عبير جمعة الحوسني لكل مجتمع ثقافة يعبر بها عن نفسه، ثقافة يتفرد بها، بحيث تعكس خصوصياته، هكذا هي العلاقة التلازمية التعلّقية بينهما(بين الثقافة والمجتمع)، فالثقافة لا وجود لها دون مجتمع تنشأ وتكبر فيه بذرتها، والمجتمع لا يقوم ولا يبقى إلا بثقافة تؤطره وترسم له خطوطه، وهكذا هو مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة. لو تأملنا أفراد هذا المجتمع، بطبيعتهم الاجتماعية والإنسانية، لوجدناهم ميّالين إلى التجمع مع بني جنسهم من البشر، على اختلاف أصولهم ومرجعياتهم الثقافية، هذا الاجتماع البشري، وما احتوى عليه من تعاملات، وتأثر وتأثير، تنتج عنه أنماط من السلوك والأنشطة التي تعبر عن ثقافة كل مجتمع وقيمه ودوافعه. فالثقافة لون مركب مكوّن من مزيج من عناصر معنوية كثيرة، كاللغة والتقاليد والعادات، والفنون والأخلاق والقانون، والأعراف المتوارثة، إضافة إلى العناصر التي يكتسبها الإنسان بوصفه فرداً فعّالاً في المجتمع. في الفترة التّي سبقت قيام دولةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدة، وتأسيس الدولة الحديثة، كانَ مجتمع الإمارات له ملامحه الخاصة، وعاداته وتقاليده، وأعرافه وفنونه الشعبية، ولهجته التّي تعبر عن شخصيته، ونجد أن المجتمع في تلك الحقبة الزمنية، رغم الصعوبات التي واجهها، كان مجتمعاً متميزاً !! وذلك باعتماده على ذاته في توفير لقمة العيش، وتأمين سبل الحياة الكريمة للأسر، فمجتمع الإمارات رغم بساطة ثقافته قديماً، فإنه لم يرض قط أن يكون تابعاً لأحدهم، لذا عُرف - ما قبل النفط - بأنه مِن المجتمعات المنتجة، أَي كان الإنسان فيه يمارس الصناعات والحرفَ والمهن، ويقطع المحيطاتِ في الأسفار، ويغوص في أعماق البحار، بحثًا عن اللؤلؤ وعن الخيرات المكتنزة في باطنه، فلم تكن الحياة سهلةً كما نتوقعها، لكنها لم تكن صعبة بالنسبة لهم، لأنهم تشرّبوا ثقافة أن لا مستحيل مع الحياة، وهذه الثقافة، فيما بعد، خلّفت حضارة وبنت دولة. لو سلطنا الضوء قليلاً على الحراك الثقافي الإماراتي لوجدنا أن التنّوع في المنتجِ الشعبيِ أو الموروث دليل على خصوصية هذا المجتمع، حيث أشكال التراث المتنوعة وبألوانها المتعددة كل حسبَ البيئة والنّمط السكاني، فقد كانَ المجتمعُ الإماراتي يتكون من أربعة أنماط سكّانية هي: سكان الساحل، وسكان الصحراء، وسكان الجبال، وسكان الريف، وقد ساعدت الروابط الاجتماعية وطبيعة العادات والتقاليد، ووحدة التفكيرِ في الحفاظ على الموروث، واستمراره خلالَ القرون الماضية، رغم تعرض المنطقة لحركات الاستعمار المتتالية من البرتغالية والبريطانية. وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي عاشها أبناء الإمارات في فترة ما قبل النفط، فإنَّهم كانُوا على تواصلٍ مستمرٍ مع الدولِ العربية التّي شهدت نشاطاً علمياً وثقافياً كبيراً، فكانَ للرّواد الأوائل منَ المثقفين الإماراتيين دور بارز في إحياء الثقافة في المنطقة، رغم بساطتها. ومن أبرز ملامح ومظاهر الحياةِ الثقافيّة في الإمارات، قبل الاتحاد، انتشار التعليم شبه النظامي، الذّي رافق حركةَ الوعي الثقافيّ التّي شهدتها منطقة الخليج العربي، إلى جانب وجود مجموعة من العلماء والقضاة والأدباء والشعراء والتّجارِ، وساهم ذلك في تطوير الحركة الثقافية في بداية القرن العشرين، لتلبي حاجةَ الناس إلى التعليمِ، فتم إنشاء مجموعة من المدارس شبه النظامية على أيدي بعض التجار، وكانَ لهذه المدارس الدور البارز في نشر التعليمِ في الإمارات، ونشر الوعيِ والاهتمام بالثقافة، والتواصل معَ المثقفين من أدباء وشعراء في جميع أنحاء الوطن العربي. بعد ذلك التواصل زاد الاهتمام بالصحافة العربية، وقد صدرت بعض المجلات والصحف العربية مثل: أم القرى والمنار والرسالة والثقافة المصرية... وغيرها، وكانت تصل إلى الإمارات بشكل دوري ومنتظم، ومع مرور الأيام زاد عدد مقتنيها من القراء، ولم تتوقف حركة المثقف الإماراتي عند ذلك الحد، بل ساهم بعض الرّواد الأوائل منَ المثقفين والشعراء الإماراتيين بترك بصماتهم الأدبية والمساهمة في بعض المجلات العربية، كما قام البعض الآخر بإصدار نشرات محليّة - نتيجةً لصعوبة توفر التسهيلات اللاّزمة، آنذاك، لإصدار صحف محلية - والظريف أن بعض الأخبار السياسية والثقافية كانت تكتب بخط اليد، كما كانت هذه النشرات تصدر بشكل غير منتظم، مثل صحيفة «عمانَ» التي أصدرها إبراهيمُ محمدُ المدفعِ في الشارقةِ عامَ 1927م. بعد ذلك بدأ الحراك الثقافي بالتوسع شيئاً فشيئاً، حيث تم إنشاء بعضِ الأندية الثقافية التّي كانت تتداول أخبار التراث والشعر العربي، فقد كان يرتادها المثقفون والشعراء، أمّا المكتبات فقد كانت خاصّة، يمتلكها التّجار الذين ساهموا في إنشاء أول مكتبة عامة في دبي العام 1963م. وبعد قيام الاتحاد، وتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة في الثاني من ديسمبر عام 1971، وضعت القيادة في هذه المرحلة سياستها الوطنية المتينة، التي تضمن حق التعليم للجميع، حيث أنشأت العشرات من المدارس في مختلف إمارات الدولة، وقامت بإرسال البعثات التعليمية إلى مختلف الجامعات العربية والعالمية، وأنشأت الصروح الأكاديمية الوطنية. وعليها يمكننا الجزم بأن الحراك الثقافي في الإمارات يتسم بالديمومة والشمولية التي تغطي جميع مناحي الحياة، هذه الحركة التي أنشأها الفرد المثقف المدرك للتّحديات القادمة، والذي هو في النهاية جزء لا يتجزأ منها، وبدأت بوادرها قبل قيام الاتحاد، واستمرت تكبر وتتسع وتتطوّر إلى يومنا هذا. وإذا كانت حركة المثقف الإماراتي في مجتمعه هي جزء من الحراك الثقافي للمجتمع ذاته، فإن حجم الحراك الاجتماعي مقداراً واتجاهاً هو محصلة حركة المثقفين، كل في مجتمعه المحلي (الأسرة، الأصحاب، العمل) وفي المجتمع ككل، فكراً ومبدأً وعملاً وسلوكاً وموقفاً. فالحراك الثقافي هو كل ما يصدر عن المثقف، ولا يقتصر ذلك على قصيدة في أمسية أو محاضرة في ندوة، أو ما إلى ذلك، فالأمسيات والندوات والمعارض تمثل الجانب النظري والمثالي فقط، في حين أن سلوك الفرد، الصادر عنه، كاحترامه للعلم، أو وقوفه عند سماع السلام الوطني، ليس حدثاً معزولاً عن حراكه الثقافي، بل هو في صميمه، وهو محك فاعليته في المجتمع والوعي العام، المثقف الإماراتي قائد في المجتمع، ودور القائد لا ينفصل عن مهمته، وهي باختصار حراسة الوعي الفردي والجمعي وأصالته، وحماية الثقافة من كل خطر يهددها. هذا الحراك القوي - الذي شهدته الإمارات - بتطوراته التدريجية، وما حواه من زخم ثقافي، كانت له إفرازات أدبية ومنابر ثقافية كثيرة، لم تكن حكراً على فئة دون أخرى، ما ساهم بشكل فعّال في ترسيخ مكانة الدولة كرائدة في الفكر والإبداع، مع المحافظة على دورها المؤثر كمنارة تضيء وتثري الثقافة العربية. انطلاقاً من تلك السياسة خُلق الوعي لدى الأجيال الإماراتية المتعاقبة بأهمية صناعة واقع ثقافي معاصر، مستند على اللّبنات الثقافية الأولى، متّجه نحو مستقبل واعد، متمسك بثقافته المتفردة، والمرتكزة على قيم ومبادئ مؤسّسها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - رحمه الله - في عصر تجتاح فيه الثقافات سياج كل عقل، لذا أصبح من الضروري التشبث بعناصر الهوية والتراث، والحضارة والثقافة العربية، وتسخير أنظمة التخطيط وأدوات التعبير، لاستبدال ثوب النّمطية بآخر جذاب ومنافس، يستند على عمق معرفي أصيل، ولابد أن تنطلق الثقافة الإماراتية من الوعي بالذات، والوعي كلمة تعبر عن حالة عقلية يكون فيها العقل بحالة إدراك، وعلى تواصل مباشر مع محيطه الخارجي، عن طريق منافذ الوعي التي تتمثل عادة بالحواس الخمس، هذا الوعي له صلة مباشرة بالحراك الفكري والحضاري والثقافي، فمعالم الوعي لا تظهر إلا بحراك المجتمع، ولا أحد ينكر حركة التغذية المتبادلة الحاصلة بين