الاتحاد

رأي الناس

حوار مع البحر

(1)
جريانُ الحبر في يراعتي..
كشهقةِ أولِ الساقية..
وفي جوارحِ فكري خيط مربوط..
بين الصراع والشراع..
يتأرجح بينهما حارات مع البحر..

وفي لحظة امتداد أفقي..
استردُّ شفافيتي ويتسع استشفافي..
وأخرج من جلد سطحي..
لأدخل في عمق صوفية تأملي..
محاولةً ربط الأجزاء بالأجزاء..
ليتشكّلُ الكل..
وأنا على قدر ضئيل من الفهم بمكونات الوجود والكون وعجائب الطبيعة وهندسة الإنسان..
وأبعاد الولادة..
وقدر الموت..

وفجأة.. ضاق مكاني..
فتحررت من قيود اعتقالي..
بعد وضع القبعةِ الخفية السحرية..
على رأسِ ذهني المتنور..
فكان هروبي المحتوم..
إلى ملاقاةِ حريتي مع البحر..

أجل!! وقفت وجهاً لوجه مع البحر..
في مداه المترامي الفسيح..
الذي أعرف قسماً من أوله..
وأجهل أماكن امتدادات أواخره..
وما هي إلا ثوانٍ..
حتى شعرت بصوت عميق الغور..
يخطفني على أوتار حناجره..
إلى حلبة صراعٍ ثقيل..
مع شراعٍ خفيف..

ودار الحوار الشاق الجميل..
بيني وبين البحر..
وهتفت بأعلى صوتي:
أنا عقل الشراع الذي ركب أمواجك..
وروّضَ الجزر والمد..
وأوقفَ التيار... وتحكم بالعمق..
واستولى على ثرواتك..
وانتزع ملحكَ..
واقتحمَ عُبابك..
ووجهَ الدفة إلى حيث يريد..

أجل!! إنه جلدي من قشرة الأرض..
التي تكونت شيئاً فشيئاً خلال مليار من السنين..
فمن أنت... أيها البحر؟

فقال:
أنا مثلك أيها الإنسان..
أوجدني الله (عز وجل) الذي خلقك..
ولم يهب لي العقل والحواس..

وخصّني بسمات وصفات مادية حميدة..
تأمل أيها الإنسان..
واستخلص مني العبرة.. والحكمة.. والقوة..
والصفاء.. والهدوء.. والصراخ.. والصراع..
والتواصل..
والمتابعة.. والعناد.. والمدى.. والاعتدال..
وأرصد طبائعي وأمزجتي.. وتعلّم منها.. لتنهض أكثر..
وتعقل أكثر..
انتبه دائماً..
وتأمل حراكي.. ونبضي الذي لا ينقطع..
كأني لي دورة دمويةُ فريدةٌ من نوعها..

أجل!!
أنا من طبعِ الحياة..
ورحل الصوت الذي امتلكني في برهة شرود ذهني..

فصرختُ:
ما أجمل أنسنة البحر..
رباه ما أعظم قوتك وأوسع رحمتك..
يا خالق الكون..

لانا تقي الدين

اقرأ أيضا