صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الموارد المتجددة والتحول في الطاقة عالمياً

عدنان أمين *

يشهد العالم تحولاً كبيراً في مجال الطاقة، مدعوماً بنمو غير مسبوق في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، بفضل انخفاض تكلفتها، والنمو المتسارع في ابتكاراتها. ويأتي ذلك في الوقت الذي يتوقع أن يؤدي تنفيذ اتفاق باريس وأهداف التنمية المستدامة إلى تعزيز هذا التحول.
إن تطابق الرؤية العالمية طويلة الأجل لتحقيق التحول بقطاع الطاقة مع هذه الأهداف هو أمر بالغ الأهمية، لاسيما في ظل الحقيقة التي مفادها بأن الطاقة هي المسؤولة عن ثلثي الانبعاثات الضارة عالمياً. وفي هذا الإطار، فقد أفادت دراسة حديثة أجرتها الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا) تحت عنوان «آفاق تحول الطاقة: باحتياجات الاستثمار لنظام طاقة منخفض الكربون» بأن تحقيق تحول في الطاقة يتماشى مع الأهداف الرامية إلى تخفيض درجة حرارة الأرض إلى ما دون درجتين مئويتين بحلول عام 2050، وهو ما ينطوي على فوائد تقنياً واقتصادياً، وغيرها من الثمار التي سيجنيها العالم.
ويأتي في صميم هذا التحول العالمي بالطاقة حراك كبير على المستوى التجاري بمجال الطاقة المتجددة. ففي غضون السنوات القليلة الماضية، شهدنا انخفاضاً في تكلفة الطاقة المتجددة بدرجة ملحوظة. فقد تراجعت تكاليف الألواح الكهروضوئية بنسبة تصل إلى 80 في المئة منذ عام 2009، وانخفضت تكاليف توربينات توليد طاقة الرياح بمقدار الثلث تقريباً في الفترة نفسها. وفي أبوظبي، التي تحتضن مقر «آيرينا»، تم توقيع عقد مجمع الطاقة الشمسية الكهروضوئية بقدرة 1.177 غيغاواط بسعر 2.42 سنت أميركي/ كيلوواط ساعة. ومن المتوقع أن يستمر انخفاض التكاليف على مدار العقد المقبل، مع احتمال تراجع تكاليف الطاقة الشمسية الكهروضوئية بنسبة 60 في المئة أخرى، وبنسبتي 35 في المئة و 25 في المئة لطاقة الرياح البحرية والبرية على التوالي.
وقد ساهم هذا الزخم التجاري القوي في مجال الطاقة المتجددة في تمهيد الطريق لتحقيق نمو متميز ولافت من حيث القدرات الإضافية الجديدة. ففي العام الماضي وحده، زادت قدرات توليد موارد الطاقة المتجددة بمقدار 161 غيغاواط، مما جعل 2016 العام الأكثر تميزاً على الإطلاق من حيث هذه الإضافات. ويذكر أن أكثر من 50 في المئة من هذه الإضافات كانت في البلدان النامية. وعلى الرغم من أن هذه الأرقام تظهر توجهاً واضحاً، إلا أنها وحدها لا تعبر عن مدى التحول الجاري الذي يشهده هذا القطاع.
ففي كاليفورنيا، الولاية التي تفوقت على فرنسا من حيث الناتج المحلي الإجمالي، سجلت في 13 مايو الماضي نسبة بلغت 80 في المئة من حيث الاعتماد في موارد الطاقة بها على الطاقة المتجددة، وبعد حوالي أسبوعين من هذا التاريخ، أنتجت الخلايا الشمسية في المملكة ا لمتحدة 8.75 غيغاواط من الطاقة، وساهمت في تلبية 24 في المئة من الطلب على الكهرباء متجاوزة الطاقة النووية للمرة الأولى.
وفي الوقت نفسه، بدأت دول عدة على امتداد العالم في رفع سقف طموحاتها بشأن تحفيز الاعتماد على الطاقة المتجددة. فعلى سبيل المثال، أعلنت الصين في وقت سابق من العام الحالي عن خططها لاستثمار حوالى 361 مليار دولار أميركي لتوليد الطاقة المتجددة بحلول عام 2020. وبالإضافة إلى ذلك تعكس المشاركة المتزايدة للبلدان الكبرى المنتجة للنفط والغاز الحجم الحقيقي للتحول في الطاقة.
فقد أطلقت المملكة العربية السعودية أخيراً برنامجها الوطني للطاقة المتجددة الذي يهدف إلى نشر 9.5 غيغاواط من الطاقة المتجددة بحلول عام 2023 وجذب ما يصل إلى 50 مليار دولار أميركي من الاستثمارات في هذا القطاع، في الوقت الذي تتقدم روسيا الآن بأكبر مبادرة للطاقة المتجددة بقدرة 2 غيغاواط تقريباً. وأعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة، في يناير الماضي، أنها ستخفض انبعاثات الكربون بنسبة 70 في المئة، وإنتاج 44 في المئة من الطاقة من المصادر المتجددة بحلول عام 2050.
ولا يقتصر تحول الطاقة على الجهات الحكومية العليا فحسب، بل إن الأمر يمتد إلى جهات حكومية فرعية، لاسيما بعدما تعهّدت مدن عدة بالوصول إلى نسبة 100 في المئة من الاعتماد على احتياجات الطاقة لديها من مصادر الطاقة المتجددة من خلال التعاون مع الأجهزة المحلية التي تشاركها الطموحات نفسها. وفي القطاع الخاص، تحرص الشركات بشكل متزايد على اختيار مصادر الطاقة المتجددة لتسيير أعمالها، حيث تستحوذ مصادر الشركات على 25 مليار دولار من الطاقة المتجددة على نطاق المرافق الجديدة منذ عام 2010. وأعلنت شركة جوجل في وقت سابق من هذا العام، أنها ستعتمد بنسبة 100% في عملياتها العالمية في عام 2017 على مصادر الطاقة المتجددة، ووقعت بالفعل صفقات للحصول على هذه المصادر تمثل أكثر من 2.5 غيغاواط من الكهرباء.
وبالإضافة إلى الميزة التنافسية التي تحظى بها الطاقة المتجددة كمصدر كفؤ من حيث التكلفة، فإنها تتسم في الوقت نفسه بتأثير أوسع نطاقاً، يشمل التعامل مع ظواهر التغيرات المناخية وتلوث الهواء، وتأثيرها على تعزيز النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وتطوير قطاع التصنيع. ويظهر تحليل وكالة «آيرينا» أن تدابير الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة يمكن أن تحقق 90 في المئة من التخفيضات المطلوبة للتخلص من الانبعاثات الكربونية التي يعاني منها قطاع الطاقة بحلول عام 2050. وفي الوقت نفسه، سيبلغ صافي الاستثمار الإضافي اللازم لإجراء عملية التحول 29 تريليون دولار أميركي على مدى الفترة بين عامي 2015 و2050، حيث من المقرر أن تتجاوز الوفورات الكبيرة الناجمة عن انخفاض الآثار الصحية نتيجة تلوث الهواء وتغير المناخ، بمعامل يتراوح بين رقمين وستة أرقام بحلول عام 2050. بالإضافة إلى أن هذا التحول في الطاقة سيؤدي إلى خلق فرص عمل لما يقرب من 26 مليون شخص.
لا شك في أن جني هذه الفوائد لا يتطلب الابتكار التكنولوجي وحده بل والابتكار في السياسات ونماذج الأعمال وتصميم الأسواق أيضاً، إذ أن الحلول المبتكرة يمكنها أن تساعد على دمج مساهمات أكبر لموارد متنوعة من الطاقة المتجددة في أنظمة الطاقة، واستقطاب استثمارات وتعزيز خفض التكاليف، وتوفير حوافز لدعم مرونة الأنظمة، والمساعدة على تسريع نشر الطاقة المتجددة في قطاعات الاستخدام النهائي الذي لا يزال متخلفاً عن الركب.
إن الابتكار هو ما تسعى جائزة زايد لطاقة المستقبل لدعمه وتعزيزه، ويمكن للحلول المبتكرة من هذا النوع أن تخلق أثراً على المستوى العالمي، وتسرّع تحولنا إلى نظام الطاقة القائم على مصادر الطاقة المتجددة. فهي تعكس التزام دولة الإمارات العربية المتحدة وريادتها لهذا التحول في مجال الطاقة، باعتبارها مقراً لمدينة مصدر والوكالة الدولية للطاقة المتجددة «آيرينا» التي تضم معظم دول العالم تقريباً.
وفي نهاية المطاف، فإن هذه الجهود الحثيثة التي تقوم بها دولة الإمارات نحو ريادة الابتكار هي انعكاس للرؤية الحكيمة التي أرساها الأب المؤسس لدولة الإمارات المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه.
ومن المؤكد أن المضي في خطواتنا نحو تحفيز الابتكار، وتسريع ثورة الطاقة المتجددة اليوم، يضمن لنا امتلاك الطاقة المستدامة في المستقبل.