الاتحاد

تقارير

استفتاء المغرب... نموذج لـ «الربيع العربي»

صوّت المغاربة يوم الجمعة الماضي في استفتاء حول إصلاحات دستورية وسط خلاف عميق حول ما إن كانت هذه الإصلاحات تمثل طريقاً جديداً للإصلاح بمنطقة مضطربة أم مجرد محاولة أخرى تروم تهدئة الاستياء الشعبي. ويقول مروان أكروم، وهو مدير شركة، لدى خروجه من أحد مكاتب الاقتراع بحي يعقوب المنصور الشعبي في الرباط، "لقد صوتُّ بـ(نعم) لأن هذا الدستور الجديد أتى بتغييرات جيدة في المجتمع بدون اللجوء إلى العنف"، مضيفاً: "أعتقد أن هذا الإصلاح يمثل نموذجاً فريداً من نوعه في العالم العربي الإسلامي".
التعديلات المقترحة في هذا التعديل الدستوري تمنح مزيداً من الصلاحيات لرئيس الوزراء، وتقوي الجهاز القضائي، وتؤكد على أهمية المساواة بين الجنسين، وتعترف بالأمازيغية لغة وطنية. ومع ذلك، يقول المنتقدون، فإن هذه التعديلات لا ترقى إلى مستوى المطالب التي كانوا يرفعونها والقادرة على تحويل المغرب إلى ملكية دستورية على النموذج الأوروبي، مثلما تريد المعارضة. وفي هذا السياق، يقول "العبادلة شبيهنا"، وهو أحد منسقي حركة 20 فبراير الاحتجاجية التي قاطعت الاستفتاء، إن "هذا الاستفتاء متحيز"، مضيفاً: "لسنا في سوق خضار نتساوم حول الأسعار. لا أحد يستطيع منح 80 في المئة من الديمقراطية".
وفي الدستور الجديد، يتخلى الملك محمد السادس -الذي تحكم عائلته البلاد منذ ثلاثة قرون -عن طابع "القداسة"، غير أنه مازال "أمير المؤمنين"، وبالتالي فقد احتفظ بسلطته على المؤسسة الدينية، كما احتفظ بالسيطرة على قوات الدفاع والأمن، ومازال يستطيع فرض قانون الطوارئ. وإذا كان رئيس الوزراء يستطيع تعيين كل الوزراء، فإن لدى الملك سلطة الفيتو على هذه التعيينات، وكل القوانين الجديدة ينبغي أن يصادق عليها.
ويقول "عثمان باقا"، وهو عضو في الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، وهي نقابة تدعم حركة 20 فبراير، إن "السلطة مازالت متركزة بين يدي الملك"، موضحاً أنه يؤيد قرار مقاطعة الاستفتاء لأن الملك لم يأخذ في عين الاعتبار مقترحات قدمتها المعارضة. وأضاف باقا: "إن الإصلاحات فرضت من قبل القصر، ولم تكن هناك جمعية تأسيسية مؤلفة من أعضاء المجتمع المدني".
وكان الملك محمد السادس قد أعلن عن الإصلاحات التي تكبح صلاحيات القصر الملكي في خطاب تاريخي في التاسع من مارس الماضي بينما كانت الاحتجاجات تجتاح بلده والعالم العربي بشكل عام. وينظر البعض إلى الإصلاحات المقترحة باعتبارها مقدمة لفصل جديد من الربيع العربي يقوم فيه النظام بإدخال الإصلاحات بنفسه، دون رصاص أو غازات مسيلة للدموع. وفي هذا السياق، قال الاتحاد الأوروبي إن مبادرة الإصلاح "تؤشر إلى التزام واضح بالديمقراطية". كما وصف محللون غربيون بارزون التعديلات بأنها بداية جديدة. وفي هذا الإطار، كتب مؤخراً "كينيث إم. بولاك"، من مؤسسة بروكينجز التي يوجد مقرها في واشنطن وحيث يدير مركز سابان لسياسة الشرق الأوسط: "إن الشيء المهم جداً بشأن ما قام به العاهل المغربي هو أنه بدأ صياغة نموذج مختلف للتغيير في العالم العربي".
