الاتحاد

ثقافة

الصِدام بين الثقافات لم يعد معركة مصطلحات فحسب!!

الغلاف

الغلاف

يفتتح ايغلتون كتابه ''فكرة الثقافة'' الصادر عن ''دار الحوار'' في دمشق مؤخراً وبترجمة الأستاذ ثائر ديب، بالقول إن كلمة الثقافة هي واحدة من كلمتين أو ثلاث يكتنفها أشد الغموض في اللغة الإنكليزية· والكلمة التي تفوقها غموضاً، هي مقابلها أو ضدها الطبيعة التي تعتبر الأعقد بين كل الكلمات· وإذا كانت ''الطبيعة'' ثقافية على الدوام بمعنى ما، فإن الثقافات مبنية من ذلك التبادل الدائم مع الطبيعة الذي ندعوه العمل· وإذا كانت الثقافة في الأصل تعني رعاية النمو الطبيعي، فإنها تشير أيضاً إلى كل من التنظيم والنمو العفوي معاً؛ فالثقافي هو ما يمكن أن نغيّره، وما يشتمل أيضاً على ضرب من التفاعل بين ما هو منظم وما هو غير ذلك، إن الثقافة مسألة اتباع للقواعد؛ ذلك أن اتباع قاعدة أمر يختلف عن إطاعة قانون فيزيائي والخضوع له، حيث ينطوي اتباع قاعدة ما على فكرة التطبيق الخلاق لهذه القاعدة·
الرفض المزدوج
تشير فكرة الثقافة - حسب ايغلتون - إلى نوع من الرفض المزدوج؛ رفض للحتمية العضوية من جهة، ورفض لاستقلال الروح من جهة ثانية· فهي ترفض كلاً من الطبيعة والمثالية، مُلحة إزاء الأولى على أن في الطبيعة ما يتخطاها وينقضها، وإزاء الثانية بأن للقوة البشرية وما تتسم به من عقل رفيع جذوراً وضيعة تمتدُّ في بيولوجيتنا وبيئتنا الطبيعية· ومما يتصل بهذا الرفض المزدوج لكل من الطبيعة والمثالية، يمكن اعتبار الثقافة حداً وصفياً وتقويمياً على السواء، مشيرة إلى ما قد تطوَّر أو حدث بالفعل، وإلى ما ينبغي أن يتطوَّر أو يحدث أيضاً·
إن ما تفعله الثقافة هو أنها تُقطِّر إنسانيتنا المشتركة من ذواتنا السياسية المنضوية تحت نحلٍّ ومللٍ وشيعٍ، حيث تستردُّ الرُّوح من الحواس، وتنتزع الثابت من الزائل، وتقطفُ الوحدة من التعدُّد· لذلك يشير فعل الثقافة إلى ضرب من انقسام على الذات، كما تشير إلى ضرب من شفاء الذات لا يلغي ذواتنا الدُّنيوية النَّكدة، وإنما يصقلها من الداخل بنوع من الإنسانية المثالية·
إذا كانت كلمة الثقافة نصاً تاريخياً وفلسفياً، فهي أيضاً محل صراع سياسي، ويستشهد ايغلتون بـ ''ريموند وليامز'' الذي قال: إن المعاني المتشابكة المعقدة التي ينطوي عليها المصطلح، تشير إلى سجال متشابك ومعقَّد بشأن العلاقات التي تربط بين الإنساني العام وطريقة حياة محدَّدة، وبين كليهما من جهة أولى وأعمال وممارسات الفن والذكاء من جهة أخرى·
