الاتحاد

دنيا

مخيم صبرا.. كيلومتر مربع واحد يختصر معاناة فلسطينيي المهجر

الشارع الرئيسي في المخيم

الشارع الرئيسي في المخيم

تتوزع أكشاك البيع والشراء، وتنتشر “البسطات” المتنوعة على الأرصفة المعدومة في منطقة محرومة اقتصادياً، مكتظة سكانياً وعمرانياً، يغلب عليها طابع الفقر بكل تجليات رواسب القضية الفلسطينية، إنه مخيم “صبرا” الواقع جنوب العاصمة بيروت، والمشهور بأزقته الضيقة كما هي حال معظم المخيمات الفلسطينية في لبنان، وإن كان “مخيم صبرا” يختلف عن مثيلاته بمجزرة وحشية طالت سكانه إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982.
المصيبة تجمع
الهموم كثيرة وعديدة، والكثير من قاطني المنطقة، يتوق للخروج من هذا المخيم إلى وطنه المسلوب، أمنيته رؤية العالم الخارجي، وإذا تعذر هذا الأمل فلا بأس من التنزه ومعايشة مناطق أخرى، أقل كثافة وعوزاً، وتتوافر فيها أبسط مقومات الحياة اليومية، من مساحات شاسعة، وفسحات طبيعية وحدائق ومراكز ترفيهية وتسلية، بدلاً من “التقوقع” في حزام بؤس لا يتعدى الكيلومتر المربع الواحد، ويضم مختلف جنسيات الأقطار العربية، والعديد من رعايا دول العالم الثالث.
لا يقتصر السكن في “صبرا” على فلسطينيي الشتات فقط، بل إن الهجرات الجماعية لهذه المنطقة، أصابت قسماً كبيراً من الوافدين والنازحين اللبنانيين من قراهم النائية، نتيجة للحروب والاعتداءات والاجتياحات الإسرائيلية، وأيضاً فإن “المصيبة” جمعت الفلسطينيين واللبنانيين إبان الأحداث المؤسفة التي وقعت في البلاد، فكانت “صبرا” محطة الهاربين من مخيمات تل الزعتر والضبية وجسر الباشا وحتى شاتيلا. وهذا الواقع أوجد ما يسمى بالتغييرات الديموغرافية في ظل الهجرة الواسعة، للاستفادة من المشاريع العمرانية والإنمائية التي تحتاجها البلاد، فكانت العمالة الوافدة إلى هذه المنطقة من كافة الدول العربية، تجد في “مخيم صبرا” ملاذها وضالتها، خصوصاً بعد النهضة العمرانية والتوسع السكاني الكثيف الذي عمّ هذه “الدويلة” حسب ما يحب بعض سكانها تسميتها، على أساس أن معظم القاطنين هم من اللاجئين الفلسطينيين، إلى جانب رعايا سوريين وآسيويين أفريقيين، ووفرة ملحوظة من سيريلانكا والسودان وبنجلادش والهند.
حلم الهجرة
من يدخل “صبرا” يلاحظ العديد من الكتابات والشعارات على جدران مخيم الكيلومتر المربع الواحد، وتصم آذانه صراخ أصحاب بسطات الخضار والفاكهة والسلع التموينية وغيرها، معروضة للبيع بأقل من أسعار المحال الأخرى خارج “جمهورية صبرا”.
يقول حسين الأشوح “ترعرعت في هذه المنطقة بعد نزوح أهلي من فلسطين وقدومهم إلى لبنان، حيث حلوا أولاً في “مخيم تل الزعتر”، وبعد عملية التهجير القسرية نزحوا إلى هنا، وبسبب الركود الاقتصادي والحياتي الذي يضرب العالم، ومنها لبنان ومعظم الدول العربية، كنت أسعى إلى السفر إلى الدانمارك، إلاّ أنني لم أوفق في الحصول على تأشيرة دخول، وهذا الواقع دفعني إلى إقامة “بسطة صغيرة” أعرض فيها بعض السلع من الأجهزة الكهربائية والإلكترونية المستعملة لإعالة أهلي”.
