الاتحاد

ثقافة

أحمد الأمير يقرأ علاقة السياق اللغوي في إنتاج الدلالة والمعنى

أحمد الأمير (يمين) وسالم بوجمهور خلال الأمسية

أحمد الأمير (يمين) وسالم بوجمهور خلال الأمسية

نظَّمت جماعة الأدب في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي الأربعاء الماضي في مقر الاتحاد بالمسرح الوطني بأبوظبي أمسية نقدية تحت عنوان “دور السياق في توجيه الدلالة” للباحث والأكاديمي المصري أحمد الأمير، حضرها عدد من الأدباء والمثقفين والمهتمين بالشأن اللغوي والنقدي.
وفي تقديمه للمحاضر الأمير، قال الشاعر سالم بو جمهور مسؤول جماعة الأدب “إن موضوع السياق اللغوي من الأهمية التي تجعلنا ندرس تشكلاته في الكلام، لكونه أحد أهم الأمور التي شغلت الفكر اللغوي العربي منذ عصور طويلة، كما أنه شاغل الفكر الأوروبي والذي استطاع أن ينظر له ويقعده في قوانين ثابتة، إلا أنه ظل يخضع للجدل باستمرار”.
وأشار بو جمهور إلى ضرورة فهم معنى السياق، وتساءل: هل هو نظم أو نسق أو شكل لغوي تعاقبي، وكذلك مفهوم الدلالة ومدى ارتباطها بالسياق، وهل نجدهما في اللفظة أم الجملة أم في كليهما.
وتحدث بو جمهور عن إنجازات الدكتور أحمد الأمير العلمية خاصة في إسهاماته المعرفية من خلال كتبه لكونه أستاذاً تخرج في كلية دار العلوم في جامعة المينيا في مصر ومارس التدريس في جامعة الإمارات في العين، ويعمل الآن في التعليم بأبوظبي، وله من المؤلفات “أساليب الأمر والنهي في صحيح البخاري”، و”شرح شواهد المفصل للشريف الجراني”، وله من البحوث المحكمة “الجملة الأحادية في القرآن الكريم”، و”الآخر في شعر أبي الطيب المتنبي” وغيرها الكثير.
واستهل الدكتور أحمد الأمير محاضرته بنص للزمخشري على سبيل الاستشهاد في إطار معنى السياق الذي يقول فيه في كتابه “أساس البلاغة” إن السياق جزء من المجاز، وهو يسوق الحديث أحسن سياق وإليك سياق الحديث وهذا الحديث ساق إلى كذا وجئتك بالحديث عن سوقه أي سرده “كما ورد عند الزمخشري”.
ويبدو أن مفهوم السياق هنا يتصل بالكلام “الحديث” الذي هو جمع من الجمل المتعاقبة التي يربطها سياق واحد.
كما يعرف الدكتور الأمير مفهوم الدلالة التي يقول فيها “يعرفها القدماء بمفهومها الحديث أيضاً، حيث يقول فيها الراغب الأصفهاني.. الدلالة ما يتوصل به إلى معرفة الشيء كدلالة الألفاظ على المعنى، ودلالة الإشارة والرموز والكتابة.
ويقول الأمير “والسياق قد يكون لغوياً في كل ما يحيط بالنص من جمل وتراكيب قبله وبعده، كما يكون غير لغوي، ويشمل الموقف الذي قيل فيه وقائله والمخاطب به، بل يمتد ليشمل ثقافة القائل والظروف التاريخية والجغرافية المحيطة بالنص”.
ثم يقرأ الباحث مفاهيم العلماء اللغويين الغربيين ومنهم “دي سوسير” في اللغة والسياق والدلالة وعلاقة الدال بالمدلول أو الألفاظ بالمعاني كما يقول الباحث.
ويرى الباحث أن فكرة التأليف بين اللفظ والمعنى وعدم الفصل بينهما واعتبارهما شيئاً واحداً متلازماً ملازمة الروح للجسد - كما يراه دي سوسير - قد نادى به كثير من علماء العرب القدامى وفي طليعة هؤلاء ابن رشيق بقوله “اللفظ جسم وروحه المعنى وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته”، وكذلك العتابي من علماء العرب.
ثم يدرس الأمير مفاهيم فيرث اللغوي الإنجليزي صاحب المدرسة الاجتماعية السياقية، حيث نظر إلى السياق كجزء أصيل في عملية التحليل اللغوي، وان الوصول إلى معنى جمله وإدراكه إدراكاً دقيقاً واضحاً “يرتبط أولاً بمعرفة الجملة ذاتها والسياق وما تحتوي الجملة من معانِ متعددة ضمن سياقها الذي وقعت فيه مما تخلق أنواعاً مختلفة من الدلالات.
ويرى الباحث أن فكرة دلالة السياق ليست وليدة علم اللغة الحديث، وإنما هي فكرة قديمة عرفها علماء المسلمين وفطنوا إليها وسبقوا الأوروبيين إليها بعدة قرون.. وهنا يبدأ الباحث بالاستشهاد بمفاهيم علماء المسلمين عن هذا الموضوع.
ولم يترك الأمير الموضوع في إطار البحث النظري وإنما قدّم نماذج تطبيقية حول السياق وعلاقته بإظهار الدلالة، حيث يستشهد بقول “امرؤ القيس”:

فَقُلتُ لها تاللَهِ أَبرَحُ قاعِداً
وَلَو قَطَعوا رَأسي لَدَيكِ وَأَوصالي

والمعنى هو تالله لا أبرح بما يعني لا أفارقك والله ولو قطعوا رأسي فهو بمعنى النفي لا الإثبات وهذه الدلالة يتحكم بها السياق.
وأشار إلى أن السياق قد يحيل أي نصل إلى أمرين من مثل الدعاء عليه والإعجاب به في قول واحد مثل “قاتله الله “ و”تربت يداه”، حيث ينتقل المعنى إلى ضده، وهذا شائع في كلام العرب، وسبب التأويل أو استخراج الدلالة يتعلق بقائل النص والموقف الذي قيل فيه، حيث تتعدد الدلالات بحسب المواقف وشبيه بهذا قول الحطيئة للزبرقان بن بدر:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك انت الطاعم الكاسي

حيث لا يتوافق “اقعد” واسم الفاعل “الطاعم والكاسي” والمفترض أمران اما “قف” بما يتطابق أو “المطعوم والمكسي” بما يتطابق مع “اقعد”.. وهذا ما فهمه الزبرقان والذي اشتكى فيه إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ويستشهد الباحث بالعديد من الأمثلة في هذا الباب والتي حفل بها موروثنا الثقافي مما أغنى الأمسية حقاً.

اقرأ أيضا

«مِعْطَفُ سُوزَان» جديد عبد الهادي روضي