الاتحاد

دنيا

سردينيا لؤلؤة البحر المتوسط

إعداد - هالة دروج:
تمتاز إيطاليا بشكلها الفريد والمميز في خارطة العالم إذ تأخذ شكل قدم تمتد في عمق البحر الأبيض المتوسط ويخيل للناظر إليها أنها قد انتهت للتو من ركل صخرة قسمتها ونثرتها قطعة مبعثرة حولها· وتضم إيطاليا أكثر من 30 جزيرة مأهولة تقدم لزوارها الكثير من المتع المميزة· فبالإضافة إلى شواطئها الرائعة وكهوفها المائية، هناك المواقع الأثرية والمدن القائمة في أجواء الطبيعة الساحرة والمناظر الخلابة والقرى النائمة على السفوح الجبلية· هذا بالإضافة طبعاً إلى مخاطبة حاسة الذوق عند السائح من خلال تقديم ما لذّ وطاب من المأكولات والمشروبات المحلية·
تلبي الجزر الإيطالية كل ما يحلم به عشاق الشواطئ والرياضات المائية في رحلاتهم، وأكثر ما تتميز منها جزيرة سردينيا التي وصفها الشاعر والأديب الشهير دي إتش لورنس بقوله إنها 'تائهة بين أوروبا وأفريقيا بحيث لا تنتمي لمكان بعينه'· وتمتد سواحل سردينيا على طول ألفي كيلومتر تقريباً ولكن أشهرها على الإطلاق كوستا سميرالدا، أو 'ساحل الزمرد'، وتقع في الجانب الشمالي من الجزيرة الذي يمتاز بشواطئه البديعة وبأنه المكان المثالي لعشاق الغوص· وإضافة إلى الاستمتاع بدفء الشمس والشواطئ على أطرافها، تقدم سردينيا لزائرها الكثير من المتع في الداخل مثل زيارة بلدة كاجلياري القديمة والموانئ الساحرة والهضاب المكسوة بكروم العنب·
أعداء البحر
تقع سردينيا في وسط البحر الأبيض المتوسط وتعتبر مقصدا سياحيا هاما ليس فقط بسبب جمال طبيعتها وموقعها الجغرافي المميز وحسب، بل بسبب تاريخها العريق الممتد إلى آلاف السنين أيضا· فكل موجات الغزو التي تعرضت لها الجزيرة جاءت إليها من البحر· ولهذا السبب ظل سكان الجزيرة حتى زمن ليس ببعيد يكنون للبحر مشاعر الكره، وهذا ما يفسر إحجامهم عن بناء المدن والقرى على الساحل مباشرة· وقد بنيت أهم القرى والمدن فيها في الفترة التي كانت الجزيرة فيها تحت حكم الرومان وقبل ذلك تحت ظل حكم الفينيقيين· من الأمثلة عليها هناك كاراليس (كاجلياري عاصمة سردينيا) نورا، ثاروس أولبيا وتوريس ليبيسونيس (بورتو توريس) على الساحل الشمالي للجزيرة·
لكن نظرة العداء للبحر بدأت تتبدل في سردينيا خلال السنوات الأخيرة من الألفية الثانية حيث بدأ السكان يدركون أهمية البحر والساحل بالنسبة إلى اقتصادهم· ففي الخمسينيات من القرن الماضي بدأ هؤلاء، كغيرهم من سكان العالم، يلتفتون إلى أهمية السياحة وإمكانية استثمار البحر في هذا المجال من جهة وفي بعض المجالات الاقتصادية الأخرى مثل الصيد والنقل البحري من جهة أخرى·
موطن الكنوز
لذلك بدأ الاهتمام بالترويج السياحي لسردينيا التي باتت تستقطب حاليا عددا هائلا من السياح مستفيدة من كنوزها الطبيعية· فالبحر المحيط بهذه الجزيرة التي تعتبر ثاني أكبر جزر المتوسط وذلك بعد صقلية هو من أنقى وأجمل مناطق البحر في العالم أجمع· وقد أشار كاتب من سكان الجزيرة إلى سردينيا على أنها قارة في محاولة للفت النظر إلى تميز المناظر الطبيعية فيها والاختلافات الكبيرة والعميقة بين مناطق الجزيرة المختلفة مما يجعلها تبدو أقرب منها إلى قارة·
وعند الإبحار حول الجزيرة يمكن للمرء أن يشعر بتميزها· فعند النظر إليها من البحر يعجب الزائر بشواطئها الرملية وخلجانها البديعة وصخورها البركانية المنوعة وبعبق الشجيرات المتوسطية التي تغطي مساحات واسعة من أراضيها· كما تحمل نسمات الهواء العليلة معها عطور الورود الجورية وكافة أنواع الأزهار الجميلة· هذه العطور البديعة تغري الزائر المتجول للتوقف في إحدى المحطات الكثيرة المنتشرة على الشواطئ والنزول على بر الجزيرة ومقابلة سكانها الذين يعرف عنهم كرمهم وحسن ضيافتهم· فهم كغيرهم من سكان الجزر يشعرون دائما بحماسة لالتقاء الغرباء أو لأي نوع من الاتصال مع العالم الخارجي·
أما الذين لا يرغبون في قضاء أوقاتهم في الإبحار حول الجزيرة فيمكنهم الاستمتاع بشفافية مياه المتوسط في هذه البقعة من خلال الإقامة في كثير من الأماكن التي تفتح أبوابها للزوار إذ تتوفر هناك جملة من الفنادق ومواقع التخييم المنتشرة على طول السواحل· وفي هذه المياه الكريستالية المتلألئة يستطيع الزائر أن يمارس السباحة والغوص ويستمتع بمشاهدة الكثير من الأسماك وأنواع النباتات والحيوانات المائية·
وجزيرة سردينيا لا تمتع ناظر الزائر من خلال طبيعتها الجميلة فحسب بل توفر له فرصا متنوعة من متع التذوق وفنون الطهي بدءاً من تقاليد الطهي القديمة التي يستخدمها الرعاة وصولاً إلى فنون الطهي البحرية المتبعة على الشواطئ· كما تعتبر سردينيا غنية بالحرف اليدوية والفنون التقليدية فقطع السجاد والسلال والآنية وصياغة الذهب هناك، فريدة في نوعها وعلى قدر عال من الجودة·
وفي أقصى الشمال السرديني هناك بلدة كوبا تيستا التي عملت الرياح فيها على حت الصخور الجرانيتية بطريقة تلهب مخيلة الزائر وتجعله يتخيل كل صخرة على صورة حيوان أو شيء آخر يعرفه تماما· كما هناك منارة قديمة تطل على كالا دي لونا وفي الأفق البعيد يمكن رؤية الجروف البيضاء التي تميز المدخل إلى ميناء بونيفاسيو·
صور ومشاهد
وعند التوجه شرقا يمر المرء على كالا دي كورساري حيث تكون المياه شديدة الشفافية لدرجة تمكن من رؤية انعكاسات الأعمدة الجرانيتية القديمة· وهناك توجد قرية سانتا تيريزا دي جالورا التي يمارس أهلها الصيد وتعرف ببرجها الذي بات مقصداً سياحياً هاماً· وفي الصيف يمتلئ ميناؤها المحفور بالصخور الطبيعية بقوارب الرحلات السياحية التي تطغى على قوارب الصيد· كما تتوفر في هذا الميناء قوارب النقل التي تربط سردينيا بجزيرة كورسيكا· هذا وتوفر سانتا تيريزا لزوارها جملة من أماكن الإقامة المريحة· أما من يبحث عن أماكن أكثر هدوءا فيمكنه أن يجد ضالته في رينا بيانكا وشاطئ مارموراتا القريب من سانتا تيريزا·
وبعد ذلك يمكن للزائر مغادرة شمال سردينيا والبدء برحلته نحو الجنوب حيث متعة أرخبيل مادالينا المكون من 23 جزيرة صغيرة لا يستطيع عشاق البحر أن يقاوموا جاذبية مياهها الكريستالية وشواطئها الرملية وأجواءها العابقة برائحة شجيرات الماشيا المتوسطية·
وهناك الكثير من الأسماء والأماكن المرتبطة بهذا المكان منها منزل ومتحف جيسبي جاريبالدي القائد والبطل القومي الإيطالي الكبير الذي كان يعرف بلقب بطل العالمين· لا مادالينا هي الجزيرة الوحيدة المأهولة في الأرخبيل وتحتوي على متحف يضم كامل حمولة وبقايا سفينة رومانية غرقت في منطقة قريبة من البحر· أما جزيرة بوديلي فتمتاز بشاطئها التي يطغى عليه اللون الوردي الذي اكتسبته من وجود المرجان فيها وقد شهدت تصوير العديد من أهم الأفلام السينمائية· في وسط الأرخبيل هناك بورتو ديلا مادونا وهو ليس بمرفأ لكنه عبارة عن بركة طبيعية ضخمة الحجم تجتمع فيه في الصيف اليخوت الجميلة التي يرغب أصحابها بالانطلاق في رحلات يستمتعون بها بصفاء المياه وجمال المناظر المحيطة·
وبعد مغادرة هذا الأرخبيل تبدأ مرحلة جديدة من سحر سردينيا في ساحل الزمرد الممتد على مسافة 55 كيلومترا الذي يستضيف أجمل القوارب وأكثر اليخوت رفاهية في ميناء سيرفو المعروف بأنه أفضل ميناء سياحي في منطقة المتوسط· هناك ينتشر السياح من الأثرياء يمارسون رياضة الجولف في مناطق تنتشر فيها فيلل بديعة لرجال الأعمال والفنانين ومشاهير السينما في العالم·

اقرأ أيضا