الاتحاد

دنيا

سوق «تيجلابين» للسيارات روادها يقصدونها فجراً

مساحة السوق الشاسعة تتسع لآلاف السيارات المستعملة (من المصدر)

مساحة السوق الشاسعة تتسع لآلاف السيارات المستعملة (من المصدر)

ليس في الطابع المعماري لبلدة “تيجلابين” الجزائرية ما يلفت انتباه المسافرين من الجزائر العاصمة إلى مختلف ولايات الشرق أو العكس؛ فهي بلدة صغيرة ذات بنايات ريفية بسيطة تراها أينما وليت وجهك في شتى أنحاء البلد، إلا أن سوق السيارات القديمة الأسبوعي التي تقيمها كل يوم خميس، أكسبها شهرة كبيرة في كل ربوع الوطن حتى في الدول المجاورة، وجعلت كل من يريد بيع سيارته التوجه إلى سوق “تيجلابين” قبل أية سوق أخرى للسيارات في الجزائر.

(الجزائر) - تقع سوق السيارات القديمة بمدخل مدينة “تيجلاّبين”، التي تبعد عن الجزائر العاصمة بنحو 54 كيلومتراً، وحتى يجد الراغبُ ببيع سيارته مكاناً لائقاً في السوق لا بدّ أن يحلّ ليلاً بالبلدة، ويقف في طابور طويل أمام السوق وربما يضطر إلى النوم في سيارته، ليتمكن من الظفر بمكان جيد يعرض فيه سيارته في صدر السوق بمجرد أن تفتح أبوابها بعيد الفجر. والوصول إلى السوق ليس سهلاً بسبب الطابور الطويل للسيارات في الطريق السريع، والذي يصل إلى نحو 5 كيلومترات، وقد يتطلب الأمر قرابة ساعة لبلوغ مشارفه.
ازدحامٌ كبير
في مدخل السوق يقف عناصر من الدرك الوطني وشاب يحمل تذاكرَ بيده، فلا تدخل سيارة أو مرْكبة إلا بعد أن يدفع صاحبُها مبلغاً معيناً يتحدد حسب نوعيتها وتاريخ صنعها. وفي الداخل يجد الزائر أعداداً هائلة من السيارات من كل نوع ولون على امتداد البصر، فمساحة السوق لا تقل عن 5 آلاف هكتار (50 ألف كم مربع)، ويمكنها أن تتسع لـ15 ألف سيارة، وقد تمّ توسيعُها مراراً لتستوعب الأعداد المتزايدة من السيارات التي يرغب أصحابُها ببيعها، وبالتالي تكسب بلدية “تيجلابين” وبالتالي ولاية بومرداس من ورائها، المزيد من عائدات الجباية. كل الماركات العالمية ممثلة هنا بسيارات جديدة أو قديمة، وحتى باعة السندويتشات والمشروبات الباردة وقطع الغيار غزوا المكان، لأن كثرة الزبائن والسماسرة والباعة يضمن رواج سلعهم، وتقدر البلدية العدد الإجمالي لمرتادي السوق بـ50 ألف شخص كل يوم خميس.
ويفضل الكثيرُ من أصحاب السيارات سوقَ “تيجلابين” لبيعها بالنظر إلى كثرة زبائنها، وتضاعف حظوظ البيع هناك مقارنة بأسواق أخرى محلية، ولذا تجد فيها سيارات تحمل أرقاماً تدلّ على أنها تنتمي إلى مختلف الولايات الجزائرية الـ48، كما تجد فيها سياراتٍ جديدة لعام 2011 وأخرى قديمة جداً تعود إلى فترة الستينيات وتباع بأسعار بخسة، وهي مركونة بإحدى زوايا السوق.
وفي مدخل السوق، يعرض مصطفى كورطة من “القبة” بالجزائر العاصمة، سيارته الألمانية الجديدة والفاخرة للبيع، لكن السعر الذي منحه له أفضل زبون كان دون توقعاته بكثير، ما دفعه إلى الإحجام عن بيعها، وانتظار المزيد من عروض الشراء. يقول كورطة “إذا لم أجد السعر المناسب اليوم، سأعود في كل يوم خميس إلى أن أبيع سيارتي وأستبدلها بأخرى”.
وعلى عكس الاعتقاد الشائع بأن سوق “تيجلابين” تخص السيارات القديمة فقط، يوجد في السوق عدد كبير من سيارات عام 2011 معروضة للبيع، وعن دوافع بيعها يقول حَسَّام رشدي، الذي باع للتوّ سيارته “الشائع أن بعض أصحاب السيارات القديمة يقومون ببيعها لاقتناء أخرى جديدة للتخلص من متاعب قطع الغيار، لكن البعض أصبحوا يبيعون سياراتهم الجديدة لكسب أرباح إضافية بعد أن لاحظوا أن وكالات السيارات الجديدة بالجزائر لا تسلم السيارة للزبون إلا بعد أشهر عديدة بسبب محدودية تخزين السيارات المستوردة وكثرة الطلب عليها، حيث يفضل بعض الزبائن شراء سيارات جديدة بأثمان عالية ما داموا يتسلمونها فوراً عوض الانتظار الممل لأشهر طويلة”.
انحسار أعقبه ازدهار
قبل نحو 10 سنوات، كانت سوق “تيجلابين” للسيارات المستعمَلة شهدت تراجعا وانحسارا كبيرين بسبب كثرة إقبال الراغبين بشراء سيارات على عملية الشراء بالتقسيط التي تموّلها البنوك، ووجد الموظفون ضالتهم في العملية التي تمكّنهم من اقتناء سيارات جديدة بدل اقتناء أخرى قديمة ترهقهم بقطع غيارها المتهالكة، إلا أن الحكومة قررت فجأة، في يوليو 2008، إلغاء عملية بيع السيارات الجيدة بالتقسيط برغم احتجاج الوكلاء المعتمدين للسيارات الجديدة، وعادت الحياة من جديد لتدبّ في سوق “تيجلابين” بعد أن وجد الكثير من ذوي الدخل المحدود أنه ليس بإمكانهم سوى اقتناء سيارات قديمة من هذا السوق بأسعار تناسبهم، فتضاعف عددُ زبائنها وزادت مداخيل البلدية والولاية من جبايتها.
وطوال ساعتين، تدور الكثير من عمليات التفاوض على الأسعار بين المشترين والبائعين، والقليل من عمليات الشراء. يقول عبد الكريم لعلاوي، صاحب سيارة أوروبية “الكثيرُ من الزبائن يكتفون بجسّ النبض ولا يشترون من أول مرة ويفضلون العودة لاحقاً، ولذلك فإن مئات عمليات البيع فقط تتمّ كل أسبوع من آلاف السيارات”. ويضيف “بعض الزبائن يريدونها “سمينة ورخيصة” كما يقول المثل”. أما المشترون فيرون أن هناك “سيارات مغشوشة” في السوق، ولذلك لا بد من جسّ النبض والحذر والاستعانة بميكانيكيين قبل الشراء.
كثرة السماسرة
ويشكو باعة ومشترون على السواء من كثرة السماسرة، الذين أضحوا يسيطرون على السوق، ويفرضون منطقهم فيها ويتلاعبون بأسعارها؛ فيحددون لها سقفا معينا يصعب كسرُه، بينما يقول السمسار سليم تاعوينت إن شراء السيارات، وإعادة بيعها هو مصدر رزقهم الوحيد، الذي ينطوي على مخاطرة ويحتمل الربح والخسارة، وقد يقتنون سيارة بغرض إعادة بيعها فتتعرض لحادث مرور فتنهار قيمتُها المالية.
وتمكَّن تاعوينت من بيع سيارته للسعيد خلفي من “تبسة” شرق الجزائر بعد عملية تفاوض طويلة على السعر، ويقول أخوه ربيع خلفي عن سبب قطعهم هذه المسافة الطويلة لاقتناء سيارة من سوق “تيجلابين” بدل البحث عن سيارة في أقرب سوق سيارات إليهم “سوق تيجلابين ذات طابع وطني، وهي أكثر تنظيماً من غيرها، لا عراكات فيها ولا سرقات ولا أخطار”. ويضيف “وصلنا على الساعة الثالثة صباحاً، وقمنا بجولة واسعة قبل أن يستقر قرارُنا على شراء هذه السيارة. الخيارات هنا واسعة جدا بسبب تنوع العرض وأسعار سياراتها أقل من أسعار باقي أسواق السيارات”. وتفرغ السوق تقريباً من السيارات في حدود العاشرة والنصف صباحاً. ويقول تاعوينت “معظم عمليات البيع والشراء تتم في الصباح الباكر، وبخاصة في فصل الصيف، البائع أو المشتري الذي لا يصل في ساعات مبكرة قد لا يظفر بصفقة جيدة ولا يجد ضالته”.

اقرأ أيضا