الاتحاد

دنيا

السدو·· فن البدويات الساحر

دبي - محمد الصدفي:
تعتبر (حياكة الصوف) أحد أقدم الحرف التقليدية في شبه الجزيرة العربية، تلك الحرفة التي تعطي صورة صادقة عن جهود الإنسان للتكيف مع بيئته الصحراوية وحسن استغلال مواردها الطبيعية وتطويعها لصالحه·
وباعتباره فنا نسويا، عبّرت المرأة في البادية - من خلال فن السدو - عن تقاليد فنية عريقة ومواهب يدوية فائقة، حيث جرى العُرف ان تبدأ الفتاة البدوية بمزاولة الحرفة منذ نعومة اظفارها، فتعمل في مساعدة امها في الغَزْل والصباغة وحياكة اجزاء بيت الشعر (الفلجان)·
وعند بلوغها السادسة عشر، غالبا ما تكون قد تعلمت حياكة اغلب النقوش، باستثناء النقوش الصعبة مقل نقشة (الشجرة) التي تتطلب جهداً وممارسة فائقة، ويطلق على المرأة الماهرة في الحياكة (الظفرة) أي الفائزة وتحظى بتقدير واعجاب من جماعتها·
وعادة ما كانت النساء يقمن بغزل الصوف الذي يقوم الرجال بجزه أواخر فصل الربيع· وعند استقرار القبيلة عادة في فصل الصيف، تبدأ النساء بالسدو والحياكة مستخدمات في ذلك نولا افقيا بسيطا يسهل تركيبه ونقله·
السدو·· لغوياً
ومثلما يطلق اهل البادية كلمة (السدو) على عملية حياكة الصوف يطلقونها على النول نفسه·
و(السدو) في لسان العرب لابن منظور (681 هـ - 1282م) تعني مَّد نحو الشيء كما تسدو الابل في سيرها بايديها، وكما يسدو الاطفال اذا لعبوا بالجوز فرموا به·
والسدو يعني ايضاً ركوب الرأس في السير كما يكون في الابل والخيل، ويقال سدا سدو كذا، اي نحا نحوه·
ويقول ابن بري في الكتاب نفسه ان السدو يعني (السير اللين)، وقبله ذكر الجوهري في كتاب الصحاح (سَدَتّ الناقة تسدو) وهو تذرعها في المشي واتساع خطوها·
والسدو المعروف خلاف لحمة الثوب، وقيل اسفله وقيل ما مُدَّ منه·
والسدو بمعناها اللغوي الواسع في عرف البدو من خيوط الصوف بشكل افقي، وحياكتها بصور وأشكال ومعاني مستوحاة من البيئة الصحراوية وتراث البادية·
فنون أخرى
واذا كان نظم الشعر هو أهم ظاهرة ثقافية عرفت عن أهل البادية، فإن ما نراه من منسوجات فنية بدوية دليل على وجود فنون يومية تقليدية ووسائط فنية عبرت من خلالها المرأة البدوية عن حسها الفني وطاقاتها الابداعية·
ويؤكد العلامة ابن خلدون على استفادة أهل البادية من الصوف في الحياكة منذ القدم، ووصفهم بأنهم (يتخذون البيوت من الشَعْر والوبر)·
ورغم ان اصل الحياكة يعود إلى آلاف السنين، إلا انه يصعب العثور على قطع من المنسوجات (البدوية يرجع عمرها إلى ما قبل القرن التاسع عشر) كون البدو لا يحفظون منسوجاتهم، ويتخلصون منها بعد الاستعمال كاحتياجات متجددة·
وتتميز البداوة بعادات وتقاليد أملتها طبيعة بيئتهم 'الصحراء'، وهي نمط معيشي يعكس كفاح الإنسان للتأقلم مع البيئة القاسية والانتفاع بما تجود به·
فمسكن البدوي بيت شَعْر مصنوع من شعر الماعز وصوف اغنامه، وغذاؤه من حليب ولحوم قطيعه· وتمثل الخيمة - أو بيت الشعر - الملجأ الواقي الذي يرتاح فيه من عناء حياته القاسية، ويمتع نظره بالمنسوجات الزاهية بألوانها ونقوشها الجميلة، ووفقا لدراسة رونا كرايتن حول الاساليب الفنية للحياكة البدوية (السدو)، ترجمة د· عزة كرارة، فإن مكانة صاحب البيت تتحدد وفقا لحجم بيت الشعر وما يحويه من منسوجات·
