عبير زيتون (دبي)

ماذا يجري لنا حين ندخل في «تويتر»؟ هل ندخل هذا المنزل الزجاجي للاغتسال الثقافي بما أن كل شيء يصبح مكشوفاً ومباشراً ومتحرراً من كل أنواع الرقابة، حتى الذاتي منها، في مشهد لحظوي تكون فيه حركة الأصابع على لوحة المفاتيح أسرع من حركة الذهن، فتسبق التبصر والتدبر، حسب درجة الضاغط الثقافي والاجتماعي للمغرد؟ وماذا عن أهم سؤال أثارته العصفورة «تويتر» بخصوص ثنائية (الحرية والمسؤولية)‏‏‏‏ و(حرية التعبير ومسؤولية التعبير)؟ مع مغريات سهولة التعبير الإلكتروني في البيت الزجاجي؟ ودور الحجب في التعامل مع الخصم، أو المختلف، والمخالف مع أساليب «تويتر»؟
شكلت هذه الأسئلة، وبأسلوب «تويتري» في التكثيف، والطرح، والعلاج، جوانب مما عالجه الكاتب والناقد السعودي المعروف الدكتور عبدالله الغذامي، أستاذ النقد والنظرية بجامعة الملك سعود بالرياض، في محاضرة أقامتها ندوة الثقافة والعلوم، مساء أمس الأول، وحملت عنوان «ثقافة تويتر بين حرية التعبير ومسؤوليته»، وأدارتها الكاتبة عائشة سلطان، بحضور معالي الأديب محمد المر رئيس مجلس إدارة مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم، رئيس مجلس أمناء جائزة محمد بن راشد للغة العربية، وجمع من الأكاديميين والمتابعين والمهتمين بالشأن «التويتري» من الشباب.
وتوقف الدكتور الغذامي، في بداية حديثه، عند تجربته الشخصية مع «حضوره التويتري»، وتعامله مع لسان التكنولوجيا الجديد، فوصفها بالبداية «المربكة والمترددة» لمن هم من جيله، ولكن الفضول المعرفي في تحدي هذا النسق الثقافي الجديد الذي ظهر كمضاد للثقافة، والوقار الثقافي، دفعه إلى تتبع فضاء هذه الشاشة الزرقاء التي دفعت محطة تلفزة كبيرة مثل الـ(CNN) إلى الاعتراف بهزيمتها أمام هذا العصفور الأزرق في ما يتعلق بسرعة تغطية عدد من الحوادث، في تقرير حمل عنوان «الطائر الثري».
وجدد الدكتور الغذامي تأكيده على تأنيث المفردة «تويتر» (عصفورة، وليست عصفوراً)، مؤكداً: مالَ الناس عامة للإحالة إليها بالتذكير، وهذا ليس مستغرباً في ثقافة تختزن الحس الذكوري الفحولي، ولكن هناك مقولة ثقافية لغوية تشير إلى أن ظاهرة الثرثرة عند النساء، هي نتاج مهارة ذهنية، وثراء لغوي، ومهارتي الاستقبال والإرسال، لا يمتلكها الرجل وتختص بها المرأة، وهي ليست عيباً توصم به المرأة كما تميل الثقافة النسقية إلى الاعتقاد، والثرثرة سمة من سمات «تويتر».
وحول طبيعة الحرية الملونة (تويتر الزرقاء)، وهل يجب التمييز بينها وبين الحرية الوجودية والحرية المفاهيمية، قال الدكتور الغذامي بالمختصر المفيد: «الحرية والمسؤولية، من أخطر المفاهيم التي تعامل معها البشر، والحرية بطبيعتها هي قيمة مشتركة، وليست قيمة فردانية، وهذا اشتراك يستوجب قيام المسؤولية بجانب الحرية، ولا يستقيم انفراد إحداهما عن الأخرى، وكلما زادت جرعتك من الحرية، زادت معها جرعتك من المسؤولية، ولو نقصت هذه نقصت تلك معها، وأخلاقياً أنت محاسب عن كل تصرف حر تختاره بخيارك وقرارك الذاتي، والحرية في (تويتر) هي من هذا النوع المصحوب بالمسؤولية بالضرورة، ولابد للفرد أن يتعايش، ويرضى مع كل من حوله لكي يبقى حراً».
وأوضح الغذامي: «لن تمتلك حريتك التامة لأنك لا تمتلك وجودك التام، وهذا ما يجعل حرية التعبير في (تويتر) هي المزية، والعيب معاً، لأن حرية هذا تحتك بحرية ذاك مباشرة، ودون ضوابط مادية ولا زمنية، وهي فعالية تكشف عن تحول الخطاب من الورقة، والصفحة إلى الإصبع والشاشة، وهو تغير نوعي عميق في تفاعلية الثقافة، تبعه تكشف حالة الخطاب كمن يستحم في بيت زجاجي على شاشة من سمتها أنها كاشفة/‏‏‏‏ مكشوفة».
وتوقف الدكتور الغذامي عند إيجابيات وسائل التواصل الاجتماعية في التعبير عن الرأي، وكسر الحدود وتساويها بين القامات، نخبة وعامة، وتخليص اللغة العربية من الاستطراد، والإطالة، ودفع الشباب لتعلم لغة الاختزال، والتكثيف. وقال: «بمتابعة نسقيَّة الأفكار والكتابات، وبعيداً عن أسماء أصحابها، سنكتشف تركيبة الوطن العربي، ومنها سنعيد اكتشاف منطقة الخليج على المستوى العربي، وفحوى الصورة الذهنية النمطية عن المنطقة (كبئر بترول مرفَّهة)، لا تعنيها القضايا العربية الكبرى، ولكن مع وجود وسائل التواصل الاجتماعي، يتبين الدور الكبير للمغردين الخليجيين في التعبير عن عروبتهم، وانتمائهم الأخلاقي الأصيل لمحيطهم العربي، أكثر من عروبة بعض الدول العربية»، مضيفاً: «هناك شعلة اهتمام أخلاقية، وسياسية عربية لدى مغردي الخليج. وهذا ما جعل الخليج يظهر أكثر أصالة ووطنية وتمسكاً بالعروبة».
وتساءل الدكتور الغذامي في ختام محاضرته: كيف نجعل هذه العصفورة الثرية «تويتر» مادة تربوية بالمعنى الأخلاقي والمتسامي للتربية، مع طبيعة التحولات الثقافية التي تمر بها المجتمعات حين يعم التصنيف الأيديولوجي، وتطفو لغة الكراهية، وتضارب القيم؟ ليجيب: القيمة الحقوقية، وقيمة التسامح.