الاتحاد

دنيا

«غزل البنات» حلوى شعبية تستهوي أطفال مصر

الأطفال زبائن باعة غزل البنات ( تصوير سعيد عبدالحميد)

الأطفال زبائن باعة غزل البنات ( تصوير سعيد عبدالحميد)

(القاهرة) - الحلابسة.. غزل البنات.. شعر البنات.. دقن العجوز.. حرير الصبايا جميعها أسماء لصنف من الحلوى الشعبية المحببة لدى غالبية أطفال مصر، لاسيما في المناطق الشعبية والمتنزهات حيث يكثر تواجد البائعين لهذه النوعية من الحلوى، وغالباً ما يكون نداؤهم عليها مصحوباً بناي يحلو للبائع أن يطلقه معلناً عن وجوده في المكان وللفت أنظار الأطفال.
الحلوى الشعبية الأولى
غزل البنات هو الحلوى الشعبية الأولى في مصر لاسيما لأطفال الطبقتين الوسطى والفقيرة لمذاقها الحلو واللذيذ، ولأنها الأرخص ثمناً إلى جانب ألوانها المبهجة وتوافرها على مدار أيام العام. ولا يعرف أي من الباعة تاريخاً محدداً لنشأة تلك المهنة ولا من أول من عمل بها، وإن كانوا يروجون أنها دخلت مصر مع الاحتلال الإنجليزي، وتعلمها المصريون من الأجانب منذ ما يقرب من 120 سنة. وبيع غزل البنات مهنة بسيطة لا تحتاج إلى خبرات كبيرة أو مهارة فائقة لاتقانها، بل إلى خفة يد في تقليب السكر داخل الآلة، وصبر ومهارة في التعامل مع الأطفال، وقدرة في أثناء العمل الذي يستلزم من البعض التنقل من مكان لآخر طوال ساعات اليوم أو الوقوف أمام عربته الخشبية لأوقات طويلة.
إلى ذلك، يقول أسامة عبدالرزاق (26 سنة)، أحد هؤلاء الباعة، إنه يبدأ يومه بمجرد أن تشرق الشمس، فيسرع في حمل عصا كبيرة تلتف عليها عشرات من الأكياس البلاستيك وبداخلها قطع صغيرة من غزل البنات، ويمضى الساعات وهو يتجول في الشوارع، وينادي على بضاعته.
ويعبر عبدالرزاق عن سعادته ورضاه بما يكسبه من مال جراء بيع بضاعته التي يعمل بها منذ ترك المدرسة الإعدادية قبل 12 سنة، فتعلم أسرارها من والده الذي أقعده المرض، لافتاً إلى أنه وبقية أفراد أسرته يعملون في تصنيع وتعبئة غزل البنات مساء كل يوم فور عودته إلى البيت، حيث يشرع بعد تناوله الطعام في تشغيل الماكينة، وتتولى أمه وأبوه وشقيقته الصغرى تعبئة المنتج في أكياس، وفي الصباح يقوم هو وشقيقة أحمد بتوزيعها كل في مكان محدد، مشيراً إلى أنه يبيع يومياً قرابة 100 كيس من غزل البنات.
سكر وألوان
ويقول “ليس هناك عدد ساعات محدد لمهنتي وأحياناً أظل بالساعات أنادي وأعزف ألحاناً على الناي ولا أجد زبوناًَ واحدا وأحياناً أجد الأطفال من حولي فيما يشبه المظاهرة”.
يوضح عبدالرزاق أن بضاعته تعتمد على السكر وبعض الإضافات الأخرى الملونة، ويتم وضعها في ماكينة كهربائية تلف بسرعة كبيرة مع حركة يده واستخدامه لقطعة حديد صغيرة تتيح، وفقاً لمهارته تحويل السكر إلى خيوط رقيقة تشبه الغزل، منوهاً إلى أنه اشترى الماكينة قبل 4 سنوات بـ 1500 جنيه، وكان قبلها يستخدم آلة يدوية الصنع يقوم بتحريكها بواسطة رافعة يتولى الضغط عليها بقدميه فتدور، ومع كثرة الحركة تتم إذابة السكر، ويتحول إلى خيوط رقيقة أشبه بغزل النسيج، والماكينة الحديثة أفضل وتنتج كميات كبيرة من الغزل في وقت قصير بينما الآلة اليدوية تحتاج لمجهود كبير.
ويشير إلى أن “الكيلوجرام الواحد من السكر كفيل بعمل كمية من غزل البنات تتراوح ما بين 20- 30 كيساً في المتوسط، ويباع الكيس بخمسين قرشا، ورغم ضعف المكسب فإنه يشعر بالرضا، قائلا “مهنة حلال والقرش فيها بركة خير من السرقة أو الشحدة”.
ويضيف أنه أحياناً يجد طفلا يريد أن يأكل غزل البنات، وليس معه نقود فينتظر لعل أحداً من أسرته يأتي ويشتري له، وإن لم يأتوا أجد قلبي يرق لبكاء الطفل وأمنحه واحدة مجاناً. وعن الأدوات اللازمة لبائع غزل البنات، يوضح عبدالزراق أنها تتمثل في عصا الجريد التي يعلق عليها أكياس الحلابسة وناي يقوم من خلالة بإطلاق صفير بنغمة محددة ويعقبه عبارة “حلابسة.. ايوة غزل البنات”، لافتاً إلى أنه بمرور الوقت بات الأطفال لاسيما في المناطق الشعبية يعرفونه من نغمة الناي. ويقول إن أفضل أوقات البيع في فترة بعد العصر حتى مغيب الشمس حيث يحرص الكثيرون لاسيما في المناطق الشعبية على التواجد مع أطفالهم وتلبية رغباتهم في الشراء.
أماكن البيع
حضر ياسر المنياوي (33 سنة) من بلدته أبوقرقاص بصعيد مصر إلى القاهرة قبل 9 سنوات، باحثاً عن فرصة عمل واستقر به الحال بائع غزل البنات. ويقول “زبائن مهنتنا غالبيتهم من الأطفال ونادراً ما تجد رجلا أو سيدة يقدم على شراء “ الحلابسة” لنفسه وأحياناً أجد من الشباب من يقدم على شرائها، وتناولها كما لو كانوا يستعيدون ذكريات طفولتهم، وأنا أفضل العمل في مكان ثابت بالقرب من الحدائق والمتنزهات العامة ودور السينما حيث يتواجد الناس بصحبة أطفالهم بكثرة ويقبلون على الشراء”.
ويشير إلى أنه يقف بعربته الخشبية ويصنع الحلابسة، وفقاً لرغبة الزبون من مكونات ثابتة مثل السكر المخلوط بالفانيليا وماء الورد، إلى جانب ألوان صناعية ويهتم بالتنوع في الألوان، وفقا لرغبة الزبون فمن الأطفال من يريدها كبيرة الحجم أشبه بالدوامة، ويحدد اللون أحمر أو أبيض أو برتقالي والزبون، حتى لو كان طفلا على حق ويجب على البائع تلبية رغباته.
ويقول إنه تنقل لبيع غزل البنات بين عدة محافظات في صعيد مصر والدلتا، واكتشف وجود مسميات عدة لغزل البنات فهي الحلابسة وشعر البنات وحرير الصبية ودقن العجوز، ولكن طريقة الصنع واحدة، والعائد المادي من مهنته ليس بالكثير فبالكاد يوفر له ولعائلته قوت اليوم واحتياجات الحياة الضرورية من مأكولات وملابس، وهو إنجاز كبير لأمثاله ممن لم يستطيعوا اتمام تعليمهم، ولم يتعلموا حرفة ولولا غزل البنات لانضم إلى طابور العاطلين.
ويلفت إلى أن أسوأ ما يمر به خلال عمله أن الشمس أحياناً تؤدي لتسخين كيس البلاستيك، فيعرق وينكمش حجم حلوى غزل البنات بداخله، كما تطمس جمال الشكل، وتتحول إلى قطعة صغيرة بلا ملامح وهو ما يجعل الأطفال ينفرون منها.

اقرأ أيضا