الاتحاد

الملحق الثقافي

العمارة المستقبلية في دبي.. الأبراج الذكية نموذجاً

مخطط لما سيكون عليه برج خور دبي (أرشيفية)

مخطط لما سيكون عليه برج خور دبي (أرشيفية)

د. حورية الظل

دبي مدينة عالمية ديناميكية، صنعت حاضرها وتتوجه نحو المستقبل بخطى واثقة ودون تردد، فهي لا تتوقف عن الإبهار الناتج عن ابتكار كل جديد، كما أنها في سباق مع الزمن حتى لا تفوّت إطلاق كل ما هو متميز وييسر حياة سكانها ويرقى بذوقهم ويحقق لهم السعادة التي تعد إحدى أهداف الأعمال الفنية، ووراء كل ذلك رؤية راقية وطموح جعلت من دبي وجهة عالمية، وساهم في تحقيق ذلك، ارتيادها لآفاق العمارة المستقبلية الجديدة، وقد انخرطت في التجربة دون تهيب، وشجعت أشهر المهندسين العالميين على تحويل أفكارهم إلى واقع، شرط إسهامهم في إنجاز تصاميم معمارية مستقبلية يسمها الابتكار والفرادة والتميز، فتجسدت بها العمارة المستقبلية بكل تلاوينها، لكن هل استجابت هذه العمارة لخصوصية المدينة وبيئتها وثقافتها؟

ما قاله المهندس سامي الفرا المدير العام لشركة موديولر في تثمينه للعمارة المستقبلية بدبي، يؤكد اهتمام القائمين على شؤونها بهذا النوع من العمارة ووعيهم بأهميتها: «إن الإنسان في شكله عبارة عن مبنى له قاعدة وجسد وينتهي بالقمة حيث الرأس، وهكذا دبي حلمت كثيراً في ترجمة رسالتها الإنسانية بطريقة مختلفة لتجعل من الرأس يحمل قيمة جمالية ومعنوية، ولا تزال الإمارة ترتاد آفاق العمارة المستقبلية، ولطالما كانت العمارة رمز البشرية والأثر الباقي عبر الزمان».
وبما أن سقف المطالب مرتفع في دبي، فيما يخص العمارة المستقبلية، فتطلب الأمر من المعماريين إطلاق العنان لخيالهم وبذل جهود أكبر ليصلوا إلى المنتظر منهم، حيث الهدف المُسطر في أجندتهم هو تحقيق الأفضل والأجمل والأكثر استجابة لخصوصية المنطقة والأكثر فرادة على المستوى العالمي والمتمثل في إنجاز ما هو غير مسبوق في مجال العمارة المستقبلية.
واستقطبت دبي أشهر المعماريين في العالم لإنجاز تصاميم مستقبلية، أمثال: أدريان سميث وهازل وونغ وفرانك جيهري وتادو أندو وسانتياغو كالاترافا والراحلة زها حديد وجان نوفيل ونورمان فوستر، وغيرهم من عمالقة العمارة العالميين، إذ أسهموا في تصميم العديد من المشاريع المبتكرة والمنتمية للمستقبلية الجديدة.
وحرصت العمارة المستقبلية في دبي حسب الكاتب العراقي شاكر نوري: «على أن تتجاوب مع البيئة الحالية وظروف العصر».
ومن أشهر الإنجازات المعمارية المستقبلية في دبي نذكر برج خليفة الذي يجسد نمط العمارة الضخمة ذات السمات الفنية عالية المستوى، وأيضاً فندق «رافال» الذي استوحى شكل الأهرامات، ومركز دبي المالي العالمي الذي استوحى قوس النصر بباريس، وأوبرا دبي التي استوحت شكل سفن الصيد التقليدية وأنجزت تصميمها زها حديد وفندق برج العرب الذي يشبه كتلة الشراع.
لذلك تعد دبي قصة نجاح حية والأكثر إثارة للإعجاب في العقود القليلة الأخيرة، حيث يعد اقتصادها من أسرع الاقتصادات نمواً في العالم، وأصبحت مركزاً تجارياً رئيسياً، وقد تم الإنفاق بسخاء لجعلها من عجائب القرن العشرين، وساهمت العمارة المستقبلية في جعلها تبدو وكأنها أسطورة امتزجت بقصص الخيال العلمي، الأمر الذي جعلها من الوجهات السياحية المفضلة، وقد بلغ عدد السياح الذين زاروها خلال سنة 2016، 15 مليون سائح، وساهم في ذلك ما تم إنجازه من صروح معمارية في دبي، وحسب فهد السعيد فإن: «الأيقونات المعمارية تُعد أماكن جذب سياحي والكثيرين بدأوا يلتفتون لهذه النقطة، فبدأ البحث عن تلك التصاميم المبهرة التي يتناغم فيها الفن والعمارة، وتتميز بالغرابة».
وما جاء في جريدة ديلي إكسبريس حول دبي يؤكد ذلك: «دبي وجهة عالمية تتمتع بزخم قوي، جاذبة للسياح،...وهي تعج بمفاتن الشرق الأوسط، غير أنها بنيت بتكنولوجيا القرن العشرين».
وحتى تتمكن من تحقيق تميزها حافظت مدينة دبي من خلال عمرانها المستقبلي على خصوصيتها الثقافية والبيئية، الأمر الذي جعل تلك العمارة تتناغم حسب شاكر نوري: «مع جوهر البيئة المحلية ومفرداتها، إضافة إلى تحقيقها شروط البيئة الاجتماعية والفكرية الخاصة».
ونتناول كمثال، أحد أشهر صروحها المعمارية المستقبلية، وهو برج خليفة الذي يُعدّ المبنى الأطول في العالم، وأيضاً مشروع «برج خور دبي» وهو لا يزال في طور الإنجاز، واختيارنا للأبراج كنموذج ليس مجانياً، وإنما لأن سماء دبي تخترقها العديد من الأبراج، لدرجة أنها أصبحت تُعرف بمدينة الأبراج.

برج خليفة
برج خليفة يعانق السماء ويتلفع بالغيوم، وهو أيقونة وتحفة فنية تمثل أحد أهم نماذج العمارة المستقبلية بدبي وبالعالم أجمع، إنه بناء يثير الدهشة والإبهار في نفس المتلقي، والشركة المُنفّذة للبناء هي شركة إعمار، وتعد من أكبر شركات البناء في العالم، ويصل ارتفاع البرج إلى 828 متراً ويشتمل على 200 طابق، ويسميه بعض المتخصصين «مدينة عمودية»، ويقع هذا البُرج في منطقة بوليفارد دبي في قلب الإمارة التجاريّ، وتم افتتاحه سنة 2010.
ويعد برج خليفة أطول برج في العالم إذ يرتفع بشكل مطرد بعيداً عن رمال دبي، ليقف على 2722 قدماً مذهلة، مما يجعله يتجاوز البرج الذي يحتل المرتبة الثانية بعده بـ 700 قدم، وقد أصبح رمزاً معمارياً بدبي، لأنه يترجم الطموح والرقي، كما أن الارتفاع الذي يميزه يعد من المقومات الجمالية للأبراج.
فما الذي يجعله من الأيقونات المعمارية الأشهر في العالم العربي وما الذي يسهم في تحقيق جماليته؟
يتألف برج خليفة من ثلاثة هياكل على شكل أعمدة أسطوانية تحيط بجسم البرج الإسمنتي والتي تشكل الرابط الأساسي للهياكل مع بعضها البعض، وتدعم ارتفاع البرج نحو الأعلى، ومع ارتفاعه تبدو الانقطاعات في كل هيكل على حدة، بشكل لولبي والتفافي تصاعدي، حيث يضيق مداه كلما زاد ارتفاعه، لتعلو قمته مسلة ضخمة، تمكنه من مقاومة الجاذبية، كما أن من أسرار جماليته، شكله الذي يبدو عبارة عن هيكل معدني مكسو بالزجاج ويخترق سماء الصحراء، وهذا الشكل استوحاه مصممه، المهندس المعماري الشهير أدريان سميث، الذي يعمل لمصلحة شركة «سكيدمور، أوينجز وميريل» التي تتخذ من شيكاغو مقراً لها، من زهرة زنبق الصحراء ذات التويجات الست، ومن أنظمة التصميم المستمدة من العمارة الإسلامية، لقد صممه بطريقة استجابت لما هو تاريخي وثقافي بالمنطقة، مع توظيف أحدث الأساليب التكنولوجية، حيث مزج سميث في تصميمه للبرج بين: «المؤثرات التاريخية والثقافية، مع أحدث أساليب التكنولوجيا، لتنجح في تشييد برج متكامل سيسهم بشكل كبير في إرساء مفاهيم ومقاييس جديدة للتطوير المعماري في منطقة الشرق الأوسط، ويصبح نموذجاً لمستقبل مدينة دبي››.
وقد أكد أدريان سميث في مقابلة صحفية، بأنه يراعى خصوصية المنطقة لما يقوم بتصميم مشاريعه المعمارية: «أمتلك حساسية عالية تجاه البيئة الحقيقية وأراعيها. أدرس كل مشروع بشكل متكامل، آخذاً بعين الاعتبار، اتجاه الموقع والطقس والجغرافيا والمؤثرات الثقافية والاجتماعية، من أجل تقديم تصاميم عالية الاستدامة، وبالتالي تحقيق السياق المطلوب ضمن البيئة العالمية».
ومن الخصائص الجمالية أيضاً لبرج خليفة، اتخاذه منصة لإطلاق الألعاب النارية الأضخم في العالم بمناسبة الاحتفال بليلة رأس السنة الميلادية، كما يتم استخدام واجهته كأكبر شاشة عرض في العالم، حيث تعرض عليها الإعلانات التجاريّة وتشكيلات مستوحاة من الفن الإسلامي بألوان صاخبة تضفي الألق على ليالي دبي، بالإضافة إلى مقاطع فيديو أخرى متنوعة كالإعلان عن مناسبات ثقافية وغيرها من الأمور.
أما فيما يخص الجانب الوظيفي، فيعد برج خليفة من المباني المستقبلية والذكية، وقد ساهم في تطوير مدينة دبي وفي تنميتها الاقتصادية، وفي تنشيط الحركة السياحية بها، فاستقطب السياح والمستثمرين من كل أرجاء المعمورة، كما ساهم البرج في تحسين مستويات المعيشة، وتحقيق التماسك الاجتماعي، من خلال توفير مرساة للعمل والتنمية، وبهذا يكون برج خليفة أحد أعمدة مركز مدينة دبي ومن الوجهات الفخمة للحياة العصرية في العالم، كما أنه ساهم في الإعلاء من القيم الإنسانية والفنية.
وبما أن من أولويات العمارة المستقبلية، المساهمة في تحقيق الاستدامة، فإن مصمم برج خليفة لم يتخلف عن مراعاة هذا الجانب، حيث قام باستخدام نظام إكساء خارجي عالي الأداء لمقاومة حرارة صيف دبي، ولتوليد الطاقة المتجددة، وأيضاً استعمل الطلاء العاكس على الزجاج والألواح العازلة المصنوعة من «الستانلس ستيل» والألمنيوم، كما أن شرفات البرج تقع في مواقع حلزونية متراجعة تقوم على أساس يجعل الهواء بارداً ومنعشاً في هذه الشرفات، مقارنة بالحرارة الخانقة والرطوبة الشديدة عند الطابق الأرضي في موسم الصيف بدبي، ويؤكد ذلك أدريان سميث، بقوله: «حين نتحدث عن مبان نصفُها بالذكية، فهذا يعني المباني التي تمتلك قدرة كبيرة على التحكم باستهلاك الطاقة بطريقة ذاتية، وهنا يكون الاعتماد على الشمس كمورد طبيعي للضوء والطاقة، والتصميمات الذكية توزع تلك الطاقة على كافة أرجاء المبنى، بطريقة التغذية والتغذية المضادة»، لذلك فقد حرص مصمم البرج على أن يجعله أقل استهلاكاً للطاقة، فاستخدم أنظمة للتبريد وأنظمة لإزالة الرطوبة وهي تعمل بالطاقة الشمسية.
وبذلك استطاع برج خليفة أن يجسد الطموح الوثاب لإمارة تتحرك بجرأة نحو المستقبل، كمحاولة لجعلها من المدن المستقبلية مع حفاظها على صلتها بثقافتها وتاريخها.

برج الخور
من الصروح المعمارية المستقبلية الأخرى بمدينة دبي مشروع «برج خور دبي»، حيث بدأت أشغال بناء برج متلألئ في «خور دبي» وقد استوحاه مصممه من إحدى عجائب الدنيا السبع، وهي حدائق بابل المعلقة، وهناك طموح لإنجازه بطريقة تجعل منه «العجيبة الثامنة»، وسيصبح أطول من برج خليفة، وسيتم إنهاء أشغاله قبل 2020 وهي السنة التي ستستضيف فيها دبي «إكسبو» الدولي الذي يتوقع أن يستقطب عدداً هائلا ً من الزوار، والبرج سيزيد من جمالية المدينة وسيسهم في تطورها وفي جعلها من الوجهات المفضلة لدى السياح والمستثمرين.
والبرج الجديد صممه المعماري الإسباني المعروف، سانتياغو كالاترافا، وسيتميز بمظهر فائق النحافة على شكل عمود، وسيشتمل على فندق صغير ومطاعم مطلة على المدينة، و»قاعة القمة» التي ستوفر إطلالة دائرية شاملة، وطوابق أو منصات تضم حدائق من وحي الحدائق البابلية المعلقة، تشرف على المدينة ومحيطها، بالإضافة إلى شرفات دوارة يمكن مدها خارج المبنى، واستوحى البرج شكله من زهرة الزنبق ومن العمارة الإسلامية المتمثلة في مآذن المساجد لذلك فإن المقطع الجانبي للبرج يبدو بالغ الدقة، كما يحتوي على برعم بيضاوي الشكل، يرتقي في الفراغ إلى الأعلى وصولاً إلى طوابق أو منصات المشاهدة التي ستضاء كالمنارة في المساء. وحتى أساسات الهيكل وأسلاك الشد والتثبيت المشابهة لعروق أوراق زهرة الزنبق الرقيقة (التي تثبت البناء في الأرض)، ستزدان بمؤثرات إضاءة متحركة.
وقال كالاترافا، حول هذا المشروع: «إنه إنجاز فني في حد ذاته، مستوحى من فكرة الترحيب بالناس، ليس فقط بالقاطنين بدبي وبالإمارات العربية المتحدة، بل بالقادمين من كل دول العالم، وأضاف:«لقد رأيت طوال مسيرتي المهنية بأن التكنولوجيا أصبحت مصدراً للجمال والفن»، وأكد أن هذا المشروع هو:«رمز لإيمان لا يتزعزع بالتقدم».

اقرأ أيضا