ولكون حياة التنقل تتطلب البساطة والخفة في الحركة، اعتاد بعض القبائل - مثل قبيلة العريب دار - ترك بعض منسوجاتهم وحاجياتهم الثقيلة لدى اشخاص يأتمنونهم خلال فترة تنقلهم في الصحراء وراء المراعي·
ألوان صارخة
وكرد فعل على صرامة البيئة الصحراوية، تستعمل المرأة البدوية الألوان الصارخة كالاحمر والبرتقالي في منسوجاتها، وهي بذلك تعكس حساً فنياً وذوقاً جمالياً فطرياً·
وقبل شيوع الاصباغ الكيماوية، كانت نساء البادية تستعين ببعض النباتات الصحراوية في تلوين الاصواف مثل العرجون، وهو نبات بري حولي يعطي لونا برتقالياً مائلاً إلى الاصفر·
وكن يستعملن - لتثبيت اللون - الشب والفوه واللومي·
وتضيف المرأة في البادية الكثير من اللمسات الجمالية إلى منسوجاتها، مثل المزاود والخروج والقواطع، وتزينها بالدرز والكراكيش والجدائل الملونة أو بالودع والجلود·
وعُرف عن البدو اهتمامهم بتزيين جيادهم وأباعرهم واضافة الكثير من العناصر الجمالية لادواتهم النفعية، تنفيذا لقول رسول البرية صلى الله عليه وسلم (الله جميل يحب الجمال) وما ورد في قوله تعالى بسورة النحل (والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون)·
وترتكز أهم النقوش المستعملة على أشكال هندسية، تعتمد على مبدأ التناسب والانتظام، تأثراً بالتناسق العام للجسد الإنساني، وبالتكرار المنتظم في الطبيعة مثل تعاقب الليل والنهار وتوالي الفصول، وفي امتداد افق السهول والرمال·
ويتجلى ذلك في الحياكة اليدوية في الخطوط الافقية المتوازية المميزة لنقوش السدو، الحاوية لاشكال هندسية مبسطة، تظهر -غالباً- في صورة مثلثات أو نقاط أو هرميات صغيرة متكررة·
المثلث·· للترقيم والحماية
ويعرف على شكل في نقوش الحياكة اليدوية باسم خاص، وله معان ورموز تقليدية·· فالمثلث - مثلا - من الاشكال المألوفة في نقوش السدو، وقد استخدم في تشكيل كثير من النقوش مثل (العويرجان) و(الشنف) و(الرقم)·
ووفقا للدكتور عفيف بهنسي، فإن (المثلث) في الفكر الإسلامي يمثل (السمو والعلا) وتكرار المثلثات يعني التسبيح بذكر الله·
وفي النسيج البدوي يعرف الشكل المثلث (بالرقم) نسبة إلى عملية عد الغُرز·
ويشتهر بدو الشمال في العراق بحياكة البُسط الحاوية لنقوش الرقم، وتعرف في الكويت بالرقم أو بساط حنبلي· وفي الأردن يعرف الشكل المثلث بالرقم أو (الحجاب)، وهو من النقوش المميزة للحياكة البدوية لديهم· وتطلق تسمية (الحجاب) على الشكل المثلث لدى النوبيين في جنوب مصر ويستعمل في كثير من منسوجاتهم اليدوية·
ويرمز شكل المثلث في كثير من المعتقدات بالحماية، ما قد يفسر تسمته لدى بعض القبائل البدوية بالحجاب·
ورغم جهل كثير من الناسجات البدويات معاني تلك النقوش وأصولها، فقد واصلن نقلها وحياكتها جيلاً بعد جيل معتمدات على قوة الذاكرة وأصالة التراث·
نقشة الشجرة
واذا كان (السدو) فنا تقليديا قبليا يعكس تنوع وثراء اللون والتصميم والاسلوب، فإن نقشة (الشجرة) تعد من أجمل نقوش منسوجات السدو وأشدها تعقيداً·
وهي عبارة عن مساحة بيضاء سداها من خيوط القطن، تبرز فيها نقوش دقيقة سوداء - غالباً - تأخذ اشكالاً رمزية تختلف عن باقي النقوش البدوية بتلقائيتها وتنوعها·· إذ من خلال هذه النقشة تستطيع البدوية الناسجة التعبير عن مهاراتها الذاتية وذوقها الغني الخاص لما يحيط حولها من طبيعة·· ساق نبتة كانت أم حبة رمل أو حيوان·

اقرأ أيضا