الاتحاد

دنيا

مارسيل خليفة عاشق يستدرج الكلمات إلى الرقص


عمان ـ توفيق عابد:
يخطئ من يظن أن الأغنية الوطنية قد خبت وفقدت بريقها، وأن مستمعيها عزفوا عنها وسايروا موضة الأغاني الراقصة، وأن الفيديو كليب وأغانيه التي تعرض المفاتن وتبهر الأبصار وتحجب النور عن بصيرتنا قد سيطرت على قلوب وعقول جميع شرائح المجتمع العربي، وأن آذاننا لم تعد تطيق سماع الأغاني الثورية التي تشدو للوطن وتتغنى بحملة البنادق والشهداء الذين ثاروا على الظلم والاحتلال وقدموا أرواحهم 'فدوى' لعيون الوطن وترابه الطهور·
هذا ما أثبته مارسيل خليفة الفنان الاستثنائي في حفلته التي أقامها مطلع الأسبوع الحالي على مسرح 'الارينا' بجامعة عمان الأهلية ونظمتها جمعية إحياء السامر الأردنية·· هذا الفنان الذي انتصر على الدوام للحرية والوطن والحب والانتماء دون أن يلتفت ولو بطرف عينه الى ما يفعله الفنانون الشباب الذين انحازوا تحت يافطة 'العصرنة' الى مخاطبة غرائزنا والضرب على أوتار قلوبنا المعذبة·
'دنيا الاتحاد' كانت هناك ورصدت التفاصيل لحظة بلحظة لفنان غنى لحرية الإنسان وقضاياه الوطنية والقومية وأضفى صورة استثنائية لمفهوم الالتزام·
جمال على جمال
مارسيل خليفة الذي حول كلمات محمود درويش الى قصائد مغناة تضيف الى جمالها جمالا آخر مصحوبا بـ 'نغمات عوده' تحرك فينا العواطف الكامنة تجاه الوطن والأرض والشهداء وقف أمام أكثر من ثلاثة آلاف متفرج في ليلة من أجمل الليالي معظمهم من فلسطين المغتصبة والجولان المحتل احتشدوا قبل ساعتين من موعد حفلته ليوجه تحية صادقة ورسالة حب للصامدين على الثرى الطهور وقدم لهم مع عزف على العود أغنية 'يا حادي العيس' التي تحكي علاقة الشهيد بالأم التي أرضعت وسهرت وقلقت، وتقول:
يا حادي العيس
سلِّم لي على أمي
واحكي لها ما جرى
واشكي لها همي
وما همَّ يا أمُّ أن يقتلوني
وأن يزرعوني على حزن كفيك
كالبيرق المستحيل
وقدم مارسيل خليفة للقادمين من فلسطين الجريحة 'انهض يا ثائر' وخاطبهم قائلا: 'لولا وجودكم على ارض فلسطين حتى الآن لماتت القصيدة' وأخذ يغني على عوده:
انهض يا ثائر
يا عاصف زندك
الأعالي تشتهي نبرك
لك غنيت حياتي
لك ربيت على الثورة ذاتي
وتفجرت لهيبا وتعلقت صليبا
ومن بين ''15 أغنية قدمها وسط جمهور لم يهدأ بل ردد أغانيه قبله أحيانا ومعه أحيانا أخرى اختار مارسيل خليفة قصيدة للشاعر محمود درويش بمصاحبة الفنانة بولا نقتطف منها الأبيات التالية:
أمي تعد أصابعي العشرين عن بعد
فكرت يوما بالرحيل فحط حسون على يدها ونام
وكان يكفي أن أداعب غصن دالية على عجل
لتدرك أن كأس نبيذي امتلأت
ويكفي أن أنام مبكرا لترى
منامي واضحا فتطيل غفوتها لتحرسني
وأن أيامي تحوم حولها
تجاوب غير عادي
كان تجاوب الجمهور لا يوصف والقاعة تضج بالتصفيق والصفير؛ ولم يبخل مارسيل خليفة على عشاقه فتجاوب معهم وهم يرددون أغنية 'منتصب القامة أمشي' في تناوب قل نظيره يعكس تجارب الفنان الأصيل وفرقة الميادين في إثارة الجمهور وقطف إعجابه طيلة الحفلة·
الفنانة أميمة الخليل التي ترافق مارسيل خليفة في حفلاته على الدوام وخاصة في الأردن كانت كعادتها رائعة ملتزمة ذات صوت دافىء وإحساس مرهف، غنت فأبدعت وصفق لها الجمهور طويلا عندما شدت بـ 'عصفور طل من الشباك' التي أهداها مارسيل خليفة للأسرى في فلسطين والأسرى العرب في معتقلات إسرائيل، وأجادت في تقديمها أغنية 'وحيفا من هنا بدأت' بمرافقة أنغام عود تلتها مقطوعة موسيقية بعنوان 'مراسيل' الحبلى برسائل الحب وقدمها بإتقان بلال العظمي وإبراهيم معلوف ليختتم حفلته التي لا تنسى بأغنيته المشهورة التي ترافقه كظله في جميع حفلاته 'يا بحرية' بمشاركة الجمهور·
ومما يجدر ذكره أن بشار خليفة والكساندر بتروف شاركاه العزف فيما قدمته الفنانة الأردنية نادرة عمران·
بعض الحكي
وكان الفنان مارسيل خليفة عقد قبل حفلته بـ ''72 ساعة تقريبا مؤتمرا صحفيا أداره الزميل حسين جلعاد وخاطب في بدايته الصحافيين قائلا: 'اعتدت دائما أن أحتضن آلة العود لأقول اللغة··الكلام··الشعر وأن أرتجل قبل العزف 'بعضا من الحكي' ولكن في حضرتكم سأنحي العود جانبا وأستعين بالكلمة التي ليس بيني وبينها عداء؛ فأنا عاشق لا يكف عن استدراج الكلمات للرقص على الأوتار·
وأضاف: 'إن حرمان المجتمع من البوح الحر سوف يؤدي عبر الوقت إلى صدأ الحساسية الثقافية، ومغامرة الفن والاختلاف هي مغامرة مشتركة بين المبدع والمتلقي، منوها إلى أن الذوق المتردي لا يولد مع الإنسان ولكنه يأتي بفعل فاعل يعرف بالضبط ماذا يفعل'·
وقال بعد أن علت نبرة صوته: 'الناس اليوم في حاجة الى أوطان حقيقية·· الى الخبز والورد والخروج من مستنقعات التخلف والقهر والنقص الفادح في الحرية·
وأضاف: 'عندما يكون الوطن محتلا فليست الثقافة محايدة إنها تقاوم الاحتلال·· سنقدم أغانى وموسيقى للحياة وسنحاول الانتصار على طرب الغرائز والكلام المبتذل بالقصيدة الجميلة·· لنتعلم كيف نحمي الأغنية والموسيقى من الفضيحة'·
وفي معرض رده على سؤال حول علاقته بأمه قال: فقدت أمي في عز شبابها وكنت مازلت في سن مبكرة لا ادري شيئا عن الموت لكني تصالحت معه بعد فترة ورغم المدة القصيرة التي أمضيتها مع أمي الا أنه من الصعب وصف جمال ومحبة الأم فقد كانت أمي السباقة لاكتشاف موهبتي حين كنت أنقر على الصحون والطناجر؛ وقد وجدت قصيدة محمود درويش 'أحن الى خبز أمي' أصدق تعبير عن الأم·
وأشار إلى أنه سيقدم عام 2006 اسطوانة 'وعود العاصفة'، وأعلن أنه يحضر لعمل ضخم لقصيدة محمود درويش 'يطير الحمام' وهي حوار بين رجل وامرأة في قصيدة حب مختلفة ومن أبياتها:
حبيبي أخاف سكوت يديك
فحك دمي كي تنام الفرس
حبيبي تطير إناث الطيور إليك
فخذني أنا زوجة أو نفَس ·

اقرأ أيضا