الاتحاد

دنيا

القصر العتيق حان الوقت ليصبح متحف العاصمة


إعداد - أحمد المنصوري:
يعتبر القصر العتيق أو 'قصر الحصن' أحد أهم المواقع الأثرية والتاريخية ليس فقط في مدينة أبوظبي بل في الدولة ككل· كيف لا وهذا القصر يرجع تاريخه لأكثر من قرنين من الزمان حيث تم بناؤه الأول في فترة الستينات من القرن الثامن عشر مع بداية استيطان آل بو فلاح جزيرة أبوظبي عندما قام الشيخ ذياب بن عيسى بعد اكتشافه الماء في الجزيرة بقيادة شعبه من مقر إقامتهم في ليوا إلى أبوظبي· وورد في كتاب قصر الحصن الصادر عن مركز الوثائق والبحوث أنه رغم صعوبة تحديد تاريخ دقيق لتأسيس الحصن، فإنه من المفترض أن يكون البرج المستدير الذي لا يزال قائما حتى الآن هو على الأرجح بقايا البناء القديم الذي بناه شيوخ آل بو فلاح خلال إقامتهم الأولى في الجزيرة عام ·1761
أما بناؤه الرئيسي فيرجع للشيخ سعيد بن طحنون آل نهيان الذي حكم في الفترة ما بين 1845 .1855 - وكان البناء الأولي مربع الشكل والذي يتبع حاليا مدخل القصر، وهو حصن نموذجي يتكون من برجين مربعين وآخرين مدورين وفيه عدة حجرات ومجالس، وكان مقراً لسكن الحاكم ولاستقبال الضيوف وشيوخ القبائل·
وبقي القصر على هيئته مقراً للحاكم من شيوخ آل نهيان حتى عهد الشيخ شخبوط بن سلطان 'رحمه الله' الذي أجرى توسعة عليه عام 1939 لكي يتسع لجميع أفراد عائلته· وقام بإضافة جناحين كبيرين· وعند انتهاء البناء كان المبنى كبيراً ومشابها للقلاع والحصون العربية القديمة· وآخر تعديل شامل مر به القصر كان بأمر من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان 'طيب الله ثراه' وانتهى العمل آنذاك عام ·1983
وقد شغل بعض أجنحة القصر مقرا للأرشيف الوطني حتى عام ،1998 كما يضم القصر مبنى مجاوراً بني كمقر للمجلس الاستشاري لمدينة أبوظبي·
القصر يحكي تاريخ أبوظبي
وهذا البناء التراثي الوحيد في العاصمة·· بقي ليحكي لنا عقودا من التطورات والأحداث العديدة التي مرت بها أبوظبي منذ أن استوطنت في أواخر القرن الثامن عشر إلى عهود الاستعمار والخلافات والتوترات التي عاصرتها الجزيرة، حيث كان القصر على مدى تلك السنوات عصب الحياة السياسية لإمارة أبوظبي، وشاهدا على كثير من الأحداث التي مرت بها المنطقة، إلى أن جاء عصر الرخاء والاستقرار الذي أكرمنا الله به على يد باني نهضة الإمارات وفقيد البلاد الكبـــير الشـــيخ زايد بن سلطــــان 'طيب الله ثراه'·
وحتى عندما كانت أبوظبي تمر بمراحل من التدهور، كان القصر الأبيض للحاكم يعطي انطباعا بالقوة والمنعة· وقد ذكرته الوثائق البريطانية في تلك الفترة بأسماء مختلفة مثل 'القلعة'، و'الحصن'، و'قصر الحاكم'، و'دار الحكومة'
والباب الرئيسي للقصر مفتوح لزيارة العامة، إلا أن الأجنحة والأقسام والغرف الداخلية مغلقة منذ انتقال مقر الأرشيف الوطني من هناك· ويستطيع الزائر أن يمضي وقته في مشاهدة أبراج القصر وجدرانه وأبوابه الخشبية القديمة، وبعض المدافع القديمة التي نصبت هنا وهناك· وتحول فناء القصر الداخلي إلى حديقة غناء تتخللها ممرات مزينة بالإضاءات والنوافير·
قِبلة السياح
يستقبل القصر يومياً العشرات من السياح القادمين لزيارة العاصمة· وهؤلاء السياح يتوقون لمشاهدة الآثار والمباني التاريخية القديمة، ولكن في عاصمتنا فإن ثورة التحضر والمدنية طالت كل شيء، حتى السوق القديم أزيل والمساجد والمباني القديمة جددت ولم يبق إلا هذا القصر شامخا صامدا في قلب العاصمة المكتظ بالأبنية الإسمنتية الحديثة ورمزا لفن العمارة القديمة في أبوظبي، كما يعتبر بوابة الحاضر إلى الماضي·
قصور
ويتجول السائح في أرجاء القصر بكامرته ويلتقط صورا لردهاته وأروقته وأبراجه وحديقته، ويخرج منه وكل ما يعلمه من هذا القصر هو أنه حصن قديم وكان مقرا لحكام أبوظبي في الفترات القديمة· فلا توجد في القصر لوحة معلومات تحكي تاريخ بنائه والتوسعات التي أقيمت، والدور الذي لعبه في الحياة السياسية في الجزيرة، كعادة ما يشاهده السائح عند زيارته لأي موقع تاريخي في أي مدينة في العالم· وقد يرافق السائح مرشد سياحي من غير أبناء الوطن، يجيب على تساؤلاته واستفساراته بإجابات مستمدة من الكتب والمراجع التي قرأها المرشد ولا تشبع نهم السائح الذي يود سماع المعلومات من أبناء الوطن الذين هم أدرى بشعاب الأمور وخصوصية المجتمع الإماراتي والأعراف والتقاليد السائدة والتي لا يستطيع المرشد الأجنبي أن يقدمها مهما تبحر في قراءة الكتب والمراجع·
وبعض السياح الذين التقيتهم هناك لا يعرفون شيئاً عن القصر سوى أنه حصن قديم يستحق الزيارة، وسعدوا كثيرا عندما عرضت عليهم إعطاء فكرة عن المكان، فأمطروني بالأسئلة والاستفسارات عن هذا المكان وعن مختلف الأمور المتعلقة بدولة الإمارات وذلك لكوني من أبناء الوطن ووجدوني فرصة للتعرف عن قرب عن جميع ما يدور في بالهم من أسئلة واستفسارات عن دولتنا وتقاليدنا·
أحدهم قال لي بأنه توقع أن يكون هذا المكان متحفا وطنيا، ولكنه فوجئ بأنه ليس كذلك فقلت له بأننا نتمنى أن يتحول هذا المكان العريق يوما ما إلى متحف وطني، وأن يحتضن الآثار الكثيرة التي تحتفظ بها بعض الجهات وبعض الشخصيات في العاصمة·
مطلب وطني
وأخيرا·· سيتحول هذا القصر العتيق على غرار حصن الجاهلي في العين وقلعة الفهيدي في دبي إلى متحف وطني، حيث أنجزت دائرة البلديات والزراعة في بلدية أبوظبي الدراسة المكلفة بإعدادها بشأن تحويل قصر الحصن إلى متحف وطني ومتحف للتاريخ الطبيعي لدولة الإمارات بانتظار أن يبت فيها المجلس التنفيذي· ولقد حان الوقت لأن تشغل قاعاته وأروقته اللقى والآثار التي ترجع لآلاف السنين والمكتشفة في أبوظبي وجزرها·· ولقد آن الأوان لأن تعلو جدرانه وزواياه اللوحات والصور التي تحكي تاريخ المدينة والتطورات التي عاصرتها بمراحلها المختلفة··
ولقد حان الوقت أن يصطحب الزوار والسياح بجولات داخل القصر مشرفون من أبناء الوطن يشرحون ما يحتضنه القصر من ذكريات الماضي منذ استيطان الجزيرة حتى فترة النهضة الحضارية على يد المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان· ونتمنى أن تتبنى الجهات المعنية هذا المشروع في القريب العاجل حتى يصبح مزارا سياحيا أثريا يبقي عبق الماضي في العاصمة في خضم التوجه نحو إنشاء المراكز التجارية والبنايات الحديثة·

اقرأ أيضا