هذا وقد أيد محمد زيان، مؤسس "الحزب الليبرالي المغربي"، الإصلاحات الدستورية بحماس كبير، رابطاً إياها بالأحداث الإقليمية. وقال عبر الهاتف من الدار البيضاء: "إنها بداية"، مضيفاً: "وفي الأخير، ها هم المغاربة وشعوب المنطقة قد بدؤوا التفكير بشأن الديمقراطية، مطالبين بأن تكون لهم سيطرة أكبر على حكوماتهم".
لكن بعض زعماء المعارضة لم ينبهروا بالتعديلات المقترحة، ودعوا المواطنين إلى مقاطعة استفتاء الجمعة. وينضوي جل الداعين إلى مقاطعة الاستفتاء تحت لواء حركة 20 فبراير -التي تسمى كذلك نسبة إلى اليوم الذي شهد أول مظاهرة معارضة للنظام. وعلى غرار الائتلافات الواسعة التي قادت الاحتجاجات في بلدان عربية أخرى، تتألف الحركة من شباب، ومدونين، ونشطاء، ونقابات صغيرة، وبعض الأحزاب من أقصى اليسار، إضافة إلى جماعة "العدل والإحسان"، وهي جماعة دينية محظورة لكن يتم التسامح معها. وقد خاضت هذه الحركة حملة لمقاطعة الاستفتاء، وهي التي تنظم المظاهرات الاحتجاجية.
غير أن جهود أحزاب المعارضة بُزت من قبل الحملة المؤيدة للتصويت بـ"نعم"، والتي كانت أكثر تنظيماً وانتشاراً. ففي كل حي من أحياء مدينة الرباط، كانت ملصقات كبيرة تدعو للذهاب إلى مكاتب الاقتراع، وفي الأسواق الشعبية تعلن لافتات مرفوعة على واجهات المحال والدكاكين عن دعم أصحابها للملك، ويومَ الجمعة حث أئمة المساجد المصلين على التوجه إلى مكاتب الاقتراع والمشاركة في الاستفتاء، وفي الأكشاك بدا الوجه المبتسم للملك على أغلفة كل مجلة مغربية. غير أن نشطاء من المعارضة يقولون إن جمعيات محلية وإقليمية قامت، تحت ضغط السلطات، بنقل الناس بواسطة الحافلات للمشاركة في مظاهرات مؤيدة للدستور بعدة مدن.
ولم يكن ثمة شك في المغرب حول نتيجة الاستفتاء، حيث توقع معظم المحللين تصويت الأغلبية الساحقة من الناخبين بـ"نعم"، وذلك يعزى، جزئيا على الأقل، إلى تاريخ طويل للملكية بخصوص ضم المنافسين السياسيين إلى تحالفات مع النظام. ولذلك، فإن نجاح الملك لا يقاس بالنتيجة فقط، وإنما أيضاً بنسبة المشاركة في الاستفتاء. وكانت وكالة المغرب العربي للأنباء الرسمية قد أعلنت بعد ظهر يوم الجمعة أن 60 في المئة من الـ13 مليون ناخب المسجلين قد أدلوا بأصواتهم.
ويقول معطي منجب، أستاذ التاريخ السياسي بجامعة محمد الخامس في الرباط: "الحقيقة هي أن هذا الدستور لديه إمكانيات ونقاط قوة، كما أنه يجرد الملك من كثير من الصلاحيات"، مضيفاً: "غير أن التعديلات التي أُدخلت عام 1996 في استفتاء دستوري سابق لم يتم تطبيقها، وبالتالي فإن مستقبل الإصلاح يعتمد على الضغط الذي مازال الشارع يستطيع ممارسته". هذا وقد أعلنت حركة 20 فبراير اعتزامها تنظيم مظاهرات كل يوم أحد في المدن الكبيرة للبلاد.

رولا سكولاري - الرباط

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا