د. العادل خضر يبدو أنّ موضة الوشم الّتي انتشرت انتشار النّار في الهشيم منذ بداية هذا القرن أو قبله بعقود، وتقليعة ثقب الجلد في كلّ مواضع الجسد حتّى أشدّها حميميّة قد ظهرت خصّيصاً في حياتنا اليوميّة لتؤكّد ما قاله الشّاعر الفرنسيّ بول فاليري (1871-1945) من أنّ «أعمق ما في الإنسان، الجلد»، وهي عبارة تنقل العمق إلى السّطح على نحو لا يخلو من مفارقة، ولكنّها مفارقة لا تثير استغرابنا لأنّ شاعراً فرنسيّاً آخر من جيله تقريباً، وهو آرتور رامبو (1854-1891)، قد اشتهر بعبارة أخرى لا تقلّ غرابة عن قول فاليري هي: «أنا هو آخر»، «je est un autre»، وقد فُهمت هذه العبارة على أنحاء شتّى، حتّى أنّ فيلسوفاً من قامة بول ريكور قد اتّخذها، بشيء من التّصرّف المقصود، عنواناً لكتابه الشّهير «الذّات عينها بما هي آخر»، «soi-même comme un autre»، وإذا كان هذا الآخر قد فُهم دائماً على أنّه مختلف عن الذّات، وخارجيّ، يحمل هويّة مستقلّة عن الأنا، وذاكرة أخرى وغيريّة مطلقة، فإنّ عبارة آرتور رامبو تقول شيئاً بعيداً كلّ البعد عن هذا الفهم وذاك التّأويل، فهذا «الآخر» الّذي ورد في عبارة الشّاعر «أنا هو آخر» هو «الأنا» نفسه، وليس ذاتا أخرى مختلفة عنه. ويتّضح هذا المعنى بيسر لو عكسنا عبارة رامبو وقلنا «الآخر هو أنا». ويطابق هذا «الأنا الآخر»، عند شخص بارز من جيله، ونعني فرويد (1856-1939)، اللاّشعور. ذلك أنّ «الأنا» لم يكن يشمل في تصوّره كامل المجال النّفسيّ، هذا إذا اعتبرنا اللاّشعور هو ما يكون خارج «الأنا»، ومنزاحاً عن مركزه. وبسبب ذلك الانزياح فقد «الأنا» مركزيّة الوعي، فـ«لم يعد سيّداً في بيته» حسب عبارة فرويد الشّهيرة. ويبدو أنّ لويس خورخي بورخس (1899-1986) قد التقط هذا المعنى وصاغه قصصيّاً في قصّته ورائعته «الآخر»، «El otro». فليس هذا «الآخر» في النّهاية سوى «أنا آخر»، أو «أنا» وقد تجلّى في عالم ممكن على نحو مستحيل. إذا سلّمنا بهذا الفهم، فإنّ موضع هذا «الآخر» لا يوجد هناك أو هنالك في مكان ناء، وإنّما هو هنا، قريب جدّاً منّا، وفينا، على نحو حميم، لصيق بنا، بحيث تضحي عبارة بول فاليري «أعمق ما في الإنسان، الجلد» بهذا المعنى واضحة لا غرابة فيها. فليس «الأنا» الّذي يقبع في جهة «الحميم» و«العميق» منّا، سوى «أنا آخر» حين يظهر في الحميم والسّطحيّ منّا. هذا «الأنا الآخر»، أو «أنا» بما هو «أنا آخر» لا يمكن معرفته بقاعدة سقراط «اعرف نفسك بنفسك»، لأنّه ليس ماثلاً على نحو شفّاف أمام نفسه، فيطّلع على خباياها وأسرارها الدّفينة دون عوائق كأنّه أمام مرآة صقيلة، فيمسي ما يعرفه الأنا عن نفسه مطابقاً تماماً لأناه ويمثّله، غير أنّ هذا التّطابق المثاليّ ينتفي في مجال التّحليل النّفسي وحتّى في الأدب، فيصبح الأنا هو ما لا يعرفه عن نفسه، وهذا الّذي