الاتحاد

دنيا

صندوق الزواج يعيد العينية و المحناية


علي الهنوري:
'هناك مجموعة من المظاهر والموروثات التي اختفت في مجتمع الامارات خلال السنوات الماضية بعد ان كانت من العادات المهمة في الاعراس وهي مظاهر تستحق وقفة لاستذكارها او استرجاع شيء منها ··ومن هذه المظاهر العينية والمحناية· فأصالتنا هي أساس تقدّمنا وأعراسنا القديمة كانت نابضة ومفعمة بالحياة، ففيها العديد من التقاليد الجميلة التي فيها على سبيل المثال: (العينية)، وهي صورة من أرقى صور التكافل الاجتماعي حيث يتعاون أبناء الأسرة والحيّ والقبيلة لإعانة هذا الشاب والتبرع له بغية التيسير عليه في نفقات الزواج وتهدف هذه الأعراس الجماعّية إلى تسليط الضوء على العديد من القيم الموروثة والتعريف بها، فنأمل أن نوفق بإذن الله تعالى وبتكاتف الجميع معنا'·
من هذه الكلمات التي عبر بها سعادة جمال عبيد البح مدير عام مؤسسة صندوق الزواج عن واحدة من مبادرات الصندوق، انطلقت فكرة هذا الموضوع·· قلت لنفسي: هاهم يرفعون شعار (الأصالة والهوية)،ويلتفتون الى مظاهر جميلة في شكلها ومضمونها ودلالاتها بعد أن توارت وراء غلالة خفيفة من مظاهر الحداثة والتطور والمعاصرة··الى آخره· فلم لانتتبع خطوات هذه المبادرة سيما اننا مع بزوغ كلّ فجر جديد نرى ملامح النهضة والتقدم في دولتنا المزدهرة، وبما أن الدول والشعوب تقاس دائماً بمدى تلاحمها مع أبنائها وبما تحققه من إنجازات وطنية ومكتبات تجعل من أبنائها بذرة صالحة وتربة خيرة لغرسٍ طيب فقد كانت واحة الخير الإمارات أرضنا الغناء، أرض المبادرات والمشاريع والأفكار الخلاقة حيث شحذت همم أبنائها إبداعًا وفكراً من خلال المؤسسات ومن خلال أبنائها الذين أطلقوا لفكرهم العنان محلقين في فضاء واسع في سبيل تحقيق معادلة التنمية الشاملة والمستدامة والتي هي محور كلّ تقدم ورفاه للأمم والشعوب·
العينية
وإذ يرفع صندوق الزواج شعار الاصالة والهوية الوطنية بأعراسنا الجماعية فقد كان لابد ان نلتقي احدا ممن عاصروا جانبا من تلك العادات الحميدة فكان لقاؤنا مع: خليفة سيف بن قصمول ليروي لنا فصولا عن عادة من عادات الزواج قديمًا وهي 'العينية': عندما ينوي الشاب الزواج وبعد أن تتم مراسيم الخطبة يذهب والد الشاب إلى أحد المجالس الكبيرة من رجال الحي بعد صلاة العشاء، ويخبر صاحب المجلس بأنّ ولده ينوي الزواج ولكن يده 'قاصرة'، أي انه يحتاج إلى مساعدة وهي ما تسمى بالعينية -ويبدو انها مأخوذة من 'العون' او المعونة والتعاون والاعانة- وفي اليوم الثاني بعد صلاة العشاء يجهز صاحب المجلس صينية (الفالة) ويضيف إليها طبقاً فارغاً، وبعد أن يتجمع رجال الحيّ في مجلسه يدعوهم إلى الفالة ويخبرهم بأنّ فلاناً سوف يزوج ابنه ويده قاصرة والطبق الفارغ إشارة إلى المساعدة، وتبقى هذه الفالة لمدة أسبوع، حيث يبدأ رجال الحي في التوافد على المجلس للتبرعات فمنهم من يتبرع بملغ من المال (200) روبية على سبيل المثال، أو بالطحين أو الرز أو السكر أوالذبائح··· وتقدم هذه العينية لوالد الشاب المقبل على الزواج بطريقة لائقة لاتسبب له حرجا لأن الناس 'أهل'·
