مهجة أحمد (عدن) لا حصر للقصص المروعة والمؤلمة التي مرت بها أسر وأطفال ونساء في مناطق يمنية دخلتها مليشيات الحوثي وحلفاؤه، فالحرب الأخيرة، أكثر مأساوية. الحاجة «خدوج عبدالله قاسم جعشن» في أواخر العقد الثامن لم يترك لها صيف العام الماضي، سبيلاً لما تبقى من خريف العمر، وبين ليلة وضحاها أصبح جميع أفراد عائلة الحاجة «خدوج» بلا بيت وسقف يؤويهم بعد تهدم كلي للمنزل، والمنازل المجاورة لهم في منطقة رأس مربط مدينة التواهي. تذكر الحاجة خدوج بصعوبة تلك الأيام، كيف تهدم بيتها، وفروا نازحين إلى منطقة الشيخ عثمان، التي سيطرت المقاومة الشعبية عليها، إذ تعد آمنة نسبياً، رغم تعرضها لشتى أنواع القصف من الميلشيات الحوثية. وتابعت: خرجنا بما علينا من الملابس وبعض المستلزمات البسيطة التي تحمل باليد، الكل كان خائفاً من قوة الضربات التي تعرضت لها المنطقة، أثناء محاولة اقتحام المليشيات الانقلابية لمدينة التواهي بعد حصار دام شهرين، وتوقفت جميع صور الحياة العامة داخل المدينة التي عانت العتمة الكئيبة والموت البطيء بسبب الحصار، القوارب كانت طوق النجاة لكثير من العائلات الهاربة من القصف والجوع، والوسيلة الوحيدة للانتقال إلى الجهة الأخرى من مدينة عدن التي تقع تحت سيطرة المقاومة الشعبية. تعاني الحاجة «خدوج» عدداً من الأمراض نتيجة كبر السن، وتوالت عليها المأساة تلو الأخرى، فقدت منزلها ومصدر معاشها الذي تقتات منه. تقول: لا أعرف ما الجرم الذي ارتكبناه، وهذا الدمار في كل مكان، لا تمتلك شيئاً، لاشيء على الإطلاق، لا منزل ولا معاش. كان الأمر ثقيلاً عليها في هذا العمر، وكثيراً ما تشعر بالخوف من المجهول ولا تعرف ما يخبئ لها القدر. وتشرح الحاجة «خدوج» معاناتها وتؤكد أن حياتها تغيرت، دفتر معاش تعتمد عليه في الحصول على راتب تقاعدي من شقيقتها التي توفيت وتركته لها، بهدف تأمين حياة كريمة لها وتحقيق اكتفاء ذاتي، إلا أن ذلك لم يتحقق حيث ستمضي الحاجة «خدوج» سنوات من الحسرة والمأساة وشعور بالخيبة يعانيه كثير من كبار السن والنساء الذي فقدوا منازلهم وأوراقهم الشخصية وممتلكاتهم. قلب مكسور أم أشرف أحمد محمد الملازم، ساكنة بحي السمكية منطقة حُجيف مديرية التواهي، يروعها صوت القذائف المارة من فوق منزلها لتسقط بأماكن متفرقة من الأحياء السكنية التي تتعرض لنيران مليشيات الحوثي والمخلوع التي لا تعرف إلا لغة السلاح. تقول أم أشرف، في العقد الخامس من العمر: عشت حالة من الرهبة والخوف لم أعشها طول عمري، شهدت أحداثاً مسلحة وحروباً أهلية خاصة في عدن، لكن الحرب الأخيرة كانت مختلفة كل الاختلاف، الحروب الأهلية لا تدوم سوى أيام أو أسابيع وتنتهي بفوز طرف على آخر، وتعود الحياة إلى صورتها العادية، كنا نلملم جراحنا ونعيد إصلاح ما تم هدمه من جديد، لكن حرب مارس من عام 2015م كانت شيئاً آخر لم ولن ينسى. عبرات أم أشرف تتساقط رغماً عنها والكلمات تخرج بصوت خافت ونحيب يخفي حزناً. وتقول: في هذا الحي الذي أقطنه أكثر من عشرين سنة مع زوجي وأولادي، استشهد ابني «أشرف»، أشرف ترتيبه الأوسط من بين ستة أولاد وبنتين، يدرس في المرحلة الثالثة بكلية الاقتصاد جامعة عدن، انضم أشرف إلى شباب المقاومة بجبهة حُجيف، التي تعد منطقة تماس واقتتال ضروس بين مليشيات الحوثي وشباب المقاومة المدافع عن مدينة التواهي، كان الشباب يصدون تقدم المليشيات نحو الأحياء السكنية للمدينة، حيث استخدم الطرف المعادي شتى أنواع الأسلحة الحديثة من قذائف الدبابات والكاتيوشا ومدافع الهاون إلى جانب أفراد قتال مدربين على حروب الشوارع، وصمد الشباب حوالى شهرين في الجبهة قبل أن تنهار، ويسقط فيها زهرة شباب المدينة وخير رجالها في معارك غير متكافئة بين الطرفيين. وتواصل أم أشرف وصف الأحداث المروعة التي شاهدتها بالقول: تلقينا ضربات مباشرة استهدفت البيت، تولدت رغبة كبيرة لدى زوجي بضرورة الخروج من المنزل، والنزوح إلى منطقة آمنة، لم نستطع تحمل كل هذا العنف والقصف وصار البيت محطم الجدران ولا نوافذ ولا أبواب، وعرضة لرصاص القناصة، ولجأنا إلى منزل الجيران القريب منا، كان الخروج بمثابة مجازفة خطيرة وقت الاشتباكات، والحصار الخانق الذي ضربته المليشيا على المداخل المؤدية لمدينة التواهي، حيث انعدمت المواد الغذائية والغاز والكهرباء، وكثافة الضغط القوي المصاحب للقصف المتتالي، كنا نؤجل عملية الخروج، لارتباط ابني أشرف بشباب المقاومة، لا أستطيع الهروب وتركه خلفي، وكان أشرف يرفض فكرة الخروج من مدينة التواهي، طلب من إخوانه وولده أخذي والانتقال إلى مكان أكثر أمناً، لكن خوفي عليه دفعني للبقاء وتحمل مرارة الخوف ووحشة المكان، الوضع لم يدم طويلاً فقد تدهورت حالتي الصحية بسبب ارتفاع السكر والضغط، وبدأت أشعر بالإعياء وعدم قدرة قدمي على حملي، وصارت حركتي محدودة، وبعد عشرين يوماً وتحت وطأة القصف توجهت العائلة إلى مديرية خور مكسر عند أقاربنا، وبقي طالب الشهادة «أشرف» في الجبهة مع رفاقه، وتركت نصف قلبي ونزحت بالنصف الآخر. كلما تذكرت أم أشرف ما حدث تزداد حالتها سوءاً، لكن ليس أمامها سوء الصبر والرضا بقضاء الله وتمضية وقتها بالصلاة وقراءة القرآن ومحاولة العودة إلى نشاطها وحياتها اليومية في منزلها الذي يشبه بقايا حطام ناتج عن زلزال ضرب المنطقة. تستعيد أم عبدالله محمد ناظمي ذلك الموقف العصيب، وما أن بدأت تعرض شريط ذكرياتها الذي لن تمحوه الأيام والشهور، حتى شردت قليلاً ثم عادت لتروي ما جرى لها، وتقول: «الصدمة الكبيرة التي انتابتني، كانت بانهيار نصف بيتي أمام عيني المطبخ والحمام والغرف، لم أتخيل ما يحدث أمامي، بل لم أستوعب أن القذائف تسقط فوق رأسي، ورؤوس أولادي، نزلت كمجنونة وكان الأطفال يبكون، وشعرت بالارتباك والتخبط، كيف أتصرف مع الوضع، ولا يزال صوت الانفجارات في مسامعي، وأصوات النسوة في الشقق المجاورة، كان الوضع سيئاً وحالتنا المعيشية لا تسمح بترك المنزل، والذهاب إلى مكان آخر. وأضافت: خرجنا وسط ركام الأحجار في الظهيرة وحرارة شهر أبريل لا ترحم الصغار. كما لم ترحمهم مليشيات الحوثي، انتظرت الموت طوال الطريق ونحن نمر من خط النار. حصاد الحرب على اليمن ذكر تقرير ناشطين حقوقيين يمنيين رصد انتهاكات الحوثيين منذ مارس وحتى منتصف شهر مايو من العام الماضي، أن إجمالي التجمعات السكانية المدنية التي طالها القصف في المحافظات التي دخلها الحوثيون 388 تجمعاً سكانياً وبلغ عدد المنازل التي طالها القصف 7021 منزلاً تضررت بشكل جزئي أو كلي منها 169 منزلاً تم تدميرها على ساكنيها، فيما بلغ إجمالي المنشآت والممتلكات المدنية ذات الطابع الخدمي التي طالها القصف الحوثي أو تضررت منه 931 منشأة ومرفقاً خدمياً.