بين محل وآخر، و”بسطة” ومثلها، تصّم أذانك أصوات الباعة الثابتين والمتجولين، وبعضهم يضع “كاسيتات” تسجيل لأنواع وأصناف البضائع التي يعرضونها، فلا صوت “يبح” ولا صراخ، والطريف أن هذه الفئة تضحك بسخرية على “زملاء الكار” وكأنهم اكتشفوا “البارود” بهذا الاختراع الذي يسمى آلة التسجيل.
الشعارات والكتابات الثورية والشعرية، وأقوال تندد بإسرائيل وجبروتها، تنتشر بكثرة على جدران المخيّم، ويلفت النظر صور لشهداء الثورة الفلسطينية، وهذا المشهد يتوج بشهداء مجزرة صبرا وشاتيلا، الذين دفنوا في مقبرة جماعية أقيمت على المدخل الجنوبي للمخيم، وهذه المقبرة يقصدها الكثيرون من أهالي الضحايا، لوضع الأكاليل على أضرحتهم في المناسبات السنوية التي تقام، ويتخللها كلمات خطابية سياسية تندد بوحشية ما جرى.
أحلام البسطاء
يسرد يوسف الخطيب، أحد الناجين من مذبحة صبرا وشاتيلا، واقع المأساة وما جرى على مسرح الجريمة النكراء بدقة متناهية، فيتصور المستمع أن الخطيب لا يزال يعيش مشاهد ما ارتكب من جرائم، حيث من الصعب محو تفاصيل المأساة من مخيلته، لذلك فهو يشارك دائماً في الاعتصامات والمهرجانات الحاشدة، ويقوم بزيارات دورية إلى منازل أسرى الشهداء.
وفي مخيم صبرا ترى المأساة عميقة جداً على وجوه القاطنين فيه، ويكفي أن هذه المنطقة مصابة بالإهمال والنسيان، عدا الفقر، حيث ترى معظم الأبنية ما عدا القلة منها، مبنية من أكواخ الصفيح أو ما شابهها، معظم الأطفال يدورون في أزقة المخيم صيفاً وشتاء بثياب بالية ورثة، والقليل منهم يذهب إلى المدرسة بسبب ضيق الحال.
المقاهي الشعبية لها نصيب وافر في المنطقة، فتتوزع “النراجيل” (الشيشة) وأكواب الشاي والقهوة على الزبائن الذين يقصد بعضهم المقهى قبل بزوغ الفجر، وهناك تسمع نشرات إخبارية تضاهي نشرات “التلفزيونات”، حيث الكل يدلي بدلوه في آخر المستجدات والتطورات الحاصلة، وبالقرب من المقاهي الشعبية تدّب الحركة والفوضى في سوق اللحوم، الذي يقصده أصحاب “الكار” للتزود بكميات هائلة منه، فترتفع الأصوات بين التجار والمشرفين على السوق في جدال ومساومات حول “بورصة” الأسعار اليومية.
الأحلام كبيرة لدى سكان “صبرا”، ما عدا قلّة قطعت الأمل بما يسمى “حق العودة”. ولا بأس من تبادل الهموم ومصاعب الغربة وأماني تحقيق الأحلام، التي لا تقتصر على المهجر الفلسطيني لوحده، بل يتقاسمها معه المواطن المصري والسوداني والسوري، الذين يتقاسمون الغرفة الواحدة في السكن والعيش ووجبة الطعام، على أمل تحقيق ثروة ما، تهبط على الأماني الخيالية التي يعيشها كل واحد منهم، لعل وعسى تبعد عنهم شبح الفقر، الذي يذّل البشر في لقمة مغمسة بدموع مستقبل قاتم لا نهاية له.

اقرأ أيضا