كان على الثقافة أن تغدو شكلاً من النَّقد السياسي أو أن تكون ذلك النِّطاق الحصين الذي يمكن للمرء فيه أن يصرِّف من خلالها جميع الطاقات التي تُحتمل أن تكون هدَّامة· ويرى، أن فكرتنا عن الثقافة تقوم على اغتراب حديث لما هو اجتماعي عمّا هو اقتصادي، وللمعنى عن الحياة المادية· ومثل هذا التباعد والإقصاء بين الثقافة وإعادة الإنتاج المادية لا يمكن أن يحدث إلا في مجتمع يبدو وجوده اليومي خالياً من القيمة، ومن ثم فإن هذه الطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها لمفهوم الثقافة أن يغدو نقداً للحياة· إلا أن ايغلتون يعتبر الثقافة في أزمة، وأننا عالقون في هذه اللحظة بين تصورين للثقافة، أولهما واسع وفضفاض إلى درجة العجز، وثانيهما صارم وصلب إلى درجة الإزعاج، وأن ما نحتاجهُ أشدُّ الاحتياج هو تخطِّي هذين التصورين، وأن الصراع بين المعنى الواسع للثقافة ومعناها الضيق، أسفر عنه تصور محلي ومحدود جداً للثقافة راح ينتشر في جميع الأرجاء· وبناء على هذه المحلية المغرقة التي أسفر عنها الصراع بين مفهومي الثقافة ينتقد ايغلتون الثقافة الغربية ويعتبرها تستحق التوبيخ في تخيُّل الثقافات الأخرى، لأنها أخفقت وعجزت عن تصور أشكال ثقافية وحياتية تختلف جذرياً عن حياة الغرب·
الصِدام بين الثقافات
كما يعتبر ايغلتون، أن الصِدام بين الثقافة والثقافة لم يعد معركة تعاريف وحسب، وإنما أصبح صراعاً عالمياً· وهو مسألة سياسات فعلية، لا سياسات أكاديمية فحسب· بل هو جزء من صورة السياسة العالمية في الألفية الجديدة· وحروبنا الثقافية مثلثة الأطراف، فهي تجري بين الثقافة بوصفها كياسة، والثقافة بوصفها هوية، والثقافة بوصفها حديثة أو ما بعد حديثة· ويعتبر أنه كلما تعاظم تصدير الثقافة ما بعد الحديثة إلى العالم ما بعد الكولونيالي أو ما بعد الاستعماري، كلما أضرمت لهب الخصوصية الثقافية هناك، في نوع من ردَّة الفعل·
ما الذي نحتاجه اليوم للخروج مما نحن فيه؟ حسب ايغلتون إننا يجب أن نسير نحو ثقافة مشتركة ، ولا يشك في أن إدراج موضوع الثقافة في جدول أعمال عصرنا بمثل هذا الإلحاح الشديد كان صناعة الثقافة؛ أي أن الثقافة قد غدت الآن حبيسة صيرورة من الإنتاج السلعي بكل ما تعنيه كلمة حبيسة·
يختم ايغلتون كتابه بالقول: ليست الثقافة ما نحيا به وحسب؛ فهي أيضاً ما نحيا لأجله، غير أنه من الممكن للثقافة أيضاً أن تكون مخيفة ومرعبة، بل إن حميميتها ذاتها قد تغدو مرضاً ووسواساً ما لم توضع في سياق سياسي مُستنير، سياق يمكن أن يلطِّف هذه الأشياء العاجلة والملحة بأشكال من الانتماء أشد تجريداً، غير أنها أيضاً أشد سخاء وسماحة· ولقد رأينا كيف اكتسبت الثقافة أهمية سياسية جديدة· بيد أنها غدت أبعد عن التواضع، وأقرب إلى الغطرسة· ولقد حان الوقت، ونحن نعترف بأهميتها؛ أنْ نعيدها إلى مكانها المناسب·

الثقافة الغربية

ينتقد ايغلتون الثقافة الغربية ويعتبرها تستحق التوبيخ عندما تتخيَّل الثقافات الأخرى على نحو عاجز في تصوُّر أشكال ثقافية وحياتية تختلف جذرياً عن حياة الغرب·

حروبنا الثقافية

حروبنا الثقافية مثلثة الأطراف فهي تجري بين الثقافة بوصفها كياسة والثقافة بوصفها هوية والثقافة بوصفها حديثة أو ما بعد حديثة·

اقرأ أيضا

المر: "كلمة" يمثل إحياءً لتقاليد عميقة في الثقافة العربية