لا يعرفه هو بالضّبط «الحميم»، ولكنّه حميم من نوع آخر لأنّه إذا انكشف وتجلّى انفتح على مشهد آخر، أو بيت مألوف وغير أليف unheimlicht، ليس الأنا سيّداً فيه. القرين الخفيّ هذا السّيّد الخفيّ يسمّيه بعض الشّعراء «القرين»، ويعيّنه بعض الفلاسفة بلفظ «المَثْنَى» le double، فهو ليس آخر بالنّسبة إلى الأنا، وإنّما هو «أنا آخر»، في منزلة التّوأم، ولكنّه توأم لا يُرى ولا نشعر بوجوده، ورغم ذلك هو دائماً معي يرافقني ولا يفارقني، منذ ولادتي. إنّه هذا الحميم القريب الّذي من فرط قربه صار دخيلاً، يسكن في دخيلتي على نحو ساخن متحرّك متقلّب، كالرّيح دائماً على قلق، ولكنّه حين يخرج من فضائه الحميم، يظلّ هو هو، إلاّ أنّه يتجلّى على نحو مختلف، فيتكلّم لغة غير لغتي، قد تكون شعراً، وقد تكون حلماً، وقد تكون زلاّت لسان، ونكات هزل، وقد تكون سخيف كلام وهذيان، وهو حين يتكلّم يستعير لساني ويكتب بيدي ويرسم على جلدي أبجديّة أخرى، تارة تكون وشماً، وتارة أخرى تكون ثقباً، وحينا آخر وصماً لا يمّحي. وفي كلّ الأحوال يظلّ هذا الأنا الحميم حين يسفر هو هو، ولكنّه يسفر دائماً في هيئة «أنا آخر»، أو أنا دخيل لا يقتحمنا من الخارج ويهاجمها بغيريته المزعجة، وإنّما ينبثق منّا من هذا الدّاخل الحميم، كجنّي يسكن في قمقم قد فضّ فجأة ختمه، فخرج من فضائه الجوّانيّ، إلى فضائنا البرّانيّ. ينبغي أن نأخذ استعارة الجنّيّ على نحو حرفيّ. ففي المخيال الإسلاميّ وحتّى المسيحيّ، يسكن الجنّيّ أو الشّيطانيّ في تجاويف الإنسان، فهو كائن جوفيّ، شيطانيّ، إذا تكلّم أفسد كلامنا وشوّهه، وجعله غريباً لا يفصح ولا يُبين، فترفضه رقابتنا الأخلاقيّة واللّغويّة، ولكنّه يقبع فينا كضيف ثقيل طال مكوثه، فأربك نسق حياتنا اليوميّة الرّتيبة، وجعل البيت مسكوناً بغير أهله. وحين يقتحم البيت لا يصبح الأنا «سيّداً في بيته». ولذلك كان يُرقى بالرُّقى المختلفة حتّى يخرج، فإذا لم يخرج بالّتي هي أحسن طورد حتّى يطرد ويولّي الأدبار. ويمكن أن يكون لهذا الآخر الجوفيّ حضور ملائكيّ، فيكون حميماً قريباً رفيقاً يُصاحبنا لأنّه توأمنا الّذي ولد معنا، فبقي [هو] في هيئة شبحيّة لا تُرى، وخرجت [أنا] إلى الدّنيا. مثل هذا التّصوّر هو اعتقاد راسخ عند الرّومانيّ القديم. فلفظ الجنّ العربيّ قريب جدّاً من لفظ «جينيوس» «Genius» الرّومانيّ. وليس «جِينْيوس» هذا سوى الإله الرّومانيّ. وقد كانت وظيفته الأساسيّة هي توفير الحماية لكلّ وليد حتّى يعيش. وقد اشتقّ اسم هذا الإله «Genius» من فعل geno أي (وَلَدَ)، إمّا لأنّه حريص على أن نُولد، أو لأنّه يولد معنا، أو لأنّه يرعانا ويحمينا منذ اللّحظة الّتي نولد فيها. ويؤكّد إقليدس تلميذ سقراط أنّ لكلّ واحد منّا مَثْنَى أو قريناً من الجنّ (adpositus) يلازمه ليحميه، فلا يغفل عنه ولا يبتعد، ويرافقه منذ خروجه من الرّحم إلى يومنا الأخير من حياتنا، ولذلك لم يكن الاحتفال بأعياد الميلاد عند الرّومان يُقام لفرد واحد، وإنّما هو احتفاء بالرّابط الّذي يوثّق العلاقة بين الفرد والرّوح الّذي يحرسه ويرافقه حيثما كان. ويمكن أن يكون «جينيوس» و«إلهة البيت الرّوماني»، لاريس، «Lares»، اسمين لمسمّى واحد. فهويّتهما واحدة لأنّهما يتمتّعان بكفاية في التّدبير المنزليّ متماثلة تقوم على الحماية وتوفير أسباب الاستقرار، فقد اعتبر حضور أرواح البيت مرتبطاً بالمكان وبامتلاء الفضاء بها، وهي عموماً أرواح السّلف بما هي أرواح تجاورنا، أو تقيم في الجوار. وإذا ظلّ السّلف يقيم في البيوت فلأنّ تلك البيوت كانت قبورَهم تُحفظ فيها بقاياهم وتوابيتهم في أمكنة معلومة. وما بدا لنا ولاح فيما بعد على أنّه ظهور شبحيّ، إنّما هو في المقام الأوّل اعتقاد في أنّ أرواح الموتى ما زالت تحتلّ الفضاء المنزليّ. فالعلاقة بين المنزل والرّوح ما زالت سائدة في الاعتقاد الحديث، وهي ماثلة في الحكايات الحديثة الّتي ما فتئت تؤكّد قوّة العلاقة بين البيت والحياة الّتي تسكنه. فالعلاقة بين الجنّ والإنس هي كعلاقة المنزل بالرّوح. وتؤكّد قصص الجنّ دائماً هذه العلاقة بين المنزل والحياة. وقد تساءل الفيلسوف الفرنسي «ميشال سير» عن هذه العلاقة بين الرّوح والمكان لمّا لاحظ أنّ روح الهُنا l’esprit du là أو كينونة الهُنا l’être du là لا تُرى، ولكنّها تتراءى أحياناً لمن لم يكن من هنا، من أهل البيت. وأحياناً قد يتراءى هذا الآتي من الخارج للسّاكن في الدّيار. ويتساءل ميشال سير بعد ذلك «كيف نفكّر في العلاقات بين روح المكان وروح مكان آخر، أو بين الرّوح والمكان؟». أنا جِلْدي من جهتنا نعتبر هذا السّاكن في البيت هو «أنا آخر». وسواء أكانت أسماؤه جنّيّاً عربيّاً أم «جِينْيوس««Genius» رومانيّاً، أم لاشعوراً فرويديّاً، فإنّ مسكنه في أعمق أعماقنا حميميّة. ولمّا كان أعمق ما فيّ هو جلدي، فإنّ هذا الإهاب الواقي الّذي يحيط بجسمي ويغلّفني هو في النّهاية «أنا»، أو هذه الّذات الّتي تستعمل لفظ «أنا» حينما تتحدّث عن نفسها. فليست كلّ الثّقافات تمتلك لفظ «أنا» عندما يحتاج المرء إلى الحديث عن نفسه. أَوَ لم يقل الرّوائي اليابانيّ «يوكو تاوادا» أنّه «في ألمانيا، علّموني أن أقول «أنا» عندما أتحدّث عن نفسي». هذا الأنا هو مواضعة ثقافيّة لا توجد في كلّ اللّغات والثّقافات. إلاّ أنّه إن وجد قد يحتاج إلى لفظ «أنا» حتّى يشير إلى نفسه حين يتكلّم، ولكنّه يحتاج قبل كلّ شيء إلى جلد حتّى يكون، وتكون له كينونة، فهذا الجلدُ هو الّذي يهب للذّات تماسكها وللشّخص كمال جسمه، وللأنا كينونته، ونجد هذا الوعي بوظيفة الجلد الأولى في اللّسان العربيّ بعمق عجيب، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور في تعريف الجلد، في مادّة [ج.ل.د]: أنّ «الجِلْدة الطائفة من الجِلْد، وأَجلاد الإِنسان وتَجالِيده جماعة شخصه، وقيل جسمه وبدنه، وذلك لأَنّ الجلد محيط بهما». ويوافق تقريباً هذا التّعريف ما نجده عند المحلّل النّفسي الفرنسيّ «ديديي أنزيو Didier Anzieu» الّذي نحت متصوّر «الأنا جلد»، «le Moi peau» بوصفه متصوّراً مفتاحاً في علم النّفس والتّحليل النّفسي منذ سنة 1974. وهو يعتبر أنّ وظيفة الاحتواء هي وظيفة الجلد الأولى. وهي وظيفة حيويّة، لأنّ تلف الجلد بأيّ أنواع الإتلاف كالمرض أو الجروح، أو الحروق... يفضي حتماً إلى الموت. فرمز الموت، وصورته الأركيتيبيّة هي هيكل عظميّ قد زال منه الجلد، ولذلك كان فنّ التّحنيط عند الفراعنة هو تقنية ابتدعت لتخليد الجسد بحفظ جلده، فليست المومياء في النّهاية سوى ميّت لم يفقد جلده، أو يكاد، وإذا كان فنّ التّحنيط كهندسة بناء الأهرامات مرتبط عند الفراعنة بتصوّر حضاريّ للزّمن ينهض على فكرة الأبديّة، فإنّ هذه الفكرة غائبة تماماً في الفكر الهلّينيّ الرّومانيّ. إذ نجد، مقابل فكرة الأبديّة والخلود عند الإغريق والرّومان، فكرة الفناء. فلا شيء مخلّد في ثقافتهم، لأنّ الموت يصيب حتّى الآلهة وأنصاف الآلهة، ولذلك خلّدوا أجسامهم القويّة الفتيّة الباهرة الكمال في عنصر لا يفسد، في التّماثيل والأصنام المنحوتة من الحجارة والصّخور والرّخام. ولم يحافظوا على الجلد فلم يحنّطوه لأنّه هشّ يتمزّق بيسر. أوَلم يمزّق هيرقليس جلده في الأسطورة؟ أوَلم تكن آخر هديّة تلقّاها هي رداء شبيه بكفن الموتى؟ أوَليس الكفن هو آخر ما يتلقّاه الميّت من هبات وهدايا قبل أن يُكرم بالدّفن حتّى يتستّر من شمس الموت السّوداء؟ تخبرنا الأسطورة بأنّ آخر هديّة تلقّاها هرقل هي هديّة «أثينا» لمكافأته على أعماله البطوليّة. لقد كانت هديّتها شيئاً يُسمّى باللّسان الإغريقيّ «بيبلوس» pèplos، أي لحاف أو قطعة قماش أو قميص. وهو لباس لا يرتديه، في تقاليد اللّباس الإغريقيّ، إلاّ النّساء أو البرابرة على حدّ السّواء، دون أن يُعدّ ذلك في نظر الإغريقيّ أمراً غريباً. غير أنّ هذه الهديّة نجدها قد انقلبت في النّصوص الأدبيّة الإغريقيّة، في بعض تراجيديّات سوفوكليس، وبصفة خاصّة في كتاب التّحوّلات لأوفيد، إلى جلد مسموم قد التهم جسم البطل التهاماً، ذلك أنّه «ما أن ألقى هرقل على كتفيه قميص نيسّوس القنطور الملطّخ بدمه الّذي مازجه «سمّ الهيدرا الرّهيب»، ذاك القميص الّذي أهدته له زوجته ديانيرا وهي لا تعلم أنّ «هذا القميص سيُلبسها ثوب الحداد» حتّى سرى السّمّ في جسده». ويصف أوفيد مشهد سريان السّمّ بقوله: «كان السّمّ يسخن ويذوب من حرارة النّار، ويسري أثره المدمّر حتّى بلغ أطراف جسده. وقاوم البطل آلامه ما استطاع بشجاعته المعهودة دون أن يئنّ أنَّةً