التفاصيل المتعلقة بالهجوم الذي قام به «رزاق علي ارتان»، الاثنين الماضي في حرم جامعة ولاية أوهايو في كولومبوس، مازالت شحيحة حتى الآن، ولكن تبين من خلال مراجعة مشاركاته في وسائل التواصل الاجتماعي، أنه كان يثني على تنظيم «داعش»، كما كان يبدي إعجاباً بواعظ تنظيم «القاعدة» المقتول «أنور العولقي» الذي تقول الولايات المتحدة (وهو حامل لجنسيتها) إنه قد نظم هجمات على الأميركيين.

     

والهجوم الذي وقع في جامعة أوهايو، يأتي بعد مرور شهرين، على وجه التقريب، بعد قيام «أحمد خان رحيمي» بتفجير قنبلتين في ولايتي نيويورك ونيو جيرسي. وعندما نشرت صفحات من يوميات «رحيمي» المغموسة في الدم، وتعرف الجمهور على جانب منها، فإن محتوياتها أثارت قدراً من الحيرة والارتباك، لدى معظم من قرؤوها. ففي شخبطاته المدونة في تلك اليوميات ذات النفس العنفي الفاضح، أعرب رحيمي عن دعمه لتنظيم «القاعدة»- والذي من الواضح أنه كان قد استمد إلهامه منه- ولتنظيم «داعش» أيضاً، مما دفع الكثير من المتابعين إلى التساؤل في حيرة: كيف يمكن لولاءات المجاهدين أن تكون منقسمة على هذا النحو بين تنظيمين أحدهما يمثل انشقاقاً عدائياً على الآخر؟

     

 

     

للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي القول، بادئ ذي بدء، إن العديد من الجهاديين الغربيين، ليسوا بالضرورة مدفوعين فيما يقومون به من أنشطة وهجمات من قبل مجموعة محددة، وإنما بخطاب وأيديولوجيا وأنشطة الحركة الجهادية العالمية في عمومها، والتي غالباً ما يشار إليها بالحركة السلفية الجهادية. وفي الحقيقة، فإن ما خلص إليه تقرير أعلن في الأيام الأخيرة من قبل برنامج جامعة جورج واشنطن عن الإرهاب، يظهر أنه في عام 2011، أدين 79 شخصاً في الولايات المتحدة، بتهم مرتبطة بإرهاب جهادي ليس له علاقة بتنظيم «داعش». وفي العديد من تلك الحالات المسجلة أمنياً وقضائياً، عبّر المتهمون عن الالتزام العام بالنهج الأساسي للحركة الجهادية الأوسع نطاقاً، وليس عن هاجس الانتماء لمجموعة تنظيمية بعينها.

     

ولكن كيف تطورت الأيديولوجيات الإرهابية وخطابها الاستقطابي، فيما وراء المنظمات الإرهابية وأطرها الحركية المباشرة؟ يجب أن نعرف أن المنظمات الإرهابية لا تنشأ في فراغ، وإنما تمثل، في الغالب الأعم، التجسيدات الأكثر تطرفاً وعنفاً لبيئة أو حركة أو تيار اجتماعي أوسع نطاقاً. وحسبما يرى كثير من الباحثين والخبراء المختصين، فإن الحركة الجهادية العالمية اليوم، باتت هي الحركة الاجتماعية الأكثر عنفاً وانتشاراً في العالم على الإطلاق، بما تنطوي عليه من جاذبية مناوئة للثقافة السائدة، قد لا يستطيع سوى عدد قليل من التيارات الأيديولوجية منافستها في جذب بعض الفئات العمرية الشابة.

     

وتنظيم «القاعدة»، وهو واحد من أبرز الجماعات الإرهابية التي انبثقت عن الحركة الجهادية العالمية، كان رأس الحربة وحامل راية الجهاد العالمي، وهي التي يحاول «داعش» -على الأقل- رفعها في الوقت الراهن للوصول إلى عقول وقلوب الفئات الاجتماعية المستهدفة بخطابه.

     

وقد كان المنظرون الاستراتيجيون الجهاديون، على بيِّنة من قوة حركتهم لبعض الوقت، لكنهم على ما يبدو بدؤوا، ومنذ وقت طويل، في التطلع إلى ما وراء الشبكات التنظيمية الهيراركية (الهرمية) الرسمية. وقد سعى هؤلاء المنظرون لتشجيع زرع حركة أوسع نطاقاً وأكثر مرونة في بنائها التنظيمي، لا تعتمد بشكل مفرط على مجموعات حركية منتسبة تنظيمياً، أو أفراد قياديين من أجل بقائها.

     

ويعني ذلك أن اعتقال أو قتل الشخصيات القيادية في مثل هذه التنظيمات، بدءاً من أنور العولقي، منظّر «القاعدة» في اليمن، والذي كان رجلا له أنصاره، وكان يجيد اللغة الإنجليزية، إلى المتحدث السابق باسم تنظيم «داعش»، وهو «أبو محمد العدناني»، وإن كان لتصفية هذين الرجلين تأثير مؤكد على التنظيمين، إلا أنه لن يؤدي، كما يعتقد المختصون والباحثون على نطاق واسع، إلى إزالة تهديد الجماعات الإرهابية بشكل كبير وكامل.

     

وفي الحقيقة إن الجزء الأكبر من عينتنا المكونة من 79 شخصاً -كانوا قد اتهموا بتهم غير ذات صلة بـ«داعش»، خلال الفترة ما بين الأول من مارس 2011 وحتى 31 يوليو 2016- لم تكن لهم روابط رسمية بـ«منظمة إرهابية خارجية»، مما يبرز الطبيعة غير الرسمية، للتهديد الحالي.

     

الجماعات مازالت تهم بالطبع، ولكن لأسباب مختلفة وراء ذلك. فكم البيانات المتوافر لدينا، يبين أن هناك أميركيين قد ارتبطوا بـ13 «منظمة خارجية أجنبية» مختلفة تتراوح ما بين «أنصار الدين» في مالي وجماعة «شباب المجاهدين» في الصومال. وهذا في الواقع أمر يدعو للقلق بشكل كبير، لأن الهجمات الإرهابية الأكثر خطراً، عادةً ما تكون نتاجاً للتدريب الذي يتلقاه بعض الأفراد من منظمات إرهابية معينة.

     

وبالنسبة لجهات إنفاذ القانون الأميركية، فإن الولاء أو التبعية لجماعة إرهابية، يعد أمراً في غاية الأهمية، لتحديد وجهات التحقيقات والتحريات التي تقوم تلك الجهات بإجرائها، سواء تلك التي يتم القيام بها بغية الحيلولة دون وقوع الهجمات، أو تلك التي تتم في إطار الملاحقات القضائية التي تهدف لتقديم الإرهابيين للعدالة.

     

وليس هناك شك أيضاً في أن نجاح جماعة معينة يمكن أن يساعد على انتشار حركة من الحركات الجهادية، وبالتالي زيادة معدل تجنيد الأفراد في صفوفها.

     

ومن الواضح في هذا السياق، أن قيام تنظيم «داعش» بتأسيس هيكل دولته المزعومة، والتي اعتبرها أنصاره «دولة الخلافة» التي طال انتظارها (والخلافة تمثل المؤسسة التي يتكون منها لب الأيديولوجية الجهادية، بصرف النظر عن المجموعة أو التنظيم الذي يعتنق هذه الأيديولوجية)، لاشك أن إقامة تلك «الخلافة» الوهمية، ساعد «داعش» على اجتذاب كثير من الأتباع وإلهام أشخاص كانوا مهيئين لقبول الانخراط فيه.

     

وجاذبية تنظيم «داعش» ليست بالأمر الفريد. ومن هنا يمكننا القول إنه ليس هناك ما يدعو للدهشة، عندما نعرف أنه بالنسبة لـ178 شخصاً من المتهمين بتهم متعلقة بالإرهاب الجهادي (سواء المرتبطون بتنظيم معين أو غير المرتبطين به) في الولايات المتحدة، خلال فترة العينة، كانت هناك 99 حالة منها مرتبطة بتنظيم «داعش»، أي ما نسبته 56 في المئة من العدد الإجمالي للمتهمين. وقد تمت أولى حالات القبض المرتبطة بتنظيم «داعش» في مارس 2014، حيث قفز عدد حالات الاتهام إلى 12 بحلول نهاية ذلك العام. ووصلت حالات القبض المرتبطة بـ«داعش»، إلى أعلى معدل لها في عام 2015، حيث بلغ العدد الإجمالي لتلك الحالات في ذلك العام 62 حالة. واعتباراً من 31 يوليو 2016، تم القبض على 21 شخصاً إضافياً. والأفراد الثلاثة المتبقين الذين يواجهون تهماً لها علاقة بـ«داعش» لم يتم القبض عليهم، ويعتقد أنهم موجودون في سورية في الوقت الراهن.

     

وفيما يتعلق بالدعم المقدم للجماعات الجهادية الأخرى، فيبدو وكأنه يتقلص هو الآخر، حيث جرى القبض على 26 شخصاً -33 في المئة- من هؤلاء الذين قُبض عليهم بتهم ليس لها علاقة بإرهاب «داعش» خلال عام 2011، وهو نفس العام تقريباً الذي بدأ فيه التنظيم في اجتذاب مقاتلين أجانب من الغربيين. وفي السنوات التي مضت منذ ذلك العام وحتى الآن، هبط العدد السنوي للأفراد غير المرتبطين بإرهاب «داعش»، حيث قُبض على 12 فرداً في عام 2015، وثلاثة أفراد فقط قرب نهاية فترة العينة لهذا العام.

     

ومن بين الأعضاء المتهمين غير المنتمين لتنظيم «داعش» المتهمين المشمولين في دراستنا، حاول 38 في المئة من هؤلاء الأفراد السفر إلى الخارج، أو نجحوا في ذلك بالفعل. والجهات التي سافروا إليها شملت سورية، واليمن، وأفغانستان، والصومال، والسعودية، وباكستان. وتقارن هذه النسبة بنسبة 46 في المئة، في الحالات المرتبطة بتنظيم «داعش» خلال نفس القترة، وهو شيء متوقع بالطبع، خصوصاً إذا ما وضعنا في اعتبارنا، أن تنظيم «داعش» قد أعطى أولوية لهجرة المسلمين لـ«دار الخلافة» التي أعلن عنها متمثلة في مناطق سيطرته! ومع ذلك فإن النتائج التي توصلنا إليها، تبين أن تنظيم «داعش» ليس هو أول جماعة جهادية تشجع المسلمين الغربيين على السفر للخارج والقتال، بل سبقتها جماعات أخرى.

     

والسؤال الذي نطرحه في هذا السياق هو: مَن هم هؤلاء الإرهابيون الذين نطلق عليهم بشكل عام إرهابيين محليين؟

     

للإجابة على ذلك السؤال نبدأ بالقول إن ثُلث، أي نحو 34 في المئة من الأفراد المشمولين في مجموعة بياناتنا، كانوا متورطين في التخطيط لهجمات إرهابية في الولايات المتحدة. وقد اشتملت الأهداف التي خططوا لضربها على مؤسسات دينية تابعة لأصحاب الأديان الأخرى، ومبانٍ حكومية، وبنوك، وجامعات. وقد نجح واحد فقط من هؤلاء المتهمين، وهو «جوهر تسارنييف» منفذ تفجير ماراثون بوسطن، في تنفيذ هجوم محلي على هدفه.

     

ومن خلال المشاركة في نفس الأسس الأيديولوجية، التي تبناها التنظيم السابق على تنظيم «داعش»، وهو تنظيم «القاعدة»، تمكن «داعش» من حصد منافع الأسس التي وضعها تنظيم «القاعدة»، والوعاظ الغربيين فيها، الذين قدموا ونشروا وفصّلوا أيديولوجية الجهاد الإسلامي العالمي لجمهورهم. فالإرهابيون من مثل مطلقي النار في سان بيرناردينو، يمكن اعتبارهم من «خريجي القاعدة» الذين جرى تعريفهم بالسلفية الجهادية بوساطة «القاعدة» وخطابات العولقي، ولكنهم تصرفوا باسم قائد تنظيم «داعش» أبو بكر البغدادي.

     

وفي حين أن عدداً غير مسبوق من الأميركيين، قد تحولوا إلى التطرف دعماً لتنظيم «داعش» في السنوات الخمس الماضية، إلا أن حالات القبض على الإرهابيين غير المرتبطين بالتنظيم، تبين أن الجهاديين الأميركيين يواصلون الاستلهام من مصادر مختلفة، وليس من مصدر واحد فحسب. ومن هنا فإن فهم التحديات الطويلة الأمد للتهديد الجهادي العالمي، سيتطلب منا النظر إلى ما وراء مجموعات أو ولاءات محددة.

     

-----------------------------

     

إطار:

     

الإرهاب المحلي.. جذور وأماكن

     

-----------------------

     

تبرز النتائج التي جرى التوصل إليها، الطبيعة المحلية الحقيقية للتهديد الإرهابي في الولايات المتحدة. فعلى الرغم من المخاوف المستمرة بشأن اللاجئين والهجرة، فإن 52 من الـ79 شخصاً المتهمين بتهم متعلقة بالإرهاب الجهادي غير المرتبط بـ«داعش»، هم في الأساس مواطنون أميركيون أو مقيمون في الولايات المتحدة بصفة قانونية. أربعة فقط من بين هؤلاء يصنفون كلاجئين، في حين كان اثنان منهم في الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، وواحد منهم كان موجوداً فيها بتأشيرة طالب.

     

أما أعمار المتهمين حسب مجموعة البيانات، فتختلف فيما بينها. فأعمار المشمولين بتهم تتعلق بارتكاب أعمال إرهابية، مستلهمة من الإرهاب الجهادي، غير المرتبط بتنظيم «داعش»، بلغت 29 عاماً في المتوسط في وقت القبض على هؤلاء المتهمين. والأكبر سناً من بين هؤلاء، وهو حافظ محمد شيرعلي خان، كان يبلغ من العمر 76 عاماً وقت القبض عليه عام 2011، في حين بلغت نسبة من كانت أعمارهم 25 عاماً أو أكبر في مجموعة البيانات، وقت القبض عليهم، خمسين في المائة. وهذه الأرقام تختلف اختلافاً طفيفاً عند النظر إلى تهم الإرهاب الجهادي المرتبط بتنظيم «داعش»، حيث بلغ متوسط أعمار المتهمين في هذه الحالة، 26 عاماً.

     

أما المواقع الجغرافية للأشخاص المشمولين في مجموعة البيانات، فتتوزع على 22 ولاية. وقد شهدت ولايتا نيويورك وكاليفورنيا أكبر عدد من الحالات المستلهمة من مصدر غير «داعش»، حيث بلغت النسبة 11?، و9? على التوالي.

     

ـ ــ ــ ــ ــ ـ

     

سارة جيلكيس

     

متخرجة من برنامج الأمن التابع لجامعة جورج تاون، وباحثة مساعدة في برنامج جامعة جورج واشنطن عن الإرهاب

     

ألكسندر ميليجرو- هيتشينز

     

مدير الأبحاث في برنامج جامعة جورج واشنطن عن الإرهاب

     

-------------------------------------------

     

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»