الاتحاد

تقارير

حرب ليبيا... هل تتجنب السيناريو البلقاني؟

في الآونة الأخيرة، وبعد أن كنت أتابع أخبار وتطورات المعركة الحامية في تلك المدينة المكلومة، رأيتُ صورة للشارع الرئيسي في مدينة مصراتة الليبية، ولم أستطع مقاومة التفكير في مدى شبهه بشارع آخر في مدينة أخرى مرت بتجربة مماثلة، ألا وهي مدينة ساراييفو بالبوسنة. أما الشارع فقد أطلق عليه البوسنيون اسم "شارع القناصة". قلتُ في نفسي: هذا فيلم سبق أن شاهدته من قبل، ولا يمكن أن يكون أمراً راهناً ينتمي إلى الواقع. والحقيقة أنه لم يسبق لي أن زرت ليبيا، لكنني عشت في كرواتيا والبوسنة وكوسوفو خلال سنوات الحرب العصيبة التي مرت على تلك الجمهوريات اليوغسلافية السابقة في تسعينيات القرن الماضي.
في ساراييفو على سبيل المثال، لم تكن لدينا تدفئة، ولا كهرباء، ولا نظام بريدي، ولا بنوك، ولا خدمة لجمع القمامة، ولا أضواء إشارات المرور، ولا مواصلات عامة، ولا تذاكر لوقوف السيارات (لحسن الحظ!). ورغم أن المدينة تقع في منطقة جبلية حيث تتساقط الثلوج بكثافة وتكسو المكان بياضاً، إلا أنه لم يسبق لي أن رأيت مجرفة ثلوج، أو شاحنة ملح، أو كيس رمل... أو بالأحرى أهم ما تحتاجه مدينة أوروبية في مثل تلك الظروف المناخية الصعبة. غير أنه كان لدينا بالمقابل قناصة سدادون، ومغتصبون حيوانيون، وقتلة يعدمون الناس بدم بارد، وزعماء حرب بلا قلوب ولا عواطف. ولست أدري كيف كان الأمر يبدو على قناة "سي، إن، إن" بالنسبة لمن يتابعونها في ذلك الوقت، لكن الوضع كان جنونياً على الأرض إلى حد لا يطاق، بل لا يمكن تخيله بالنسبة للكثيرين.
وقد استمرت الحروب في يوغسلافيا السابقة لوقت طويل جداً، وكانت تكلفتها باهظة، سواء من حيث الأرواح والممتلكات، أو من حيث الاستقرار النفسي للأشخاص. وإذا كان يراد لليبيا أن تتجنب مصيراً مماثلاً لذلك الذي ذاقته يوغسلافيا السابقة، فإن الأمر يتطلب أكثر من ضربات جوية من قبل "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) أو من دبلوماسية دولية باردة وبطيئة تصل متأخرة بعد فوات الأوان.
إن اقتلاع ديكتاتور رسخ جذوره على مدى أربعة عقود وامتلك الكثير من الوسائل لتثبيت نفسه، عمل يتطلب عدة شروط مهمة، لعل أهمها على الإطلاق هي الموارد العسكرية والمالية. فالعديد من الناس يرجعون الفضل في إعادة السلام إلى البوسنة إلى الدبلوماسية الأميركية وما قامت به من ضغوط على مختلف الفرقاء، لكن الحقيقة هي أن الصرب لم يكونوا مستعدين لعقد اتفاق سلام حتى بدأت قواتهم العسكرية تتكبد خسائر كبيرة على أيدي القوات الكرواتية والبوسنية المسلمة، والتي اكتسبت قوة ونشاطاً كبيرين من خلال الأسلحة والتدريبات التي كانت تفتقر إليها هذه القوات في بداية الحرب. وبالتالي، فعلى رغم من أن ضربات "الناتو" الجوية، وقد بلغ عددها إلى الآن نحو ألف ضربة، هي عمل أساسي لتنحية العقيد القذافي، إلا أن الثوار الليبيين، والمعروفين رسمياً باسم "المجلس الوطني الانتقالي"، يجب أن يكونوا قادرين على تحدي قوات النظام بشكل أكثر إقناعاً وفاعلية وحضوراً على ساحة المعركة وفي جبهاتها المختلفة. وهذا بطبيعة الحال هدف مهم يتطلب قبل كل شيء توافر المال الكافي، وهو لحسن الحظ ما تتوافر عليه ليبيا بمليارات الدولارات، وذلك بفضل الاحتياطات الضخمة التي تملكها من النفط، والتي كان القذافي وأبناؤه يتحكمون في توجيهها وإيداعها في بنوك وصناديق تتخذ لها من الدول الغربية مقرات. غير أنه من سوء حظ "المجلس الوطني الانتقالي" أن هذه الممتلكات والأموال الليبية مجمدة نتيجة قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، وكان ذلك بدفع الحيلولة دون تمكين القذافي منها حتى لا يستخدمها في تمويل حربها التي اعتبرها المجتمع الدولي حرباً ضد الشعب الليبي ذاته. كذلك قرر مجلس الأمن الدولي حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا منعاً للطرفين من التسلح. وهو ما يذكّرنا بالقرار الذي كان يفرض حظراً للأسلحة على "كل الأطراف" في حرب البوسنة، بمن في ذلك الضحايا! لذلك، يجب ألا يُسمح للتاريخ بأن يعيد نفسه مرة أخرى. فالهدف الأساسي للقرار الأممي كان هو حرمان القذافي من الأموال والأسلحة، وقد حان الأوان لكي تضغط الولايات المتحدة وحلفاؤها في مجلس الأمن الدولي من أجل رفع العقوبات غير المبررة عن المجلس الوطني الانتقالي.
وإن تعذر الاتفاق على ذلك داخل الأمم المتحدة، فلا بد من القيام به عملياً وفي كل الأحوال، ذلك لأن سياسة الولايات المتحدة الخارجية يجب ألا تكون رهينة للأشخاص الذين قد ينحازون إلى ديكتاتور يقتل شعبه ويشن حرباً معلنة ضد المدن والأحياء السكنية.
ومن جانبه، يستطيع "المجلس الوطني الانتقالي" استعمال الأموال الليبية في الخارج لدفع الرواتب الحكومية، وتسيير شؤون الإدارة والخدمات العمومية، ولتوفير المساعدات الإنسانية والطبية، والشروع في إعادة الإعمار من الآن، وبث الحياة في الاقتصاد الوطني الذي هدمته هذه الحرب.
وإضافة إلى ذلك، ينبغي أيضاً أن يشرح المجلس لأنصار القذافي أنهم يقفون على الجانب الخاسر من التاريخ وأنه عليهم بالتالي تصحيح الموقف قبل فوات الأوان. كما ينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها فرض حظر شامل للسفر وتجميد للأموال والممتلكات، إضافة إلى العمل على إرباك وتشويش نظام الاتصالات التابع للقذافي وقواته وأجهزة أمنه، علاوة على ضرورة الاستمرار في الضربات الجوية التي لا تخفى أهميتها على أحد. وبالتوازي مع ذلك، من المهم والأساسي تقديم حوافز وتطمينات لأنصار القذافي حتى يشجعهم ذلك أن يغيروا ولاءهم له. كما ينبغي أن نعترف اعترافاً دبلوماسياً كاملاً بالمجلس الوطني الانتقالي كمثل شرعي ووحيد لليبيا، وأن نقدم مساعدة اقتصادية للمناطق التي يسيطر عليها الثوار ممثلين في المجلس الانتقالي، وأن نرفع الحظر على السفر، وكذلك إلغاء التجميد المفروض على الأموال والممتلكات الشخصية، في الحالات المناسبة، وأقصد بالنسبة للأشخاص الذين ينشقون عن نظام القذافي وينضمون للمعارضة المسلحة.
ومن جانبه، يتعين على المجلس الوطني الانتقالي أن يعفو عن الأشخاص الذين كانوا جزءاً من الجهاز الحكومي ولم يكونوا مسؤولين مباشرة عن ارتكاب جرائم كبيرة وانتهاكات صارخة للقانون الدولي. كما ينبغي تسخير القوة الكاملة لوسائل الإعلام الاجتماعي من أجل حشد الدعم لليبيا مزدهرة تنعم بالرخاء، وبدولة تقوم على نظام المؤسسات حكم القانون، وليس على الانتماء القبلي أو الجهوي.
وأخيراً، ربما يتعين على الولايات المتحدة وحلفائها دعم التأسيس الفوري لبعثة دولية قوية لحفظ السلام تقودها الأمم المتحدة في المناطق الخاضعة للمجلس الوطني الانتقالي. ويجب على هذه البعثة أن تقدم العون لليبيين في حقول المساعدات الإنسانية والأمنية، والخبرات التقنية في مجالات مثل حكم القانون، والإصلاح السياسي والدستوري، وتطوير إعلام حر ومجتمع مدني. ومن المهم كذلك، أن توكل لهذه البعثة الأممية مهام قابلة للتحقيق وموارد مناسبة لحجم المهمة، وهو ما كنا -للأسف الشديد- نفتقر إليه في البوسنة.
وفي نهاية المطاف، سيكون بالتأكيد على القذافي أن يرحل نهائياً. فهو الذي أصبح مطلوباً لدى المحكمة الجنائية الدولية مؤخراً عندما وجهت إليه، هو ونجله سيف الإسلام وعديله (مدير مخابراته) عبدالله السنوسي، تهمة القيام بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. والواقع أنه طالما ظل القذافي في السلطة، فستبقى هناك دائما ًإمكانية قوية لحدوث مزيد من المعاناة غير الضرورية للشعب الليبي الذي ذاق على يديه الأمرَّين.
إن أحد الدروس الكثيرة التي تعلمتها من الحرب في البوسنة، أنه عندما تبدأ الحروب، فإنه قد يكون من الصعوبة بمكان إخمادها، سواء على الأرض أو في نفوس الناس. وقد مرت اثنتا عشرة سنة منذ أن وضعت آخر الحروب في يوغسلافيا السابقة أوزارها؛ ومع ذلك، فإنه لا يمر علي يوم دون أن أتذكر أو أفكر في ما حدث خلال تلك الحرب المأساوية. غير أنني تعلمت أن القيادة المصممة والقائمة على مبادئ يمكن أن تحدث فرقاً بين مرحلتي الحرب وما بعدها. والأكيد أن الشعب الليبي ليس مضطراً لأن يعيش المصير المر ذاته الذي عاشه ملايين الناس في البلقان من قبل وأصبح أمثولة في تاريخ الحروب والمآسي الإنسانية المؤلمة.

كيلي مور
المتحدثة الرسمية السابقة باسم البعثة الأممية لحفظ السلام في البوسنة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا