صحيفة الاتحاد

فكر

هل أنصفت المستشرقة الألمانية آنه ماري شيمل الإسلام؟

آنه ماري شيمل

آنه ماري شيمل

احتفت ألمانيا بذكرى وفاة المستشرقة الألمانية آنه مـــــاري شـــــيمل 1922-·2003 وبوفاتها قبل خمسة أعوام فقد العالم الإسلامي باحثة كرَّست حياتها كلها لتشييد الجسور بينه وبين الثقافة الغربية، ولذلك فإن جميع المسلمين يكنُّون لها كل الاحترام لقدراتها الفائقة على التعامل بموضوعية مع الثقافة العربية والإسلامية، ولبذلها قصارى الجهود لإبطال الدعاوى التي حاول البعض تلفيقها ضد الإسلام·
تعد آنه ماري شيمل من أشهر المستشرقات الألمان على المستوى الدولي؛ فهي شخصية فريدة في حقل الاستشراق· ولدت في مدينة ايرفورت الألمانية عام ،1922 وأتقنت اللغة العربية وهي في سن الخامسة عشرة من عمرها، وحازت على درجة الدكتوراه الأولى في الفلسفة والدراسات الإسلامية وهي في سن التاسعة عشرة من (جامعة برلين/ 1941) تحت إشراف البروفسور هارتمن، ثم نالت درجة الدكتوراه الثانية في ''تاريخ الأديان/ ،''1951 وكانت رسالتها بعنوان ''الخليفة والقاضي في مصر في العصور الوسطى''، وفي العام 1954 زارت أنقرة في تركيا ودرَّست في جامعتها ـ كلية تاريخ الأديان المقارن والفن الإسلامي، وأتقنت اللغة التركية، وعملت كأستاذة ومستشارة للدراسات الإسلامية في (جامعة بون) عام في العام ·1961
أحبَّت شيمل العيش في الشرق، وأقامت فترة طويلة في الهند وباكستان، حيث اشتغلت بتخصصها، وعملت بعدها ما يقرب من خمسة وعشرين عاماً في (جامعة هارفارد) كأستاذة كرسي لمادَّة ''الإسلام في الهند''· وفي عام 1992 أنهت شيمل عملها في تلك الجامعة، وعادت إلى ألمانيا بعد ربع قرن عاشتها في أروقة العلم بالولايات المتحدة الأميركية· وفي عام 1995 م تُوِّجت مسيرتها العلمية والفكرية بـ (جائزة السَّلام الألمانية)، غير أن منحها هذه الجائزة المرموقة أثار جدلاً كبيراً لموقفها المتفهِّم من الغضب العارم الذي اجتاح العالم الإسلامي بسبب صدور رواية سلمان رشدي ''آيات شيطانية''، هذا التفهُّم لخصوصيات الثقافة العربية الإسلامية كان أبرز ما يميز الدكتورة شيمل·
قبل وفاتها في عام ،2003 أبت سيدة الاستشراق الألمانية أن تتوارى قيم التفاهم التي نذرت حياتها من أجلها أدراج الرياح، ولذلك أوصت رفاق عمرها بأن يجتمعوا على منتدى للحوار الديني والثقافي، يكون هدفه الأسمى ربط جسور الصداقة والتفاهم بين أوروبا والعالم الإسلامي أما الهدف الذي كانت ماري تسعى لتحقيقه فيتمثل في: تجنُّب نشوب الصراعات بين الحضارات، انطلاقا من إيمانها بأنه ''إذا قمنا بالاستفادة من الطاقات المتواجدة في الأديان والثقافات للتعايش السِّلمي مع الآخر، لعاد ذلك بالنفع على الجميع، بدلاً من استغلال هذه الطاقات بصورة سيئة لتعكير صفو التعايش السِّلمي وإراقة الدماء''·
أما عن مؤلَّفات شيمل فهي كثيرة بحيث بلغت حوالي ثمانين مؤلفاً، وبلغات مختلفة، ومعظمها حول التصوُّف الإسلامي، ناهيك عن ترجماتها الوفيرة، ففي المذهب الصوفي كتبت (الأبعاد الصوفية للإسلام عام 1974) وهو باللغة الإنجليزية (ظهرت ترجمته الألمانية العام 1985)، وكتاب (الوردة والعندليب) الذي يتناول الأشعار الصوفية التركية والفرنسية، وكتاب (محمد رسول الله) الذي ظهر بالألمانية عام ،1981 وكتاب (دراساتها عن الإسلام في الهند)، وكتابها الرائع (باكستان: قصر ذو ألف باب) والذي سبق وظهر عام ،1965 وكتاب له طابع السيرة الذاتية وذكرياتها في تركيا بعنوان (أخي إسماعيل) الذي صدر عام ،1990 وكتاب عن الفن الإسلامي وفن الخط العربي·
ووضعت كذلك كتاباً ضخماً عن جلال الدين الرومي عنوانه (الشمس الظافرة) ،1978 وظهرت الترجمة الألمانية بعنوان آخر، ولها أيضاً كتاب الحلاج شهيد الحب الإلهي، هو (الحياة والأسطورة)، وكتاب آخر عن جلال الدين هو (الرومي إنِّه الريح وأنت الغبار)، تُرجم إلى الفارسية، وكتاب عن متصوِّف تركي اختارته منظمة اليونيسكو في العام 1991 كرجل العام عنوانه (رحلات مع يونس إمره)، وكتاب (مجموعة حكم الصوفي ابن عطا الله السكندري) الذي عاش في القرن الثالث عشر، أما كتابها الضخم فكان (حدائق المعرفة) وقد صدر عام ·1981
قبل عامين صدرت عن ''دار بيك'' الألمانية السيرة الذاتية لهذه المستشرقة البارزة كانت بعنوان (حياتي الغرب شرقية) وهو عنوان يشير بالطبع إلى ديوان جوته المشهور (ديوان الشرق والغرب)، ولعل هذا هو الدافع الرئيسي الذي دفع الباحث المصري عبد السلام حيدر إلى ترجمة سيرتها الذاتية التي صدرت حديثاً عن ''المجلس الأعلى للثقافة في مصر'' بالتعاون مع ''معهد جوته'' بالقاهرة·
ومن يطلع على هذا الكتاب يفاجأ بمدى اتساع شبكة العلاقات التي كونتها شيمل مع العالم، لأنها كانت محبة للارتحال والسفر، لاسيما إلى البلاد الشرقية، ولكن كثرة أسفارها لم تحل بينها وبين الكتابة والترجمة عن اللغات الشرقية المختلفة·
وفي الوقت الذي حاول فيه معظم المستشرقين إضفاء مسحة النَّصرانية على الحلاج وربطه بعقيدة التجسيد الآلهي في الإنسان وتبطلها، تعمَّقت المستشرقة آنه ماري شيمل في التوقف عند الظاهرة الصوفية، وعند شخصية الحلاج بالذات، حيث تتبعت وجهة نظر بعض الشُّعراء المسلمين في الهند وبلاد البنجاب، حيث استشهدت بالشاعر الهندي المسلم (غالب) الذي كتب في دلهي خلال القرن التاسع عشر عن الحلاج مؤكداً أن هذا الصوفي الشاعر ''نال الجزاء الذي يستحقه لأنه باح بالحب، ومن يبوح بسرِّ الحب ويكشف ستر المحبوب ينال العقاب حتى وإن كان فيض الحب الذي دفعه للصراخ وكشف المستور أكبر منه''·
ومن هنا انتقد العديد من المتصوِّفة الحلاج أيضاً، وبدأوا يشكِّكون في ادعائه بالوصول إلى الهدف، أما شيمل فنظرت إلى الحلاج من خلال شطحاته الصوفية، مقارنة إياها بتجليات الوجد عند النُّساك والقديسين في الديانة المسيحية، فدافعت عن الحلاج مؤكدة خطأ فهم شطحة الحلاج وصرخته ''أنا الحق'' بأنها تجديف أو مس بالذات الالهية السامية، لأنه لم يقصد إلى ما ذهب اليه الآخرون فيما بعد، فما أسهل أن يدان الحلاج إذا ما تمَّ تفسير شطحاته بسطحية ودون التعمُّق في العالم الروحي للصوفية الإسلامية، وطرائقها ومراتبها وتجلياتها وروافدها·
أحبت آنه ماري شيمل الإسلام ونبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، وخير دليل على ذلك هو ما قالته مدافعة عن شخصية الرسول الكريم ''لا تلوموني على حبي لرسول الإسلام؛ فحبي وشغفي بالإسلام ورسوله بلا حدود، حتى إن البعض يقول إنني أخفي إسلامي، وأنا أقول مقولة لشاعر هندوسي: ''قد أكون كافراً أو مؤمناً فهذا شيء علمه عند الله وحده، ولكني أود أن أنذر نفسي كمحبٍّ مخلص لسيد المدينة العظيم محمد رسول الله··) فلماذا تلومونني على حبي ودفاعي عن رسول الإسلام الذي أحبه، في حين لم يتعرَّض شخص في التاريخ للظلم الذي تعرَّض له محمَّد في الغري؛ فأساطير القرون الوسطى اتهمته بأنه كان كاردينالاً استاء لعدم تعيينه بابا فانفصل عن الكنيسة وأسس ديانة جديدة، واتهمته رواية فرنسية بأنه شارك مع شخصين آخرين في تكوين نوع من الثالوث الشيطاني؟! وجريمة لا تغتفر في حق محمَّد ارتكبها الأدباء الإنجليز؛ فقد حوَّل الأدب الألماني اسم (محمَّد) إلى (ماحوم)، واتهموا المسلمين بأنهم يعبدون أصناماً ذهبية لماحوم· وللأسف فإن مثل هذه الصور الشنيعة راسخة في اللاوعي الجماعي للغرب، وهو ما يفسر العداء الغربي للإسلام·· أليس هذا الظلم دافعاً لي لتوضيح حقيقة رسول الإسلام والدفاع عنه حتى لو كلَّفني ذلك حياتي؟''·