمواً اقتصادياً نسبته 4 في المئة· وعليه فقد ساد الاعتقاد حينها أن تتفوق اليابان على الولايات المتحدة الأميركية اقتصادياً، فيصبح اقتصادها الأغنى والأكثر تقدماً عالمياً· غير أن تلك النبوءة لم تتحقق· والأسوأ من ذلك أن حالة شبه الركود التي مر بها الاقتصاد الياباني، بددت الاعتقاد السائد حينها بقدرة الاقتصادات الحديثة على تمكين الحكومات من الحفاظ على قدر معقول من النمو والاستقرار في كل الأحوال·
والحقيقة كما يقول ريتشارد كارتز -محرر مجلة Oriental Economist- أن لليابان اقتصادياً ثنائياً على حد وصفه· فهي لها صناعاتها التصديرية، مثل السيارات والأجهزة الإلكترونية، والحديد الصلب، وجميعها على قدر كبير من الكفاءة، غير أنها تواجه منافسة عالمية شديدة· ومتى ما ازدهرت الصادرات اليابانية، وازدهر معها الاستثمار الداعم لها، كلما تعززت القوة المحركة لاقتصادها الوطني· أما المكون الثاني للاقتصاد الياباني فيتمثل في الصناعات الداخلية مثل معالجة الأغذية وقطاع البناء والتشييد، وتجارة التجزئة· ولا تتسم هذه القطاعات بالكفاءة المطلوبة، إلا إنها تحظى بالحماية من المنافسة الخارجية، بفعل القيود وتشريعات الحماية التي تفرضها الدولة، وكذلك بواسطة آليات التعرفة الجمركية·
وقد كان هذا النظام ملائماً لغالبية اليابانيين· فقد ظلت الصادرات قادرة على تأمين العملة الصعبة المطلوبة لشراء المواد الغذائية وواردات الوقود الأجنبي· وفي الوقت نفسه لعبت حماية الصناعات المحلية دوراً مهماً في تحقيق الأمن الوظيفي والاستقرار الاجتماعي للمواطنين· وهذا ما يفضله اليابانيون بالطبع على حدة المنافسة مع السوق العالمي· ولكن المشكلة أن هذا النظام كان قد انهار في منتصف عقد الثمانينيات· فبسبب ارتفاع قيمة ''الين'' أصبحت الصادرات اليابانيــــة أكثر تكلفــــة في الأســـواق العالمية، ما يعني انخفـــاض الطلـــب على صادراتها· وفي الوقت نفسه برز منافسون جدد لها في السوق العالمي، مثل كوريا الجنوبية وتايوان· وبذلك خسرت اليابــان القــوة الرئيسية المحركة لاقتصادها الوطني· وتلك هي معضلتها الاقتصادية الكبرى·
عندها حاولت الحكومة التدخل لحل المعضلة· ففي عقد الثمانينيات، سعى البنك المركزي الياباني لتفادي تأثيرات ارتفاع الين بتوفير الائتمانات الرخيصة· ولكن كان لهذا الإجراء ردة فعله السلبية التي تمثلت في ما عرف حينها بـ''اقتصاد الفقاعة'' حيث حقق الاقتصاد نمواً سريعاً وقياسياً في وقت وجيز للغاية· ولكن سرعان ما انفجرت تلك الفقاعة، ما أرغم الحكومة على تبني 13 خطة متتابعة لحفز الاقتصاد الوطني· ولكن لم تفلح جميع تلك الخطط في إخراج الاقتصاد الياباني من هوة الركود العميق التي انزلق إليها· ففي شهر ديسمبر المنصرم انخفضت صادراتها بنسبة 35 في المئة، لتتعمق الأزمة أكثر مما كانت عليه·
غير أنه ليس بالضرورة أن يتكرر ما حدث في اليابان هنا في أميركا· كما لا يعني فشل خطط الحفز الاقتصادي تلك، عدم جدوى الخطة التي اقترحها الرئيس أوباما· فعلى الحكومات أن تتدخل في بعض الأحيان لوقف خطر التردي الاقتصادي· ولكن مشكلة خطة أوباما أن فعاليتها سوف تكون أقل بكثير مما تم الترويج له· والسبب أن أخطر المشكلات الاقتصادية التي ستواجهها بلادنا، هي تلك التي ستنشأ بعد عام ·2009

روبرت جي· صامويلسون
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا