الاتحاد

تقارير

الديمقراطية عندما تتحول إلى مسخ مرعب

الديمقراطية رغم مساوئها تظل قادرة على عدم تكرار نموذج  هتلر

الديمقراطية رغم مساوئها تظل قادرة على عدم تكرار نموذج هتلر

هل يمكن لما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى أن يتكرر اليوم؟ يتبادر هذا السؤال إلى الذهن ونحن نتذكر كيف صعد ''هتلر'' إلى السلطة في ألمانيا مثل الأسبوع الماضي قبل 75 عاماً، لا سيما في ظل التوترات ومظاهر عدم الاستقرار التي يعرفها عالمنا اليوم، حيث يصبح السؤال أكثر إلحاحاً من ذي قبل، فقد تقلد ''هتلر'' السلطة في كنف ديمقراطية قائمة على دستور موغل في الليبرالية، بل هو استطاع ذلك لأنه استغل الحريات الديمقراطية المتاحة في ألمانيا لإضعاف النظام الديمقراطي ذاته وتدميره في النهاية، تلك الديمقراطية التي انتعشت في ألمانيا ازدهرت في العام 1919 نتيجة الهزيمة التي منيت بها البلاد في الحرب العالمية الأولى، ومع أنها كانت وليدة في ألمانيا، فقد تمكنت في مرحلة أولى من شق طريقها بصعوبة وسط الانقسامات السياسية والثقافية التي وسمت ألمانيا خلال السنوات الأولى بعد الحرب العالمية الأولى واستقرت بين 1924 و،1928 إلا أنها تعرضت لانتكاسة كبيرة بعد انهيار الاقتصاد متأثراً بأزمة سوق الأسهم في أميركا وركود الاقتصاد العالمي·
لقد عكس الارتفاع اللافت في شعبية النازيين لدى الرأي العام الألماني، مدى الإحباط العام والاستياء الذي يعتمل في صدور الشعب الألماني، كما عكس كذلك الأمل في قدرة ''هتلر'' على إخراج البلاد من أزمتها، ولأن الديمقراطية خذلتهم شعر الألمان بالحاجة إلى التحرك وسط الانقسام والفقر والمهانة التي كانت تعيشها بلادهم، وبالطبع كان من السهل تحويل الكراهية والاستياء تجاه اليهود الذين أصبحوا يمثلون في نظر الألمان الخطر الخارجي المحدق ببلادهم والمتمثل في الرأسمالية العالمية، أما داخلياً فقد ارتبط اليهود باليسار السياسي -الاشتراكيون والشيوعيون-الذين حملهم ''هتلر'' وشركاؤه مسؤولية الأزمة التي تمر بها ألمانيا، وهكذا بدا ''هتلر'' لشريحة متزايدة من الناخبين الألمان الأمل الوحيد القادر على إخراج البلاد من أزمتها واستعادة الفخر الوطني والثقة بالنفس، وبحلول العام 1930 كان من المستحيل حكم ألمانيا دون مشاركة الحزب النازي، لكن في الوقت الذي كان الحزب فيه قادراً على تعطيل الديمقراطية بسبب مكاسبه الانتخابية، إلا أنه لم يكن ذلك كافياً لوصول ''هتلر'' إلى السلطة· وهكذا دخلت ألمانيا منذ عام 1930 في مرحلة من التأزم السياسي حافظت في ظلها على شكل من أشكال الديمقراطية، رغم أنها كانت تحتضر· وللوصول إلى حل سعت القوى المناهضة للديمقراطية إلى مشاركة ''هتلر'' في السلطة، لكن رغبته في الاستئثار بمقاليد الحكم دفع الرئيس الألماني إلى تعيينه مستشاراً لألمانيا عام 1933 لتتعاقب بعدها الأحداث التي ستجر الكارثة على ألمانيا وأوروبا والعالم بأسره·
هذه الوقائع البعيدة مازال يتردد صداها للآن، حيث تشهد معظم البلدان في أوروبا انتعاشاً جديداً لحركات الفاشية الجديدة والتيارات العنصرية في ظل تزايد أعداد المهاجرين، فقبل فترة وجيزة تسببت القومية الصربية التي أججها الرئيس ''سلوبودان ميلوسيفتش'' في إطلاق حرب جديدة للتطهير العرقي داخل القارة الأوروبية، واليوم أثبت سياسيون عبر العالم قدرتهم على توظيف الشعور الشعبوي واستغلال البنيات الديمقراطية لإقامة حكم سلطوي يتمحور حول الفرد، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى الرئيس ''فلاديمير بوتين'' الذي نحى بروسيا إلى ذلك الاتجاه وابتعد بها عن الديمقراطية، بالإضافة إلى الرئيس ''هوجو شافيز'' الذي أبان عن ميول سلطوية واضحة، رغم فشله مؤخراً في تأمين رئاسة مدى الحياة عندما أخفق في تعديل الدستور خلال استفتاء شعبي· وفي زيمبابوي حول الرئيس ''موجابي'' الديمقراطية إلى حكم فردي، ملحقاً أفدح الضرر بالبلاد، هذا الضرر الذي طال أيضا باكستان بخضوعها للحكم العسكري والتخفي وراء واجهة ديمقراطية مزيفة· والأوضح من ذلك ما يقوم به الرئيس الإيراني ''محمود أحمدي نجاد'' الذي استغل النظام التعددي في إيران لتوجيه السياسة الخارجية لبلاده نحو مسالك خطرة·
لكن لا أحد من الأمثلة السابقة يرقى إلى خطر ألمانيا النازية عام ،1933 إذ رغم ترويعها للأقليات في الدول الأوروبية ونجاحها أحيانا في تأليب الرأي العام ضد قضايا الهجرة والمهاجرين، مازالت الجماعات العنصرية والفاشية بعيدة عن تضخيم الشعور بالكراهية تجاه الأجانب· كما أنه في ظل غياب أحداث مفصلية مثل الحروب الكبرى، أو انهيار مدمر للاقتصاد العالمي ستبقى حركات الفاشية الجديدة على هامش المشهد السياسي الأوروبي· أما في أماكن أخرى من العالم فستظل دائماً هناك أشكال من الحكم الفردي التي، رغم اكتسابها لأسباب القوة، ستبقى بعيدة عن النموذج الذي أقامه ''هتلر''، كما أن غياب المنظمــات الدوليـــة في تلك المرحلة لم يحل دون الوقــــوع في الكارثـــة التي حلت بألمانيا، ولعل الأهم من ذلـــك هو الدور الحاسم الذي تلعبه الديمقراطيات في كبح الأنظمة السلطوية، إذ يبدو أن ''بوتين'' يستعد للتنازل عن الرئاسة وعدم المجازفة بخرق الدستور، كما أن ''شافيز'' اضطر إلى التخلي عن أحلامه بالبقاء في الرئاسة مدى الحياة بعد فشل مشروع تعديل الدستور·
ولحسن الحظ أن ما حدث في ألمانيا عام 1933 وما تلا ذلك يظل فصلا قاتماً من فصول التاريخ مقتصرا على ألمانيا دون غيرها، لكن ما حصل يذكرنا أيضا بالفكرة الواهمة بأن الديمقراطية ستكون دائماً الخيار الأفضل للشعوب التي تمزقها الحروب والتي تتقاذفها مشاعر المهانة الوطنية بسبب ما تعتبره تدخلا أجنبياً مجحفاً·


أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة شيفيلد البريطانية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا