في 16 ديسمبر عام 2006 حققت المرأة الإماراتية إنجازاً تاريخياً حين فازت الدكتورة أمل القبيسي الرئيسة الحالية للمجلس الوطني الاتحادي في الانتخابات التشريعية، وكانت هذه الخطوة إعلاناً عن مرحلة تاريخية جديدة، وإنجازاً نوعياً للمرأة في دولة الإمارات ومنطقة الخليج العربي، حيث كانت الخليجية الأولى التي تصل للبرلمان عبر صناديق الاقتراع. وفي نوفمبر 2015، انتخبها أعضاء المجلس الوطني الاتحادي في الجلسة الإجرائية الأولى من دور الانعقاد العادي الأول من الفصل التشريعي السادس عشر، رئيسة للمجلس، لتكون أول امرأة إماراتية وعربية تترأس مؤسسة برلمانية، وفي 12 ديسمبر 2016، تستضيف أبوظبي القمة العالمية لرئيسات البرلمانات على مدى يومين. هذه المحطات تسجل إنجازات تاريخية بالفعل في مسيرة تمكين المرأة في دولة الإمارات، وأكثر ما يلفت انتباهي فيها، أن وتيرة تحقق تلك الإنجازات تتسارع وتضاهي ما يتحقق على أرض دولتنا الحبيبة من إنجازات في قطاعات ومجالات أخرى، ويكفي الإشارة إلى أن المسافة الزمنية التي تفصل بين وصول المرأة الإماراتية للبرلمان وفوزها برئاسته تبلغ نحو تسع سنوات تقريباً، وهي فترة قصيرة بحسابات الزمن، ووفقاً لمنظور التطور السياسي للأمم والشعوب، حيث احتاجت دول غربية متقدمة عقودا وسنوات طويلة كي ترتقي إلى هذا الإنجاز، الذي يعكس تطور مكانة المرأة في المجتمعات، ويؤكد بالتبعية مدى تجذر مبادئ أساسية مثل التوازن بين الرجل والمرأة في المجتمعات وغير ذلك في الوعي الجمعي للشعوب. ويدرك المتخصصون والباحثون أن مسيرة تمكين المرأة الإماراتية قد حققت هذا التطور النوعي بفعل توافر ظروف وعوامل عدة، في مقدمتها قناعة القيادة الرشيدة منذ تأسيس دولة الاتحاد في الثاني من ديسمبر عام 1971 على يد الوالد المؤسس المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بأهمية دور المرأة وضرورة الاستفادة من قدراتها في دفع عملية التنمية والبناء، واكتسبت هذه القناعة السامية زخماً إضافياً في ظل استمرارية هذا النهج في عهد التمكين، حيث تواصل دعم المرأة الإماراتية من جانب صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، كما اكتسبت بنت الإمارات قوة دفع إضافية بحصولها على مساندة قوية لدورها في مختلف القطاعات والمؤسسات ومجالات العمل من قبل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله. ثمة دعم رئيسي موازٍ لا يقل عن سابقيه، حصلت عليه، ولا تزال، المرأة الإماراتية من جانب سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام الرئيس الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة «أم الإمارات»، فسموها لعبت الدور الأبرز في ما نراه الآن من مكانة متميزة تحظى بتقدير إقليمي وعالمي، بحيث يمكن القول من دون مبالغة أن المرأة الإماراتية محظوظة بوجود سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله، إلى جانبها خلال رحلة بناء الدور والمكانة. تقول سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك في الرسالة التي وجهتها بمناسبة يوم المرأة الإماراتية، في الثامن والعشرين من أغسطس الماضي، «إن المرأة الإماراتية حققت إنجازات مذهلة في كافة مجالات العمل التي مارستها لتعزيز التقدم الحضاري للدولة والمشاركة في بناء نهضتها جنباً إلى جنب مع الرجل»، وتضيف سموها «إن النجاح المبهر الذي تحقق لم يكن وليد الصدفة وإنما سبقته عوامل كثيرة أبرزها التشجيع الكبير للمرأة من القيادة الرشيدة في الدولة والمتابعة المستمرة لخطوات هذا النجاح وإتاحة الفرصة للمرأة لتثبت جدارتها وأخيراً قدرة المرأة الإماراتية على الانطلاق نحو المستقبل واستخدام إمكاناتها وطاقاتها لما يفيد أسرتها ووطنها». حديث سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك ذهب إلى نقطة غاية في الأهمية تعكس جانباً من جوانب تفرد شخصية سموها، إذ أن التأكيد على مقدرة المرأة الإماراتية على الاستفادة مما يتوافر أمامها من فرص، يعكس إبداع القيادة الرشيدة في غرس الثقة في بنت الإمارات، فتوظيف القدرات الذاتية لا يمكن أن يتحقق في كثير من الأحيان سوى من خلال بيئة داعمة لذلك، ومناخ يؤمن بقدرات البشر ويمنحهم طاقة إيجابية يمكن ترجمتها إلى عمل وإنجاز ونجاحات. وللموضوعية أقول، إن أجواء الثقة في قدرات المواطنين لا تقتصر على المرأة في دولة الإمارات، فأي مراقب للشأن الإماراتي يدرك بسهولة أن لدينا قيادة تضع ثقتها كاملة في شعبها، وتعمل على تمكينه في شتى المجالات، والأمر لا يقتصر على تمكين المرأة، بل هناك استراتيجية تمكين مجتمعية متكاملة، فالشباب يتصدرون المشهد في كثير من مواقع العمل والإنتاج وصناعة القرار، بل إن تأهيل الأجيال المقبلة لتحمل المسؤولية ومواصلة مسيرة التطور، تتجلى في سياسات تطوير التعليم وتعزيز مناخ الإبداع والابتكار والتميز والتنافسية، ودعم مؤشرات السعادة، التي تمثل مدخلاً حتمياً لسبر أغوار العلاقة الفريدة بين القيادة الرشيدة والشعب الوفي في دولة الإمارات. التمهيد السابق أراه ضرورياً لفهم الإنجاز النوعي غير المسبوق عالمياً، والذي تستضيفه العاصمة أبوظبي يومي 12,13 المقبلين بانعقاد «القمة العالمية لرئيسات البرلمانات» برعاية كريمة من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الامارات»، إذ أن الإحاطة بأبعاد حدث عالمي بهذا الحجم تتطلب ما يفوق حجم كلمات هذا المقال بالتأكيد، فهذا الحدث الاستثنائي الفريد يعكس مكانة الإمارات وقيمتها لدى شعوب العالم وقياداته، الذين ينظرون بتقدير وإعجاب شديد إلى تجربتنا التنموية، والكل يحاول استكشاف أسرار نهضتنا، ناهيك عن الإعجاب بقدرة الإمارات على بناء حالة رائعة من التوازن ليس فقط بين الأصالة والمعاصرة، بل بالتوفيق بين ماضٍ أصيل وموروث عريق من القيم والتقاليد والعادات، ومستقبل يمضي بوتيرة بالغة التسارع، ويفرض على العالم أجمع تحديات جمة في المجالات السياسية والاقتصادية والبيئية والعلمية وغيرها. هذه التحديات وكيف يمكن التعامل معها واقتناص ما يوفره التطور الإنساني من فرص ثمينة، هو جوهر نقاشات هذه القمة، وهو أيضاً درس مستفاد من النموذج الإماراتي، الذي نجح في ابتكار الوسائل اللازمة للانتقال إلى المستقبل، والتطلع إلى منافسة الكبار من خلال رؤية الإمارات 2021. هي قمة استثنائية غير مسبوقة من دون شك، وتنطلق أجندتها من أهداف عالمية في مجالات التنمية كافة، والمستقبل هو شاغلها الأساسي، وهذا ما يضفي على هذه القمة أهمية شديدة، فالإمارات لا ترى العالم سوى بنظرة تشاركية تعاونية توحد ولا تشتت، تجمع ولا تفرق، فنحن أكثر من يؤمن بالوحدة والاتحاد في هذا العالم انطلاقاً من تجربتنا وموروثا الحضاري الفريد. شخصياً، أشعر بفخر شديد كوني مواطنة إماراتية ترى التاريخ يكتب على أرض بلادها، ومستقبل العالم يصاغ في ربوعها، وترى عظم مكانة بلادها في عيون قيادات برلمانات العالم وساسته ورموزه في مختلف المجالات، فالإمارات باتت قبلة العالم وبوصلة المستقبل، وهذا الأمر يفرض علينا مزيداً من المسؤوليات ويحتاج إلى مزيد من العمل.