الاتحاد

تقارير

ابتهاج في باريس... للإفراج عن «كان»

عادت الحياة السياسية الفرنسية لتهتز مجدداً على وقع نبأ الإفراج يوم الجمعة الماضي في نيويورك، عن المدير السابق لصندوق النقد الدولي "دومنيك ستروس كان"، الذي كان رهن الإقامة الجبرية هناك. وعلى رغم أن هذا النبأ قد مثل تطوراً أذهل الجمهور الفرنسي بالفعل، إلا أنه ترك الأنصار والمنافسين على حد سواء، غير متيقنين من تأثيره المحتمل على السباق الانتخابي الرئاسي القادم في فرنسا.
وقبل أن يتم إنزال "ستروس كان" من الطائرة التي كانت متجهة إلى باريس في شهر مايو الماضي، واتهامه بالاعتداء الجنسي على عاملة تنظيف غرف بالفندق الفخم الذي كان ينزل فيه بمانهاتن، لم يكن ينظر إليه فحسب على أنه المنافس الرئيسي للرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي، وإنما أيضاً باعتباره رجل دولة فرنسيّاً معتدّاً بوطنه، ويقود بكفاءة واقتدار دفة الاقتصاد العالمي في بحار ما بعد الأزمة المالية الهائجة المائجة.
وكان خبر القبض على "كان" قد قوبل بالذهول في فرنسا على رغم أن نخبتها السياسية وصحفييها، كانوا يعرفون منذ زمن طويل، ميل هذا الرجل إلى النساء وشغفه بمغازلتهن. وعلى رغم أنه ما زال يواجه تهم الاعتداء الجنسي في الولايات المتحدة، إلا أن القضية المرفوعة ضده باتت مغلفة بالشك بسبب تساؤلات حول مصداقية عاملة الفندق التي اتهمته بالاعتداء عليها، إلى الدرجة التي دفعت القاضي الأميركي إلى الإفراج عنه مقابل تعهد شخصي.
وقد غير التلفزيون الفرنسي خريطته البرامجية للتركيز على القضية، كما وضعت الصحف الفرنسية التي كانت قد طبعت بالفعل نسخ عددها المقرر صدوره يوم الجمعة الماضي، عندما أذيعت أنباء الإفراج عن "ستروس كان" في موعد متأخر من ليلة الخميس، المقالة تلو المقالة على مواقعها الرسمية على شبكة الإنترنت، وهو ما أدى إلى بطء حركة الإبحار على الشبكة..
ومن المعروف أن ثقافة إخفاء الأمور الشخصية قوية ومنتشرة لدى النخبة الفرنسية، التي تتبع عادة قانوناً غير مكتوب يقوم على عدم دس أنوفها في الحياة الجنسية للسياسيين على وجه التحديد، إلى درجة أن الرئيس الأسبق ميتران، تمكن من إخفاء نبأ زواجه الثاني، وإبقائه سرّاً، إلى ما قبل رحيله عام 1995 بفترة قصيرة. ولكن التهم التي كانت موجهة إلى "ستروس" كانت أكبر من أن يتم تجاهلها. وبعد إعلانها مباشرة تقدمت أكثر من امرأة تدعي أنه قد تحرش بها، ولكن زوجته "آن سينكلير" وهي إعلامية بارزة سابقة، وقفت إلى جانبه ودافعت عنه بثبات أمام التهم المثارة ضده.
وكان الفرنسيون قد تسمروا مذهولين أمام شاشات التلفزيون، وهم يرون "كان" يقاد أشعث غير حليق الذقن، بواسطة رجلي أمن إلى المحكمة، وهي صورة غير مألوفة في فرنسا حيث تنجح الشخصيات البارزة والمشاهير عادة في المحافظة على صورتهم من الامتهان، عندما يتم اتهامهم بشيء أو حتى وهم يقادون إلى السجن.
وقال "جان ماري لو جوين" العضو الاشتراكي في الجمعية الوطنية الفرنسية وحليف "كان" إن وسائل الإعلام الأميركية "كانت عنيفة تجاه ستروس كان، وتجاه الفرنسيين بشكل عام".
ومن جهته قال "كلود بيرسيه"، وهو طبيب في باريس، مازحاً يوم الجمعة الماضي: "لابد أن هذه المحاكم الأميركية تجد نفسها في مأزق الآن".
وقد هلل حلفاء "ستروس كان" الأقربون للإفراج عنه، ووصف متحدث باسم حزبه -الحزب الاشتراكي- ذلك الإفراج بأنه قد جلب له "راحة هائلة"، كما كرر أنصاره شكواهم ضد النظام القضائي الأميركي الذي يرونه نظاماً شديد القسوة، ووصف رئيس الوزراء الاشتراكي السابق "ليونيل جوسبان" الأنباء القادمة من نيويورك بأنها "تمثل تطوراً مدوياً".
ومن جهته التزم ساركوزي الهدوء، في الوقت الذي انشغل فيه مخططوه الاستراتيجيون بتحديد الطريقة التي سيتصرفون بها تجاه التطورات في قضية "كان". يشار إلى أن "ستروس كان" كان يتفوق نظريّاً على ساركوزي في العديد من استطلاعات الرأي، ليس فقط بسبب ما يتمتع به من جاذبية لدى قاعدته الاشتراكية التقليدية، ولكن أيضاً لكثرة المعجبين بسياسات السوق الحرة التي كان يدافع عنها، إبان قيادته لصندوق النقد الدولي، وإعجابهم بالطريقة التي عالج بها عمليات الإنقاذ المالي للدول الأوروبية المتعثرة.
وكانت "مارتين أوبري" المسؤولة البارزة في الحزب الاشتراكي الفرنسي قد عقدت عهداً مع "ستروس كان" قبل أن توجه إليه الاتهامات، بأنه إذا ما قرر خوض انتخابات الرئاسة فإنها لن ترشح نفسها، ولكنها أعلنت ترشحها لخوض تلك الانتخابات، في موعد سابق من هذا الأسبوع.
وعلى رغم أنها أعربت عن سعادتها بنبأ الإفراج عن "ستروس كان"، وقالت إنها تتمنى أن "يتخلص نهائيّاً من الكابوس" الذي يعاني منه، إلا أن كافة الدلائل لا ترجح أنها ستعيد النظر في ترشحها التزاماً بالعهد الذي قطعته على نفسها أمامه، علاوة على أن العديد من أنصاره كانوا قد التزموا بالفعل بتأييدها، أو تأييد المرشح الاشتراكي الآخر "فرانسوا هولاند".
ولم تصدر تعليقات رسمية من قصر الإليزيه على نبأ الإفراج عن "ستروس كان"، إلا أن رئيس الوزراء فرانسوا فييون، الذي عين في منصبه من قبل ساركوزي، قال في مؤتمر صحفي عقد في العاصمة الإندونيسية جاكرتا إن الشعب الفرنسي "يجب أن ينتظر في هدوء إلى أن ينتهي النظام القضائي الأميركي من عمله في هذه القضية".

مايكل بيرنباوم - باريس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا