الاتحاد

دنيا

الخصوبة في خطر والعقم أكذوبة


صلاح الحفناوي:
في بداية حديثه يعترض البروفيسور محمد خليل وفا أستاذ أمراض النساء ورئيس مركز أبوظبي لمساعدة الإخصاب في مستشفى النور على وصف كل حالة تأخر إنجاب أو اضطراب في التبويض أو أي مشكلة نسائية أخرى تؤخر حلم الأمومة بالعقم·· ويقول ان وصف العقم كان سائدا في الماضي لان معظم الأمراض النسائية التي تعوق الإنجاب لم تكن معروفة أو لم يكن لها علاج·· اليوم اختلفت الصورة تماما وأصبح الاستثناء المحدود جدا هو الحالات الخلقية التي ليس لها علاج·· ويقول ان أهم ما يميز التطور المذهل في علاج مشاكل عدم الإنجاب هو أنها تتعامل مع مشاكل الزوجين معا·· ولاول مرة أصبح لدينا تقنيات تعالج مشاكل عدم الإنجاب سواء كان مصدرها الزوج أو الزوجة·
البدانة والسفر
والحديث عن تأخر أو عدم الإنجاب يقودنا إلى حقيقة أخرى لا تقل أهمية وهي أن المسؤولية عن ذلك متساوية بين الرجل والمرأة، وأي حديث عن تراجع الخصوبة أو انخفاض معدلات الإنجاب يجب أن يتناول الطرفين معا، ويبقى بعد ذلك أن تراجع الخصوبة أو تراجع معدلات الإنجاب حقيقة واقعة أكدها العديد من الدراسات العلمية، وأسباب ذلك أصبحت معروفة ولا تخفى على أحد وتنتظمها قائمة طويلة، ومنها على سبيل المثال ارتفاع سن الزواج أو تأخر الزواج، وهي الظاهرة التي أصبحت منتشرة جدا في معظم المجتمعات العربية بشكل عام وبدأت تنتشر في المجتمعات الخليجية مؤخرا، والمعروف أن خصوبة المرأة تتراجع مع التقدم في العمر، وقد أثبتت دراسات حديثة أن خصوبة الرجل أيضا تتراجع لنفس السبب·
وتشمل الأسباب كذلك الانتشار الوبائي للبدانة المفرطة، وأسباب ذلك عديدة، وفي مقدمتها التحولات غير الصحية في السلوك الغذائي، مثل الاعتماد المتزايد على الوجبات السريعة، وتشمل أيضا تزايد معدلات التدخين، والعلاقة بين تأخر أو عدم الإنجاب وبين التدخين أصبحت مؤكدة، وتزايد معدلات التلوث الأخرى والذي طال كل شيء حتى الطعام الذي نأكله، فمعظم ما نأكله من أطعمة مستوردة لا نعرف كيفية معالجتها كيمائيا· ومن الأسباب أو العوامل المساعدة كذلك سهولة السفر والانتقال بين البلدان، مما أدى إلى الإصابة بالتهابات وأمراض لا تستطيع المناعة الطبيعية التعامل معها·
يضيف البروفيسور محمد خليل وفا: قبل أن نتطرق إلى أسباب تأخر الإنجاب أو عدم الإنجاب بين النساء الخليجيات، نشير إلى أن أسباب عدم القدرة على الإنجاب عند الذكور تتركز في انخفاض عدد الحيوانات المنوية أو ضعف حركتها، وقد يصل الأمر إلى حد انعدام الحيوانات المنوية في السائل المنوي تماما، وحاليا يوجد علاج فعال لمواجهة هذه النوعية من المشاكل، وعلى سبيل المثال فقبل 12 عاما تقريبا لم يكن هناك علاج سوى لحوالي 13 بالمائة من حالات ضعف الخصوبة أو انعدام الخصوبة الذكري، أما الان فان اتباع تقنيات مساعدة الإخصاب، المعروفة شيوعا بتقنيات أطفال الأنابيب، وبعد ظهور تقنية الحقن المجهري العميق والتي يتم فيها حقن حيوان منوي واحد قرب نواة البويضة، أنهى ما كان البعض يطلق عليه مجازا العقم الذكري، وأصبحت الحالة الوحيدة التي ليس لها علاج حاليا هي عدم وجود حيوانات منوية في السائل المنوي أو في البربخ أو حتى في الخصية، بسبب التليف الكامل للخصية أو لأسباب جينية، وهي حالة نادرة جدا، ولا تمثل مشكلة ذات أهمية إحصائية·
وننتقل إلى المرأة، وسوف نركز في حديثنا على المرأة الخليجية، فقد لوحظ ارتفاع معدلات عدم انتظام التبويض أو اضطراب التبويض بين النساء في منطقة الخليج، بسبب تزايد معدلات الإصابة بما نسميه مرض تعدد الأكياس على المبيض أو تكيس المبايض حسب الوصف الشائع، ومن الحقائق التي أثارت انتباه ودهشة العلماء في الكثير من المؤتمرات الطبية العالمية التي تتناول قضايا الخصوبة والإنجاب، أن معدلات انتشار هذه الحالة المرضية في الإمارات ودول الخليج الأخرى تزيد بحوالي الضعفين أو الثلاثة أضعاف على معدلات الإصابة في المناطق الأخرى من العالم· ومرض تكيس المبايض يظهر بدرجات متفاوتة، وفي أغلب الحالات يكون مصحوبا بزيادة في ظهور الشعر غير المرغوب عند المرأة المصابة، أو ما يعرف بالشعرانية وخاصة في الوجه، وظهور حبيبات أو بثور تشبه في مظهرها الخارجي حبيبات حب الشباب، مع البدانة بدرجات متفاوتة، وأحيانا مع انقطاع الطمث، وان كان ذلك ليس شرطا في جميع الحالات·
البطانة المهاجرة
وهناك أيضا تزايد الضغوط النفسية التي يتعرض لها البشر بشكل عام والمرأة بشكل خاص في حياتنا المعاصرة، وهو ما أدى إلى زيادة معدلات الإصابة بمرض انتشار بطانة الرحم أو 'إندو ميتريوزيس'· وقد يبدو غريبا أن نربط بين الحالة النفسية وبطانة الرحم، ولكن النظرة المتأملة لما يحدث خلال الدورة الشهرية توضح هذه العلاقة، فخلال الدورة الشهرية يتم التخلص من بطانة الرحم عن طريق آلية تعتمد على ارتخاء عنق الرحم، وانقباض الرحم نفسه، هذا ما يحدث في الأحوال الطبيعية، ولكن في حالات الشد العصبي الشديد، يحدث العكس، وهو ما قد يؤدي إلى دفع البطانة الرحمية عن طريق الأنابيب أو قنوات فالوب إلى الحوض والمبايض، أو إلى أماكن أخرى من الجسم، فتستقر فيها، وتسلك نفس سلوك بطانة الرحم خلال الدورة الطمثية الشهرية، وهكذا تتعرض المرأة خلال الدورات الشهرية المتعاقبة إلى نزف في هذه الترسبات، وبما انه لا يوجد منفذ لخروج النزف خارج الجسم فان الجسم يتفاعل معه بالالتصاقات الأمر الذي يؤدي إلى آلام شديدة خلال الدورة وخلال اللقاء الزوجي، ويؤدي أيضا إلى عدم الحمل·
طلقات الليزر
يضيف البروفيسور وفا: حتى وقت قريب كان علاج هذه الحالة يتم عن طريق استخدام أدوية هرمونية لمنع الدورة الشهرية لمدة سنة وبالتالي منع الحمل طوال هذه المدة، ولكن هذه الطريقة تغيرت جذريا لمساعدة الراغبات في الحمل من المصابات بانتشار البطانة الرحمية، حيث يتم العلاج الحديث عن طريق تدخل جراحي باستخدام المنظار لحرق هذه الترسبات الشاردة من الرحم وتسليك الالتصاقات، وأفضل طريقة لذلك هي تلك التي تستخدم أشعة الليزر، حيث تتميز بدقتها الفائقة في التخلص من الترسبات التي تكون في أغلب الحالات في أماكن حساسة جدا مثل الحالب والمستقيم وما شابه·
وإذا لم يتم الحمل خلال 4 إلى 6 شهور بعد العلاج بالمنظار وأشعة الليزر، ينصح باللجوء على تقنيات مساعدة الإخصاب المعروفة شيوعا بتقنية أطفال الأنابيب·
ومن العوامل المؤثرة على خصوبة النساء كذلك التهابات الحوض الحادة والمزمنة، وقد لوحظ مؤخرا ازدياد معدلات الإصابة بهذه الأمراض الالتهابية التناسلية بشكل كبير بين النساء، ولذلك ننصح كل سيدة دائما بالتوجه إلى الطبيب النسائي فور شعورها بأي أعراض غير طبيعية حتى ولو كانت من وجهة نظرها بسيطة، مثل الألم أو الحرارة أو الإفرازات المهبلية، حتى يتم عمل مزرعة ميكروبية لمعرفة نوع الميكروب المسبب للالتهاب وتحديد المضاد الحيوي المناسب للقضاء عليه، ومن المهم في هذه الحالة إكمال البرنامج العلاجي حسب وصف الطبيب حتى بعد حدوث تحسن ظاهر واختفاء الأعراض، حيث انه من الملاحظ أن الكثير من السيدات يتوقفن عن تناول المضاد الحيوي الموصوف لهن فور الشعور بالتحسن، وهو ما قد يؤدي إلى تحول الالتهاب من الطور الحاد إلى الطور المزمن الذي يصعب علاجه، وقد يؤدي إلى حدوث التصاقات في الأنابيب وفي الحوض، والقاعدة الذهبية للتغلب على كل ذلك هي العلاج الجيد والفعال جدا للالتهابات الحادة والتأكد عن طريق الفحوص المختبرية من تمام الشفاء لتجنب الكثير من المضاعفات التي قد تحدث تأثيرا دائما على القدرة الإنجابية للمرأة·
وينصح الدكتور محمد خليل وفا السيدات اللاتي لم ينجبن عددا مناسبا من الأطفال، أي اللائي يحاولن زيادة الفاصل الزمني بين إنجاب طفل وآخر، بعدم استخدام موانع الحمل الداخلية أو الموضعية في الرحم، مثل اللولب وما شابهه، حيث أن هذه التركيبات تساعد على حدوث التهابات الحوض وقد يؤدي ذلك إلى مشاكل تعوق الحمل وتتطلب علاجا طويلا وصعبا·
ومن النصائح المهمة كذلك ضرورة إجراء عملية تنظيف بعد أي سقوط لحمل بدائي 'إجهاض' خلال شهرين إلى ثلاثة شهور من الحمل مثلا، والهدف من ذلك منع حدوث التهابات في الحوض·
وآخر نصيحة هي عدم التسرع بعمل أشعة ملونة على الأنابيب وعند الحاجة إلى ذلك يجب إجراء هذا النوع من الفحص في مركز متخصص عالي المستوى ويتمتع بخبرة كافية في هذا المجال، لان عدم توفر هذه الاشتراطات قد يعرض السيدة لالتهابات شديدة تؤثر على قدرتها الإنجابية إذا لم تعالج في وقت مبكر·

اقرأ أيضا