ويضيف خليفة بانه يحدد موعد الاحتفال بليلة الزفاف وتحمل هذه المؤونة إلى بيت العروس لسداد مستلزمات العرس، وفي يوم العرس يتوافد الجيران على منزل العروس بقدورهم وأطباقهم ليأخذوا وجبة الغداء من منزل العروس وهي عبارة عن (العيش واللحم) و(الهريس) فقط وفي صباحية العرس يأتي 'الريوق' المكون من الهريس والخبيص والبلاليط والعصيد ويأتي بعد الريوق المدخن ليتبخر العريس بالعود ودهن العود استعداداً لاستقبال التهاني من الأهل والجيران، بزواجه، بعكس عريس اليوم الذي يُصبح وهو يحسب ما دفعه لصالة الأفراح ومستلزمات العرس وما تبقى عليه من الديون·
المحناية
تقول فاطمة بنت مبارك بن عبيد التي عرفت في الايام الخوالي بدرايتها في الحناء وفي تجهيز العروس ليلة الزفاف، فهي المهنة التي احترفتها سابقاً والتي أمضت فيها عشرين عامًا:
كانت العروس قديمًا قبل زواجها بثلاثة أيام تختبئ في غرفتها بعيدا عن عيون الجيران والمقربين إليها، وفي هذه الفترة يتم تجهيز النيل والورس لدهن وجه العروس، وهذا من العادات والتقاليد حتى يعطيها جمالاً وبياضاً بخلاف ما نسمعه اليوم عن تجهيز العروس، وتستعد المحنية في تجهيز الحناء، وهناك حناء مميز يأتى به من الباطنة·
واشارت: كنت أسلق الليمون الأسود بالماء وأعجن به الحناء وأتركه حتى يخمر وبعدها أبدأ بعمل النقوش في يد العروس وفي رجلها، والنقوش المعروفة المتداولة في ذاك 'الوطر' عبارة عن: القصة والبيارج والهلال والنجمة وأستمر أحنيّ العروس على مدى يومين ونقول نوضع الحناء طرقين أي مرتين وفي ليلة الزفاف ينشغل الأهل والأقارب بالفرح وبالفرق الشعبية مثل الرزيف والليوا حيث تبقى العروس مختبئة في غرفتها ولا يستطيع أحد أن يراها ولو خرجت للناس كأنها خرجت عن العادات والتقاليد وملابس العروس ليلة الزفاف عبارة عن: ثوب مريسي وشيلة دورة وتُبخّر هذه الملابس بالعود والعنبر وتعطر بالعطورات العربية مثل المخمرية، أمّا ملابس العروس يوم الصباحية فثوب ميزع وكندورة مخورة، اما الحلي -تقول بنت عبيد- كانت العروس تتجمل بمجموعة من الحلي وهي عبارة عن: الطاسة وتلبس على الراس والمرتعشة والستمي مع الحزام وأبوالشوك، ومن العادات والتقاليد يتعاون الجيران في توفير الحلي للصباحية من عند الشيوخ أو من الناس التجار·
وتصبح العروس في ذاك الوطر من الزمن وكأنها ملكة من جمالها وهي تتجمّل بالعادات والتقاليد وتغنىّ كثير من الشعراء في العروس قائلين:-
لاتنوح يا ورق الحمامي·· تلعي بصوتك أرق العين·· صايحك لي هيض غرامي·· ذكرتني بشي من سنين·· هذا الشعر والجش حامي·· واسرع هداك الله بالحين·· لمولعٍ بالورس شامي·· لبس الكواشي حط فترين·· وحيول واختوم ومرامي·· وحنا انزهى في جف ليدين··
العرسان يطلبون
ومن جهة العرسان، قال الشاب محمد زكريا آل علي: ان الاعراس الجماعية هي بوابة لالغاء الاعراس الخاصة بالرجال والعودة للافراح التي تقام بالماضي والتي يحيها فرق العيالة والرزفة والرزحة حيث المشاهد لها يراها وكأنها تخاطب مرحلة قد مضت من تاريخ الامارات ولكن والحمدلله صندوق الزواج من خلال اقامة الاعراس الجماعية استطاع ان يحيى فكرة العودة للماضي، فضلاً عن انها فرصة للتعرف على اصدقاء جدد يشاركونك في هذه الفرحة الكبيرة، كما ان صندوق الزواج قدم لنا الدورات والمحاضرات الخاصة بالشباب قبل دخوله مرحلة جديدة في حياته الزوجية وهذه الندوات لها صدى طيب واعطتنا فكرة وفرصة جيدة في كيفية معالجة قضايا الاسرة والحياة الزوجية وأضاف آل علي ان عرس الرجال من خلال هذا العرس البهيج قد انتهى ويبقى علينا عرس البناء، لهذا ادعو ان يتم إنشاء صالات أفراح خاصة بالاعراس، كما هو حاصل في امارة أبوظبي، وبذلك سوف تقل ميزانية أعراس النساء، كما سوف يريح شريحة كبيرة من المواطنين في الامارات الشمالية من خلال إقامة مثل هذه الافراح بالصالات الخاصة بالصندوق، أما فيما يتعلق بالمظاهر الخادعة المتمثله في الاسراف فهي متعددة الاوجه فمثلاً بطاقة العرس التي يصل قيمتها 100 درهم هي نفس الكلمات التي توجد داخل بطاقة سعرها لا يتجاوز الدرهمين أي ان الشباب الذي راتبه بسيط لا يرهق ميزانيته في أمور تعتبر تافهة أما المعرس يعقوب يوسف الحمادي، فقال: اغلب الشباب من ذوي الدخل المحدود فلماذا المكابرة اذاً في إقامة أعراس الرجال خاصة ما دامت هناك جهات مسؤولة تتكفل في إقامة أعراس جماعية يسودها الفرح والسرور، وتذكرنا بماضي الأجداد والافراح التي تقام في دولتنا الحبيبة، ومن اجل ذلك كان لابد وان اقتنص فرصة الاعراس الجماعية وهي تخفف العبء من تكاليف العرس وأضاف الحمادي: ولنكن اكثر وضوحاً للأسف الشديد هناك شباب يشاركون في الاعراس الجماعية ويقومون بعد ذلك بإقامة أعراس اخرى للرجال، وهذا ليس منصفا ويمثل استهانة واساءة الى الاعراس الجماعية
وأطالب بإيجاد آلية عمل تكفل منع مثل هذه الاعراس وتحرم الشباب من منحة الزواج، فأنا مثلاً اواجه مشكله مع والدي من اجل العدول عن إقامة عرس اخر للرجال ووالدي يصر ويريد ان تكون لي فرحة خاصة بي اكثر بهاء كما يقول··! هذه رغبة الوالد ومن حقه ولكن الأمور الان اختلفت عن الماضي، فأعراس الرجال تكلف الكثير، وانا حائر بين رغبة الوالد وان لا ارغمه على ان يتكبد مبالغ طائلة في هذه المناسبة وأشار الحمادي: يجب ان ندعو بالرحمة والمغفرة لصاحب الخير الفضيل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمة الله عليه، صاحب فكرة إنشاء صندوق الزواج من أجل ان يرى ابناءه يكونون اسرا متماسكة تحفظ تراث بلدها وأخذ دفة الحديث سلطان العبدلي، وقال: طالما صندوق الزواج بمشاركة الحكومات المحلية تتكفل في إقامة الاعراس الجماعية فلم الاحجام عنها وخاصة وان هذه الاعراس تحظى بمشاركة الفرق الشعبية وبحضور كثيف من الأعيان ومدراء الدوائر وحضور جماهيري كبير فهي فرحة لا تنسى وأضاف العبدلي: يجب على الشباب ان يراعوا أهمية هذه الاعراس وخاصة في الوقت الحاضر الذي تشهده الحياة من غلاء في المعيشة، فلا يوجد ما يحتم على الشخص اللجوء إلى البنوك من أجل إقامة عرس واحد ينتهي خلال ساعات ويبقى القرض سنوات طوال·

اقرأ أيضا