الوعي بالذات (باعتباره الخريطة النفسية والذهنية لطموح المواطن الإماراتي)، والحراك الثقافي للمجتمع (باعتباره الآليات والأدوات الموظفة لبناء وهندسة الوعي على أرض الواقع). إن تحقيق معالم الوعي عبر الحراك الثقافي لا يتم إلا عبر نظام مستقبلي دقيق، يرسم الأولويات ويحدد الخطوات، ويقيم الإنجازات، مثل هذا النظام الثقافي يعبر عن وعي الجماعة، ويرسم صورتها الجمعية – الآنية والمستقبلية - والحراك الثقافي في الإمارات لم يكن نتاج مجهود فردي، أو تجربة شخصية، فهناك جهود تضافرت لتشكّل ذلك الوعي الذي يعكس هوية الإمارات بشكل عام، كمجتمع له كيانه الخاص، ولا يخرج عن دائرة التأثر والتأثير، باعتبارها سُنّة كونية في بناء الحضارات، وهذا الوعي بدأت بوادره قبل قيام الاتحاد، واستمرت حتى يومنا. فالحراك الثقافي ذو اتجاهين، أحدهما عمودي يعمّق ويرسّخ فينا تجربة الانتماء والولاء والتعبير عن الذات، والآخر أفقي، فالتوسّع يعكس النضج المتدرج الذي بلغه المجتمع خلال مراحل التطبيق، من هذين الاتجاهين يظهر الحراك الثقافي بحركته المتقاطعة، من تعميق وتوسيع للوعي عبر (العمودي والأفقي) المطبق على أرض الواقع.. لأن الوعي الضّحل السطحي لا ينتج إلا حراكاً ثقافياً متواضعاً ومتذبذباً، وهذا ما رأينا نتائجه اليوم لدى كثير من الدول، في حين أن الحراك الثقافي العميق والمتشعب والمتنوع والمتصاعد، والمبني على أسس سليمة، يشير إلى حركة متسارعة وجوهرية لعناصر الوعي، وتظهر نتائجها على المدى البعيد، ويبقى أثرها حاضراً، وهذا ما لمسنا نتائجه منذ قيام اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة... إلى يومنا هذا. لقد اتسمت الحركة الثقافية الإماراتية بالكثافة على جميع المستويات، كالتعليم، والمواهب، والفنون الشعرية والشعبية، والحركة الفنية، والصحافة، والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. والإمارات بطبيعتها الجغرافية تزخر بحراك ثقافي متنوّع منذ القدم، حيث الترحال والسفر والتجارة، وقد منحها هذا التداخل والاحتكاك ثقافة مغايرة، مغلفة بالخبرة والقوة في مواجهة التحديات، مع المحافظة على ثقافتها المتأصلة التي أفرزت واقعاً ثقافياً فريداً، انطلاقاً من ذات الفرد الإماراتي ونظرة القيادة الحكيمة، التي تطمح لتميز ثقافي بعيد عن النمطية والقولبة. إن الحراك الثقافي في الإمارات هو نشاط له صلة بكل فعل ثقافي، يتميز بالفعل الديناميكي، ولا يقاس بحجم الإنتاج الثقافي ووفرته فحسب، بل بما يتركه من آثار على حركة النشوء والارتقاء الفكري للمشهد الثقافي الإماراتي... وحتى نضمن للمشهد الثقافي سلامته وصحة سيره، واستمراريته، من الضروري وجود تأثر وتأثير بين المنتجين والمستفيدين في الحراك الثقافي، فبحجم ما تبذله الثقافة في تطوير أدواتها وتعميق روح الابتكار لعناصرها الفنية والتقنية، يضمن لها ذلك أصالة وعمق بعدها الحضاري، وهكذا كانت سياسة دولة الإمارات العربية المتحدة الثقافية في ظل الاتحاد تعجّ بتحولات جديدة مبتكرة - مقارنة بما كانت عليه في السابق - انطلاقاً من نظرة قيادتها الحكيمة التي جعلت من الثقافة معياراً مهما لما تنتجه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتعليمية. الكثافة الثقافية اتسمت الحركة الثقافية الإماراتية بالكثافة على جميع المستويات، كالتعليم، والمواهب، والفنون الشعرية والشعبية، والحركة الفنية، والصحافة، والحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.. والإمارات بطبيعتها الجغرافية تزخر بحراك ثقافي متنوّع منذ القدم، حيث الترحال والسفر والتجارة، وقد منحها هذا التداخل والاحتكاك ثقافة مغايرة، مغلفة بالخبرة والقوة في مواجهة التحديات، مع المحافظة على ثقافتها المتأصلة التي أفرزت واقعاً ثقافياً فريداً، انطلاقاً من ذات الفرد الإماراتي ونظرة القيادة الحكيمة التي تطمح لتميز ثقافي بعيداً عن النمطية والقولبة.