الاتحاد

دنيا

حرمان النوم يقلل الإنتاجية ويعكر المزاج


ترجمة ـ ميسون جحا:
في إطار وصفها لإيقاع عملها السريع كمحررة في صحيفة (أورانج كاونتي ريجيستر)، والتي تصدر في جنوب كاليفورنيا، تقول جويندولين دريسكول إنها لا تتوقف عن العمل، وتقوم بمهام عديدة في آن معا· وعند عودتها للبيت في المساء، لا يسعفها الوقت إلا للقيام ببعض الأعمال المنزلية أو لمتابعة بعض قراءاتها، وفي معظم الليالي، لا تنام أكثر من ست ساعات ونصف·
وتضيف دريسكول، التي تبلغ الخامسة والثلاثين من العمر: 'أستطيع النوم لساعة إضافية، ولكن النوم لا يشكل أولوية في حياتي'·
دريسكول التي لا تتعدى أن تكون واحدة من كثير من البشر يعيشون النمط نفسه من الحياة السريعة الإيقاع، ربما لم تنتبه إلى الخطأ الكامن في هذا النوع من الحياة، إذ يفترض أن يحتل النوم أولوية في حياة هذه المحررة الأميركية وغيرها·
وفقاً لما يقوله المختصون يحتاج الشخص البالغ ما بين سبع إلى ثماني ساعات من النوم في كل ليلة· وأي مقدار يقل عن ذلك يمكن أن يضر بصحته· فالحرمان من النوم يؤثر على اليقظة الفكرية، ويعرقل عمل جهاز المناعة، ويمتد أثره إلى درجة التعرض لبعض الأمراض كالسكري·
في هذا السياق، يقول كارل هانت (مدير المركز القومي لأبحاث اضطرابات النوم في بيثيسدا في ولاية ماريلاند الأميركية): 'النوم ضروري للمحافظة على الصحة العامة تماماً كما هي الحال بالنسبة للتمارين الرياضية والغذاء السليم'·
إن النوم حاجة بيولوجية، وهو ضروري للجسم كالغذاء والماء· وإذا حرم البشر من النوم تكون نهايتهم وشيكة· لكن ملايين من الأميركيين على ما يبدو لا يكترثون لهذه المعطيات، ويعملون على تقليل ساعات نومهم· وفي الوقت الحالي، قلت ساعات نوم الفرد الأميركي بمعدل ساعة في كل ليلة عما كان عليه الحال قبل 20 أو 30 عاما·
يقول ويليام ديمنت (باحث كبير في جامعة ستانفورد في بالو آلتو في كاليفورنيا): 'إن الإكثار من شرب القهوة ومشتقاتها أكبر برهان على أن مجتمعنا أصبح أكثر حاجة للنوم من ذي قبل'·
ويرى باحثون أن هذا التوجه يعود في جزء منه لطبيعة الثقافة الأميركية المعاصرة التي تقضي بالعمل طوال أربع وعشرين ساعة في جميع أيام الأسبوع، مما عزز التوقعات بالحصول على خدمات ومعلومات وبرامج ترفيهية على مدار الساعة·
أما هانت فيعتقد أن 'تلك التحولات الكبيرة في أنماط المعيشة باتت تؤثر، ليس فقط على عدد الساعات التي يقضيها الأميركيون في النوم يوميا، بل على مواعيد النوم خلال ساعات اليوم الكامل'·
النعاس النهاري
تظهر الدراسات أن واحدا من بين كل خمسة بالغين يعانون من النعاس أثناء النهار· فقد تبين أن 50% من الأشخاص الذين تمتد أعمارهم ما بين 18 و34 عاما يعانون من النعاس أثناء النهار مما يؤثر على أعمالهم اليومية· ووفقا لمعلومات صادرة عن مركز اضطرابات النوم في جامعة نيويورك، يعاني 90% من طلاب الجامعات من قلة ساعات النوم·
وقد أشارت بعض التقديرات إلى ارتفاع الخسائر الاقتصادية الناتجة عن ذلك· فقد بلغ إجمالي كلفة الرعاية الصحية للمحرومين من ساعات نوم كافية أكثر من 15 بليون دولار، كما أدى ذلك إلى ضياع ما يوازي 50 بليون دولار من عائدات الإنتاجية في الولايات المتحدة الأميركية·
لكن المشكلة لا تقتصر على قلة ساعات النوم بل تمتد إلى نوعية النوم نفسه، حيث تؤدي اضطرابات النوم أيضا إلى عدم حصول البعض على ما يكفي من النوم· ويعد الأرق من أكثر هذه الاضطرابات شيوعاً، إضافة إلى عرَض الساق الدائمة الحركة، وهي حالة عصبية تؤدي أيضا لاضطراب في النوم· ويعاني عدد آخر من الأشخاص من نوبات مفاجئة من النوم العميق، أو المشي أثناء النوم· كما يعاني حوالي 30 مليون أميركي نوعاً من اضطرابات النوم يسمى بعرض انقطاع النفَس أثناء النوم·
يحدث عند من يعانون من عرض انقطاع النفس ارتخاء متقطع لفتحة التنفس عند مؤخرة الحنجرة· وتظهر أعراض هذه الحالة على شكل تكرار مرات التنفس القصير والسطحي، أو صعوبة دخول الهواء إلى الرئتين، مما يسبب تدني مستويات الأوكسجين في الدم مما يدفع المرء إلى الاستيقاظ جزئيا، لاستنشاق الهواء بعمق·
وحول هذه النقطة يعلق الباحث ديمنت بقوله: 'إذا كنت تستيقظ عشرات المرات في الليلة الواحدة نتيجة الشعور بضيق في التنفس، لا بد من استشارة الطبيب'·
وسواء كانت قلة النوم ناتجة عن اضطراب أو لأن شخصا ما لا يحصل على ما يكفي من النوم، فإن انعكاسات ذلك ضارة بالصحة· وللحرمان من النوم أثر سلبي كبير على القدرات الفكرية والإبداعية وعلى مستوى اليقظة· وقد ثبت أن لقلة النوم نتائج سلبية على المهارات اللغوية والقدرة على اتخاذ القرار والذاكرة·
ومن دون ساعات نوم كافية- يقول هنت - نشعر بالنعاس ونفتقد القدرة على التركيز· ذلك أن الحرمان من النوم يؤثر على بعض الأشخاص على شكل تحولات مزاجية لدرجة أنهم يصابون أحيانا بالهلوسة· وجميع تلك الأعراض تؤدي إلى تدني مستوى الإنتاجية·
ويحذر الباحثون من أن الحرمان من النوم كفيل بأن يؤثر حتما على الجهاز المناعي· ويمكن أن يتسبب أيضا في تراجع درجة حرارة الجسم، وتناقص معدل إفراز الهرمونات، وزيادة معدل ضربات القلب وارتفاع ضغط الدم·
وقد أظهرت دراسة أخيرة أن شبابا أخضعوا لبرنامج صارم يقتصر على السماح لهم بالنوم لمدة أربع ساعات في كل ليلة، وعلى مدى ست ليالٍ متتالية قد عانوا من تبدلات في عملية استقلاب السكر· حيث وجد أن نمط الأنسولين المقاوم في أجسامهم مشابه لذلك الذي لوحظ عند كبار السن، ولدى أشخاص في طور الإصابة بالسكري·
وجبة آخر الليل
ويربط باحثون بين الحرمان من النوم والبدانة والسكري، فقلة النوم تؤدي إلى زيادة الشهية، ومن ثم لتناول الطعام في آخر الليل، مما يتسبب في تراجع مستوى النشاط البدني·
فقد لوحظ وجود مستويات عالية من هرمون جيرلين، وهو الهرمون المسؤول عن إثارة الشهية للطعام عند البشر، لدى أشخاص عانوا بانتظام من قلة النوم·
إن المقارنة بين نتائج النوم لساعات كافية لمدة سبع إلى ثماني ساعات في كل ليلة، والنوم لساعات أقل توضح أن خطر الإصابة بالسمنة يزداد بنسبة 23% عند النوم لمدة ست ساعات في الليلة الواحدة، ويرتفع بنسبة 50% عند النوم لمدة خمس ساعات فقط، وتصل النسبة إلى 73% عند النوم لأربعة ساعات وحسب· ولا غرابة بعد كل ما سبق أن توجد علاقة قوية بين قلة النوم وحوادث الطرق· فقد ورد في إحصائية صادرة عن إدارة المرور الآمن على الطرق السريعة، أن السائقين الناعسين يسببون 4% من مجموع الحوادث التي تبلغ مئة إلى مئة وخمسين ألف حادث تصادم للسيارات في الولايات المتحدة·
يقول الباحثون أن معظم الناس لا يدركون شيئا هاما، وهو أن الحرمان من النوم يتراكم بمرور الوقت· وأن الأشخاص الذي لا يحصلون على كفايتهم من النوم ينشؤون ما يعرف باسم (دين النوم)، والذي يمكن التخلص منه عن طريق أخذ قيلولة قصيرة في عطلة نهاية الأسبوع·
ويؤكد ديمنت أن 'معظم الناس يدينون للنوم بدين ثقيل، وهم في حقيقة الأمر غير منتجين ولكنهم لا يدرون ما يعانون منه'·
في سبتمبر من العام الماضي، نشر ديمنت وزملاء له دراسة موثقة حول الآثار المترتبة على تناقص الدين للنوم، حيث 'ظهر تحسن كبير في مجالات الأداء والمزاج والقدرة على التفكير وفي مستويات الطاقة'·

اقرأ أيضا