واحدة، حتّى إذا نفد صبره حطّم المذابح وملأ غابات أويتا بصرخاته، وانطلق مهرولاً وهو يمزّق القميص المشؤوم، غير أنّه مع كلّ مُزْقة منه كان ينزع قطعة من جلده. ألا ما أبشعها من ذكرى! لقد كان القميص أشدّ ما يكون التصاقاً بجسده، فكان عسيراً عليه أن ينتزعه من فوق جسده إلاّ وقد انتزع معه ما يترك عظامه وعضلاته عارية». (أوفيد، مسخ الكائنات، متامورفوزس، التّحوّلات، ترجمه وقدّم له ثروت عكاشة، الكتاب التّاسع، الأبيات، 160-165، ص198). خيال يسلخ الجلد ينبغي أن نسجّل أنّ كشط الجلد غير ممكن واقعيّاً إلاّ في حالات التّعذيب السّاديّة المفرطة في لا بشريّتها، أو في بعض الطّقوس الّتي وصف تودوروف بعض مشاهدها في كتابه «غزو أميركا»، ولكنّه ممكن فنّيّاً، ما دام الفنّ في الأزمنة الحديثة هو بالأساس غير بشريّ، فسلخ الجلد وكشطه لا يكون ممكناً إلاّ على المستوى الخياليّ، وإجرائيّاً لا يكون إلاّ بعمل من أعمال الإخراج الفنّيّ، ففي فنّ الرّسم نجد رسوماً تشريحيّة كرسوم خوان دو فالفردي Juan de Valverde يعود عهدها إلى عصر النّهضة تمثّل أجساماً مكشوطة، وهي تُمسرح عمل السّلخ التّشريحيّ لإظهار ما يختفي تحت الجلد. وقد جمعها طوماس لاكار Thomas Laqueur في كتابه «صناعة الجنس، مقالة في الجسم والنّوع في الغرب، باريس، غاليمار، 1992». أمّا في الفنّ الرّوائيّ فنجد صفحات رهيبة تصف سلخ جلد أسير يابانيّ وهو حيّ وقع في قبضة بوريس الرّوسيّ الرّهيب وجزّاره المنغوليّ، في الحرب العالميّة الثّانيّة، في رواية اليابانيّ هاروكي موراكامي، «أخبار الطّائر الرّقّاص». غير أنّنا إذا تتبّعنا غرضيّة الجلد في مجال الأدب فإنّها تصادفنا في نصوص عديدة على نحو بالغ التّنوّع يؤكّد ما ذهب إليه بول فاليري من أنّ «أعمق ما في الإنسان هو الجلد». هذا الجلد هو ما به يتجلّى هذا «الأنا» بما هو «أنا آخر». وهو يتّخذ أحياناً من جلد الحيوان بعض أقنعته. ففي حكاية «جلد الحمار»، «Peau d’âne»، وهو عنوان واحدة من حكايات شارل بارّو Charles Perrault، الشّهيرة، يصبح الجلد كناية عن الأب الميّت. وموجزها أنّ ملكاً من الملوك كان يمتلك حماراً رَوْثُه من ذَهَبٍ، فامتلأت خزائنه به، وصار أغنى أغنياء الملوك. وكانت له زوجة آية في الجمال عاش معها في سعادة عظيمة بعد أن أنجبت له صبيّة بارعة الحسن. ولمّا كان دوام الحال من المحال، مرضت الملكة مرضاً شديداً فأوصت زوجها وهي تحتضر أن لا يتزوّج إن تزوّج إلاّ بامرأة تفوقها جمالاً. وبعد مرور فترة الحداد، قرّر الملك تنفيذ الوصيّة، وشرع في البحث عن زوجة فائقة الحسن، فلم يجد في مملكته سوى ابنته، فقرّر الزّواج بها. ولمّا علمت البنت بما دبّره الملك فزعت إلى أُمَيْمَتِها marraine طالبة عونها، فأمرتها بأن تشترط على الملك شروطاً مجحفة كطلب فساتين ذات ألوان مستحيلة، كأن تكون بألوان الزّمن، أو القمر، أو الشّمس. فلبّى الملك كلّ مطالبها. فلمّا أعياها الأمر، اشترطت على الملك أن يهبها أعزّ ما يملك وهو جلد الحمار. ولمّا وجدت الجلد مسلوخاً معلّقاً على باب غرفتها عزمت على الفرار، فتنكّرت في جلد الحمار، وهاجرت إلى مملكة بعيدة. وهنالك تعرّف إليها أمير تلك المملكة وأحبّها وتزوّجها. يتجلّى في النّصف الأوّل من الحكاية الشّوق، شوق البنت المكبوت من خلال طلبها فساتين مستحيلة، هي بمثابة جلد آخر يسدّ مسدّ جلد الأمّ/‏ الملكة الّتي لا يمكنها أن تحلّ محلّها. فبالفساتين تحقّق للأميرة شوقها المستحيل على نحو خياليّ. أمّا طلبها جلد الحمار فهو طلب لشيء عزيز على الملك يوازي روحه. فعبارة «جلد الحمار» «Peau d’âne» في اللّسان الفرنسي ليست بعيدة صوتيّاً عن عبارة «جلد الرّوح» «Peau d’âme». فجلد الحمار هو جلد الأنا، أو الأنا بما هو جلد. ولمّا كان الحصول على هذا الجلد والتّنكّر فيه بلبسه يعني تغطية جسد البنت الأنثويّ بالصّفات الأبويّة، فإنّ الأميرة تشبع، بلبس جلد الحمار، شوقها على نحو كنائيّ. وهو لا محالة شوق وراثة الأب وتملّكه. فجلد الحمار هو كلّ ما بقي من الأب الميّت. إذ لمّا كان الحمار يمثّل ثروة الأب فإنّ امتلاكها لجلد الأب الميّت تعني أيضاً عودة طيف الأب في هيئة جسد ماليّ شبيه بجسد العملة الّذي اعتبره ماركس مجرّد ظلّ. فلبس جلد الحمار ككساء ملكيّ هو الاحتفاظ بالبقيّة الباقية من الأب في صورة ماليّة. ونجد في رواية باتريك زوسكيند، «العطر.. قصّة قاتل»، (ترجمة نبيل الحفار، سورية – دمشق، دار المدى للثّقافة والنّشر، الطّبعة الرّابعة، 2007) كيف كان يستخلص من جلود ضحاياه من النّساء رائحتهنّ الأنثويّة. لقد كان بطل هذه الرّواية جان باتيست غرونوي Jean-Baptiste Grenouille، بلا رائحة: «قالت المرضعة [...] إنّه مسكون بالشّيطان. بسرعة، سحب تيرير إصبعه من السّلّة، ثمّ قال: مستحيل، يستحيل مطلقاً أن يكون رضيع مسكوناً بالشّيطان [...] هل تكلّم مثلاً؟ هل صدر عنه شعاع نور؟ هل حرّك أشياء مّا في الغرفة؟ هل تفوح منه رائحة كريهة؟». «بل ليست له رائحة على الإطلاق». (العطر، ص15) وجلد بلا رائحة، حتّى وإن كانت كريهة كـ«جلودُ التّيوس وجلودُ آباط الزِّنْج» المُنتِنَة العرَق كما وصفها الجاحظ في كتاب الحيوان، يعني أنّ الذّات لا يتشوّق إليها أحد، أو «أنا» لا يجذب ولا يجتذب برائحته أحداً. فهو ذات فارغة، ميّتة تفتقر إلى شيء رائع ذي هالة وألق يكون فيها، ويمثّل «ما في ذاتك أكثر من ذاتك» على حدّ عبارة لاكان. ولأجل أن يكون محبوباً مرغوباً فيه، موضوعاً لشوق الآخر، قتل سلسلة من النّساء، وكان يستخلص من كلّ امرأة رائحة أنثويّة مميّزة فيها يستنشقها بأنفه العجيب، إلى أن صنع من روائحهنّ جميعاً عطراً سحريّاً وضعه في زجاجة صغيرة، ما إن رفع غطاءها، وأخذ يرشّ على نفسه من محتواها، هنا وهناك من جسده، حتّى «انسكب عليه الجمال كنار متأجّجة». وبانسكاب العطر على جلده أصبح بطل الرّواية جذّاباً على نحو وحشيّ لا يقاوم. «كان هناك عشرون إلى ثلاثين شخصاً [...] انقضّوا عليه، ورموه أيضاً. كلّ واحد منهم كان يريد ملامسته، كلّ منهم أراد أن يحصل على جزء منه، على ريشة صغيرة، أو جناح أو شرارة من ناره الرّائعة. مزّقوا عنه ثيابه، ثمّ شعره، وجلده من جسمه، نتفوه وغرزوا أسنانهم ومخالبهم في لحمه، كالضّباع انقضّوا عليه». (العطر، ص.ص 286-287). هذا المثال الرّوائيّ وغيره من الأمثلة الأخرى الّتي لم نذكر، كرواية بلزاك «الجلد السّحريّ»، «Peau de chagrin»، تؤكّد بأساليب مختلفة أنّ «ترجمان الأشواق» هو الجلد، لأنّ الأعمق من أعماقي هو جلدي. الروح والمكان تؤكّد قصص الجنّ دائماً هذه العلاقة بين المنزل والحياة. وقد تساءل الفيلسوف الفرنسي «ميشال سير» عن هذه العلاقة بين الرّوح والمكان لمّا لاحظ أنّ روح الهُنا «l’esprit du là» أو كينونة الهُنا «l’être du là» لا يُرى، ولكنّه يتراءى أحياناً لمن لم يكن من هنا، من أهل البيت. وأحياناً قد يتراءى هذا الآتي من الخارج للسّاكن في الدّيار. ويتساءل ميشال سير بعد ذلك «كيف نفكّر في العلاقات بين روح المكان وروح مكان آخر، أو بين الرّوح والمكان؟». الجِلْد كهويّة نجد في رواية باتريك زوسكيند «العطر.. قصّة قاتل»، كيف كان البطل يستخلص من جلود ضحاياه من النّساء رائحتهنّ الأنثويّة. لقد كان بطل هذه الرّواية جان باتيست غرونوي، بلا رائحة: «قالت المرضعة [...] إنّه مسكون بالشّيطان. بسرعة، سحب تيرير إصبعه من السّلّة، ثمّ قال: مستحيل، يستحيل مطلقاً أن يكون رضيع مسكوناً بالشّيطان [...] هل تكلّم مثلاً؟ هل صدر عنه شعاع نور؟ هل حرّك أشياء مّا في الغرفة؟ هل تفوح منه رائحة كريهة؟». - «بل ليست له رائحة على الإطلاق». (العطر، ص 15) أشباح السّلَف إذا ظلّ السّلف يقيم في البيوت فلأنّ تلك البيوت كانت قبورَهم تُحفظ فيها بقاياهم وتوابيتهم في أمكنة معلومة. وما بدا لنا ولاح في ما بعد على أنّه ظهور شبحيّ، إنّما هو في المقام الأوّل اعتقاد في أنّ أرواح الموتى ما زالت تحتلّ الفضاء المنزليّ. فالعلاقة بين المنزل والرّوح ما زالت سائدة في الاعتقاد الحديث، وهي ماثلة في الحكايات الحديثة التي ما فتئت تؤكّد قوّة العلاقة بين البيت والحياة التي تسكنه. فالعلاقة بين الجنّ والإنس هي كعلاقة المنزل بالرّوح. اللسان العربي.. والجلد يعثر المرء على وعي عميق بوظيفة الجلد الأولى في اللّسان العربيّ، فقد جاء في لسان العرب لابن منظور في تعريف الجلد، في مادّة [ج.ل.د]: أنّ «الجِلْدة الطائفة من الجِلْد، وأَجلاد الإِنسان وتَجالِيده جماع شخصه، وقيل جسمه وبدنه، وذلك لأَنّ الجلد محيط بهما».