الاتحاد

دنيا

طلاب «السمالية» يستعرضون مهاراتهم في ركوب الهجن

الطلاب في جولة على ظهور الجمال

الطلاب في جولة على ظهور الجمال

في أسبوعه الثاني اتخذ ملتقى السمالية الثامن عشر من “سحر التراث” عنواناً له، حيث كان طلابه على موعد مع أنشطة تراثية شتى، في مقدمتها أسلوب التعامل مع الهجن بأنواعها الكثيرة، إضافة إلى سائر الفعاليات التي يركز عليها الملتقى سعياً لتحقيق أهدافه في توثيق عرى التواصل بين الأمس واليوم.

في المكان الشاسع المخصص للإبل من جزيرة السمالية، وقف مسؤول قسم الهجن حميد المنصوري يراقب الفتية من أعمار مختلفة، وهم يتقدمون بثقة نحو الهجن ينيخونها أرضاً، ثم يتركونها ترتفع بهم متهادية، قبل أن تسير بثقة فوق أرض يبدو أنها تعرفها جيداً، يمتطونها بثقة تدعو إلى الإعجاب المزدوج المصدر؛ فمن ناحية لا يملك المتابع إلا أن يتساءل عن سر هذه الشجاعة التي تتيح لفتية بعمر الورد أن يتعاملوا مع حيوانات عملاقة بطمأنينة راسخة، ومن ناحية ثانية لا بد لهذا الانقياد المطيع الذي تبديه الهجن من أن يحرض على استكشاف دوافعها، واستكناه الأسباب التي تحرضها على التجاوب مع مروضين صغار لا يبدو عليهم أنهم امتلكوا من سنوات العمر والخبرة ما يجعلهم قادرين على التحكم بها.
بساطة معقدة
ثمة لغز يحيط بهذا الحدث، وهو يحتاج إلى الضالعين بأسرار الصحراء حتى يتم تفكيكه، وها هو حميد يبدي تفهمه لحيرة ثلة من الصحفيين وقفوا يشاهدون هذا التواصل المجهول الدوافع بين صبية لم تتقدم بهم السنين، ولم تعل الهامات، وبين هجن مجربة ارتسم الصبر فوق ملامحها علامات على فعل الزمن.
يقول المنصوري “عالم الإبل بسيط بقدر ما هو معقد، يحتاج إلى فهم مفرداته، وإلى استيعاب تفاصيله، لا تسلس الإبل قيادها إلا لمن أتقن التعامل معها، هي ليست حيوانات خانعة، بل متفاعلة ومتجاوبة حين يجري الأمر بصورة مدروسة، لكن أي إخلال بقواعد التعاطي معها سيحيل أي تواصل إلى نوع من المستحيل، فهي، وبقدر ما تبدو متعاونة، حيوانات متمسكة بمزاجها، حريصة على كبرياء دفين، لا يكتشفه إلا من كان خبيراً بالإبل، مستوعباً لخفاياها السلوكية”.
ويضيف “في السمالية صار لدينا مخزون كاف من الهجن، وهو يتوالد بصورة منتظمة بما يجعلنا في غنى عن استيراد أي جمل جديد، ونحن نتلقى يومياً زيارات متنوعة المصادر، من مجموعات ترغب في استيعاب هذا البعد الخفي الذي تشكله الإبل، يأتينا البعض وهو يعلم الكثير عنها، فأهالي السويحان والوثبة، والعين، لديهم الكثير من المعلومات عنها، وهم يجيدون التعامل معها، لكن أهالي الحضر، أبوظبي مثلاً، قليلو الدراية بشأنها، وإن كانت رغبتهم في الحصول على معلومات كافية حولها صادقة إلى أبعد الحدود”.
إحاطة شاملة
يضيف المنصوري “يجدر بمربي الإبل أن يكون ملماً بالكثير من التفاصيل التي تشكل أجزاء حيوية من يومياتها، عليه مثلاً أن يكون مستعداً لمساعدة ناقة تعسرت ولادتها، وعليه أن يكون متابعاً للنظام الغذائي الخاص بجماله بحيث لا تأكل أكثر أو أقل مما هو مقرر لها، وذلك تبعاً لنوعية استخدامها، فالهجن التي تعد للسباق هي غير تلك التي يستفاد منها في عملية التكاثر، ولكل نوع أسلوب تربيته، ودرجة الحذر المفترضة في التعامل معه، ومن غير الصحيح الاعتماد على كون الإبل حيوانات أليفة، إذ يمكن لبعضها في حالات معينة أن يكون خطراً، وأن يتسبب بحوادث مؤلمة”. ويشير إلى بعض الإبل المجهزة للتدريب، قائلا “تروننا قد كممنا أفواه بعض هذه الجمال، لأننا لسنا على يقين تام من أنها لن تعض راكبيها في لحظات حرجة، ويبقى الحذر ضرورياً في مثل هذه الحالات”.
ويتابع المنصوري “صاحب الإبل يعرف إبله مهما اختلطت بأخرى غريبة، يسعه تمييزها بل وإثبات ملكيته لها في حال الاشتباه والالتباس، هي تتيح الكثير من علامات الخصوصية بالرغم من كل التشابه الذي يبدو عليها لوهلة، والذي ينطلي على غير المجربين، بل يمكن لمربي الإبل التمييز بين اثنين من إبله مهما بلغت درجت تشابههما، وهناك أيضاً من يستطيع الاهتداء إلى إبله اعتماداً على آثارها فوق التربة الصحراوية وحدها”.
وفيما يخص المعلومات عن الإبل التي يتلقاها الطلبة في ملتقى السمالية، يوضح المنصوري “نحن نعلمهم كل ما يحتاجون معرفته بشأنها: أنواعها، أشكالها، طرائق سلوكها، كيفية التعامل مع حاجاتها المختلفة، إضافة إلى تركيبها الجسدي، وإلى نقاط الجسد التي يمكن عبرها توجيه رسائل وتعليمات إلى الإبل، فتنويخ الهجين مثلاً يقتضي التربيت على ساقه الأمامية، أما استنهاضه فيحتاج إلى ضربة خفيفة على إحدى نقاط الفخذ، كل هذا يتعلمه الطلاب، ويمارسونه بالتجربة الحية حتى يسعهم أن يتعاملوا مع الإبل بطريقة محترفة، وبالنسبة للفتيات فنحن ندربهن على عملية استخراج الحليب من النوق، إضافة طبعاً إلى الخطام والساح الذي يوضع فوق ظهر البعير، وأحياناً يكون من الضروري أن يضاف إلى الخطام ما نطلق عليه تسمية الخزام، وهو عبارة عن حبل دقيق يمرر من أنف البعير ويجري استخدامه لكبح جماحه فيما لو تعذر ذلك اعتماداً على الخطام وحده”.
الإبل الطائرة
يحلو للمنصوري تشبيه الجمل في قيامه وقعوده بالطائرة في حالتي إقلاعها وهبوطها “مهما كان المرء متمرساً في السفر، لا بد لإقلاع الطائرة أن يثير في نفسه بعض الجزع، كذلك الحال عند الهبوط، أما السير فهو غالباً آمن يخلو من المفاجآت، هكذا هو حال الجمل، فحين ينهض واقفاً لابد للراكب من أن يشعر بشيء من الخشية يتسرب إلى دواخله، خاصة أنه يموج أثناء وقوفه بطريقة توحي بأن فقدانه لتوازنه أمر وارد، كذلك هو يجلس بشكل مشابه، ويترك انحناؤه إحساساً لدى الممتطي أنه لن يبقى آمناً في مكانه، أما خلال السير فيبدو الموقف باعثاً على الطمأنينة، بل هو ممتع حقاً، حيث يشعر الراكب بمزيج من الآمان والفخر كونه يطل على محيطه من مكان عال”. ورداً على سؤال حول وجود جمل رئيس يكون مبادراً في حالتي النهوض والقعود، ويتقدم باقي الجمال بمسافة بسيطة. يقول المنصوري “لا بد من وجود قائد يخضع له الباقون حتى ينتظم المسير، ووجود الجمل الرئيس عامل حاسم في تسيير أي قافلة مهما كان عدد جمالها متواضعاً”. أما عن الشروط التي يجري الاعتماد عليها في تحديد الجمل الرئيس، فيوضح “نحن نلجأ إلى المتقدم في العمر، والذي يتصف ببعض سمات القوة والهدوء، ويكون مطواعاً بما لا يترك فرصة لأي مفاجأة، لأن أي خلل في سلوك الجمل الرئيس لا يقتصر عليه وحده، بل هو يتعداه نحو باقي عناصر القافلة، لذلك من الضروري أن يتم اختياره بدراية، وهو يتعود على موقعه المتصدر، كما يعتاد الآخرون على ذلك أيضاً من التجارب الأولى”.
ثقة المتدربين
حول اختلاف سلوك الهجن باختلاف أعمارها، يقول المنصوري “تزداد الإبل مع التقدم في السن حكمة، بقدر ما تنخفض قدراتها الجسدية، ونحن لذلك نعتمد أثناء تدريب المبتدئين على الجمال الهرمة التي تكون حركاتها بطيئة، أما المحترفين فيفضلون الإبل الشابة التي تتقد حيوية، والتي يمكن اعتماداً على تدفقها الحيوي اختبار براعة ممتطيها”.
ويبدو الفتية المتدربون على ركوب الهجن متآلفين معها إلى حدود بعيدة، ليس ثمة خشية في العيون البريئة من التعامل مع حيوانات على هذا القدر من الضخامة، هم يتقدمون نحوها بثقة، يقبضون على لجامها بأيد لا تنقصها الخبرة، ويتركون لها أن تسير بهم غير عابئين بالعلو الشاهق الذي يبلغونه محملين فوق ظهورها الباسقة. في هذا السياق، يقول زايد الظاهري، وهو في الرابعة عشرة من عمره، إنه يرتبط بعلاقة وثيقة مع الإبل منذ أن كان في العاشرة، يستغرب سؤالنا عما إذا كان امتطاؤه لأحد الجمال يتسبب له بشيء من الرهبة، “لماذا أرهبه ما دمت أعرف كيفية التعامل معه؟ أعرف من أين يجدر بي أن أمسك الخطام، وكيف يمكنني أن أوجهه، كذلك أعلم جيداً ما هي المصطلحات التي يجدر بي أن أرددها على مسمعه حتى يستجيب لأوامري”.
كذلك يبدي ناصر النيادي، وهو لا يزال في الثلاثة عشرة من عمره، حرصاً على ارتداء قبعة قبل أن يبادر إلى الاقتراب من أحد الجمال، بهدف امتطائه، وعندما نسأله عن السبب يبادر إلى القول، وفوق ملامحه شيء من الاستغراب “لا يجوز الاقتراب من الجمل دون غطاء رأس، فهو حينها سينفر وسيكون عدائياً، لابد من تغطية الشعر جيداً قبل أي محاولة للتعامل مع الجمل”.
من جهته، يعود عبيد المزروعي منشرحاً من جولة قصيرة أمضاها مع زملاء له، فوق الإبل، وبسؤاله عن شعوره يوضح أنه يشعر بالبهجة عندما يتواصل مع الإبل، فهو اعتاد أن يمتطيها في عزبة والده التي تضم عدداً منها، ويرى أن صلته بها تزداد مع الزمن وثوقاً.

اقرأ أيضا