الاتحاد

الإمارات

تناقض جماعي

أحمد مصطفى العملة

بعض الصحف العربية تشهد معضلة غريبة للغاية تحتاج إلى حلّ. فهناك كتاب بارزون، أصحاب رأي، يقولون إنهم ليبراليون، ينادون دوماً الحكومات بضرورة الاستماع إلى صوت الجماهير.. لكن هم أنفسهم قرروا فجأة أن يكتموا صوت الجماهير.. كيف؟!
نتحدث هنا عن صحفيين بارزين في صحف كبرى أجبروا المواقع الإلكترونية لصحفهم على منع نشر تعليقات القراء على مقالاتهم.
وفي الحقيقة، يمثل هذا التطور جزءاً من العلاقة الملتبسة والمرتبكة بين الكتاب والقراء العرب الآن بسبب التكنولوجيا.
ففي البدء، كان الكاتب وحده صاحب سلطة النشر، ولم يكن بيد القارئ «المتحمس» أي خيار للتعليق سوى خطاب بريدي سيجد طريقه، على الأرجح، لأقرب سلة مهملات عند الكاتب. الآن الوضع مختلف. بعض الصحف تنتقي ما يناسبها من تعليقات لتنشره على موقعها، وهذا حقها بالطبع. وبعضها الآخر فتح الباب على مصراعيه للقراء للتعليق. وهنا صار الكاتب والقارئ سيان.. كل منهما لديه «سلطة النشر». هو يكتب.. والقارئ يعلق على مرأى ومشهد من سائر المتصفحين.
اللعبة بدت مثيرة للجميع .. صحف وكتاب وقراء؛ فالنشر الإلكتروني جعل الأمر أشبه ما يكون بالـ «Show». واستمر الحال لفترة من الوقت. وكان الجميع سعداء.. الصحف يقبل عليها القراء أكثر. الكتاب يحظون لأول مرة في التاريخ بفرصة التواصل الحميم مع الجمهور.. القراء تمكنوا أخيراً من التعبير عن آرائهم.
لكن فجأة، انقلب السحر على الساحر، غضب بعض الكتاب من بعض القراء، فأجبروا الصحف على إغلاق نافذة التعليق إلكترونياً، فانكشف الغطاء عن تناقض مؤلم يفضح الجميع. أصحاب «سلطة النشر»،الذين يطرحون أنفسهم دوماً، باعتبارهم حاملي لواء الحرية والدعوة للحوار مع الآخر، فإذا بهم في «سنة أولى سلطة» يديرون ظهورهم لقرائهم.
القراء أيضاً ، كشفوا عن وجه خفي، فما أن أُتيحت لهم الفرصة ليشاركوا الكتاب في «سلطة النشر»، إذا ببعضهم يسيء استخدامها كثيرا، مع أنهم ظلوا يشكون طويلا من احتجازهم في الظل بعيداً عن الأضواء..
وتعدى هؤلاء حجم التجاوزات الأخلاقية والسباب والشتائم التي يوجهها البعض لهذا أو ذاك، كل حد، مستغلين إمكانية التخفي وراء هويات وهمية.
وهنا تكمن معضلة، تعكس في جزء منها، خللاً خطيراً تعانيه بعض المجتمعات العربية.
وهو ما يمكن تسميته «متلازمة» الغضب وغياب العقلانية وانسداد فرص الحوار. فالكل يستطيع أن يصرخ ويقول ما يشاء، عبر «فيسبوك» أو «تويتر» أو في «الفضائيات». لكن فريضة التواصل العقلاني والحوار الهادئ المثمر، غائبة.
صحيح أن المناخ العام مضطرب ومتقلب، والقلق من المستقبل يحاصر الجميع، لكن يتعين على الإعلام في مثل هذه اللحظة أن يتحلى بقدر أكبر من سعة الصدر؛ لأن القائمين عليه يتحملون مسؤولية أساسية في تسخير التكنولوجيا الحديثة لترسيخ فضيلة الحوار من أجل مستقبل أفضل، مهما كانت الأعراض الجانبية للتجربة، وعلى القراء من جانبهم ألا يضيعوا فرصة ذهبية لإسماع صوتهم، بتعقل وحكمة، دون تجاوز أو تطاول.

اقرأ أيضا

المجلس العالمي للتسامح والسلام يدين تفجيرات سريلانكا