الاتحاد

دنيا

المجلات والمقالات القيّمة

هناك جمهور كافِ لكل محتوى مُنتج بحرفة أيا كان مجاله وبابه، ويقع على عاتق المشاريع الصحافية الذكية معرفة السبل التي يمكن أن تُحدد ثم تصل إلى هذا الجمهور لتحقق التأثير المناسب والجدوى الكفيلة بتغطية الكلفة المالية ومستوجبات التطوير والتوسع.
لكن مهما كان المحتوى ابتكاريا فإن من البديهيات التسويقية دراسة العوائق التي تحول دون الوصول إلى جمهوره المناسب. وكم من مجلة ودورية عربية ذات جودة عالية في المحتوى والصناعة لاقت العجز عن الاستمرار لأسباب مثل عوائق الانتشار أو غلاء الكلفة أو ضعف القدرة الشرائية لقرائها المحتملين. وهذا أكثر ما ينطبق على المجلات ذات المحتوى الطويل المدى. ومن المؤلم ألا يتيسر لمثل هذه المجلات تصريف بضعة آلاف من النسخ بالسعر التجاري لتأمين استمراريتها. من أهم تلك العوائق كثرة الحواجز الجمركية وغيرها في سوق يقدر بنحو 200 مليون عربي (إذا استثنينا انتشار الأمية وصغار السن) ينتشرون على مساحة جغرافية شاسعة تزيد من الكلفة.
هذا الواقع أسهم تدريجيا في غياب مثل هذه المجلات النوعية، باهظة الكلفة التي تجمع بين الطبيعة الصحفية والبحث الاستكشافي اللصيق بالواقع. وكان من تجليات هذا الغياب هو أننا قلما نجد اليوم مجلة عربية مثل “فورين بوليسي” أو “فورين أفارز” أو “ناشيونال جيوغرافيك” أو”لوموند دبلوماتيك”. وقد انكشف عيب الغياب حين اضطررنا في السنوات الأخيرة إلى إصدار طبعات عربية مترجمة من مثل هذه الإصدارات على الرغم من محتواها الأجنبي وأولوياتها ورؤاها المختلفة.
هذه المجلات “الأجنبية” كان لها مجدها وانتشارها الواسع لعقود. لكنها تواجه الآن في العصر الإعلامي الجديد ضائقة وتحديات صعبة مثل معظم المؤسسات الصحفية خاصة وأنها غير إخبارية. إلا أن هذه التحديات كانت محفزا لانطلاقة مشروع جديد، يحافظ على أهميتها وقيمتها وهو عبارة عن منصة على الإنترنت انطلقت الأسبوع الماضي وتختص بالمقالات السردية (غير الخيالية) ذات صلاحية زمنية طويلة ويتراوح حجمها ما بين عشرة و35 ألف كلمة. المنصة واسمها “بايلاينر” (Byliner) وتتخذ من سان فرانسيسكو مقرا لها، مشروع ربحي وليس خيري وينطلق من رهان بأن المقالات الصحفية من هذا النوع لها جمهورها الخاص وجدواها “التجارية” المبنية على الفائدة منها. وهي، وحسب ما نشر عنها في الوكالات الأجنبية، تنشر مجانا فئتين من المحتويات: روابط للمقالات من النسخ القديمة والجديدة التي بلغ عددها في مرحلة التجربة الحالية نحو 32 ألفاً من نحو 750 مجلة كتبها 30 ألف كاتب من بينهم أسماء هي الأكثر شهرة منذ بدايات القرن العشرين واليوم (وغداً). يعتمد نظامها على إظهار المقالات مُصنّفة حسب الكاتب أو الموضوع أو المصدر. أما الفئة الثانية فهي المقالات الحصرية التي تُكتب خصيصا للموقع مقابل بدل أو نسبة من العائد.
لا شك أن الزمن تأخر لتقليد مثل هذا المشروع عربياً وبهذا الحجم. فنحن ليس عندنا أساسا هذا الكم الكبير من هذا النوع من المجلات والمقالات. وحتى إن وجد فهو غير متوفر رقميا. لكن المهم هو أن العوائق التي حالت دون ظهور ونمو مثل هذه المجلات والدوريات قد زالت لوحدها في العصر الرقمي. كما لم تعد ثمة حاجة لكلفة التوزيع والطباعة القديمة. مطلوب فقط استثمار يفكر تجاريا وصحفيا في فرص نجاح مشروع يجمع وينتج مثل هذه المحتويات النوعية، وبالتأكيد سيجد اليوم جمهورا كافيا له في السوق العربي الشاسع. فهذه الفرصة لم تكن متوفرة من قبل.


Barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا