الاتحاد

دنيا

ملتقى السمالية يهدي الناشئة خلاصة تجارب الأجداد

من فعاليات ملتقى السمالية للصغار (الصور من المصدر)

من فعاليات ملتقى السمالية للصغار (الصور من المصدر)

مجدداً كانت السمالية هي الوجهة.. محتضنة فعاليات الملتقى الذي يحمل اسمها، لا تزال جزيرة البهجة تضخ الفرح النقي في عيون قاصديها، يهرعون إليها بحثاً عن فسحة للمتعة فتفرد لهم جناح الألق، وتنشر فوق هاماتهم رذاذاً من سحرها الأسطوري، ثم تتكرر الحكاية: دهشة تتولد من انصهار عجائبي بين الصحراء والبحر، وفصول تتوالى غير عابئة بقسوة المناخ. إبحار صوب المقلب الآخر من اللقاء، رحيل ممتع نحو الماضي الذي يزيده البعد حضوراً، وجوه سمراء مطعمة بذرات الرمل تحمل في قسماتها عبق تاريخ دائم الإلحاح والوهج، إنها السمالية حيث مساحة البهجة التي يسع المكان أن ينثرها في أرجاء نفوس تائقة لتذوق نكهة الروعة النقية.

(أبوظبي) - “دروب المعاني” هو أحد الأنشطة المميزة التي تحظى باهتمام فائق من القيمين على ملتقى السمالية الثامن عشر، وهو يمثل عمدة الملتقى، إذ إنه المحور الذي تدور حوله سائر الفعاليات، وغايته تتجسد في صياغة شخصيات وفق آلية راسخة من المناقب والقيم، يدرك أهل الإمارات جيداً، وبينهم القيمون على ملتقى السمالية الثامن عشر، مقدار ما حفره الأجداد والأسلاف من مآثر في جبين الزمن، ويرون في ذلك كنزاً بشرياً هو أغلى من أن تستهلكه الأيام، لذلك كان بديهياً أن يستخرجوا درره اللامع من تحت أنقاض السنين المتعاقبة، وينفضون عنها غبار التجاهل والتغاضي، قبل أن يقدموها براقة مشعة إلى أجيال اليوم لتكون عدتهم في رحلة نحو غد موش بكثير من الوعود.
ذخيرة ثقافية
صار يتعين على كل شمس تشرق في رحاب الجزيرة الحالمة أن تحمل بين أشعتها عبر الأقدمين، حكاية أمجادهم التي صنعوها بصبرهم وكدهم، وعليها أن تخبر أيضاً عن تفاصيل تمردهم اليومي على لحظات الزمن الصعب، كيف أمكنهم أن يطوعوا المناخ، وكيف كان بوسعهم أن يصادقوا الصحراء، ويقيموا حالة ود مع البوادي، قبل أن ينبكوا على البحر يعلمونه كيف يكون سخياً، وفياً، صبوراً، ومضيافاً كذلك.
إلى ذلك، يقول سهيل المنصوري، مدير مركز الوثبة في نادي تراث الإمارات، إن النادي يبدي حرصاً فائقاً على استلهام القيم والمثل التي جسدها الآباء والأجداد، وتطعيم وجدان الناشئة بها، وذلك إيماناً منه بكونها ذخيرة ثقافية وسلوكية بالغة الفائدة في بناء المواطن الإماراتي المنسجم مع نفسه ومع تاريخه، بالرغم من كل العواصف التي تثيرها ظاهرة العولمة، وما تهدد به من انحراف عن المسار وتهديد للمصير، لهذا، يقول المنصوري “إصرارانا على ترسيخ السلوكيات الغابرة يتجاوز حدود تكريم السابقين، وهو أحد أبسط حقوقهم علينا، نحو تحصين القادمين بما ينفعهم ويلزمهم في المواجهة التي لا بد لهم من خوضها ليؤكدوا حضورهم في عالم بالغ الصعوبة، وتلك أقل واجباتنا نحوهم”.
ويضيف أن ملتقى السمالية الصيفي يشكل مناسبة لتلقين الأبناء تاريخ أجدادهم، وتقام لذلك مجالس يتحلقون فيها حول أحد الكبار ممن عاصر المرحلة الماضية، وخبر ظروفها ومندرجاتها كافة لينقل إليهم خلاصة مكثفة تشتمل على أبرز السمات السلوكية التي تستدعي التركيز عليها، يجري ذلك كله في سياق من السرد الممتع الذي يجذب الطلبة، ويرفع من سويتهم الإصغائية، كما يستثمر فضولهم المعرفي النهم للتعرف إلى أسلاف لهم، وتجارب هي في جوهر تكوينهم الإنساني والمعرفي، يبدو الفتية المشغولون بحكايا سابقيهم كما لو أنهم يتعرفون على حقيقة ذواتهم، يكتشفون بعض خباياها للمرة الأولى، ويدهشون لكونهم يملكون خصائص غابت عن أذهانهم تحت ضغط اليومي والمباشر، يفرحهم العثور على آثار سابقيهم، وينظرون باعتزاز مشروع نحو مناقب وصفات تفردوا بها، وتسمح لهم أن يباهوا بها الآخرين.
ويؤكد “لا تقتصر أنشطتنا التثقيفية المرتبطة بشؤون التراث على ملتقى السمالية وحده، بل ثمة برنامج متكامل نبدأه في الموسم الصيفي، مستغلين العطلة الدراسية لتزويد الطلاب بكل ما كان يدور في المجالس القديمة، وهو يأخذ طابعاً استثنائياً في شهر رمضان المبارك، حيث يكون الطلبة على موعد مع إفطار يومي، يتبعه مجلس يضم أحد المتعمقين في شؤون التراث، وهو يروي لهم ما يراه ملائماً لتعميق صلاتهم بالزمن الفائت”.
تقوية الأواصر
الحديث مع فتية تتراوح أعمارهم بين العشرة والرابعة عشرة عن سلوك الأجداد أمر شيق دون شك، إذ أنه أكثر من وسيلة لاختبار معلومات حفظوها عن ظهر قلب، بل هو في حقيقته تعبير صريح عن اعتزاز بإرث سلوكي يستحق أن يحفظ وأن يصان، يتسابق الفتية للإعلان عن تواصلهم مع ذلك الإرث. في هذا السياق، يقول محمد المنهالي “تعلمنا الكثير من هذه النشاطات عن ماضينا، تعلمنا ضرورة احترام الكبير، كما تعلمنا أهمية أن نكون متحدين متعاونين، وأن نبادر إلى مساعدة من يحتاج المساعدة، وتقديم العون له، وعندما أجرينا مقارنة بين أيامنا وأيام سابقينا تبين لنا أننا مقصرون بحق لم الشمل والتواصل الدائم، فمعظمنا يمضي أكثر أوقاته بمفرده، لذلك قررنا أن يكون يوم العطلة الأسبوعية موعداً لمجلس خاص بنا نتحدث خلاله عن شؤون تعنينا جميعاً، وعن هوايات تقوي الأواصر بيننا، وقد وجدنا في الأمر متعة كنا نفتقدها”.
من جهته، يقول مبارك المنصوري “قبل أن نستوعب حكايات آبائنا وأجدادنا، كنا نشعر أن هناك أشياء تنقصنا، لم يكن شعورنا بهذا القدر من الطمأنينة، أما اليوم فنحن أكثر قرباً من بعضنا البعض، يملك واحدنا الشجاعة على استشارة الآخرين بقضية تشغل باله، مهما كانت الشخصية، نشعر بأن روابط صادقة تجمع بيننا، والفضل في ذلك لما قارب وعينا من أحداث وعبر عن أجدادنا”.
ويقول سالم المنصوري إن الحديث المفضل في مجلسه مع أصدقائه هو حديث الهجن، وهي كانت محط اهتمام الأسلاف، وهم بالرغم من يفاعة أعمارهم يملكون معلومات وافية عن سلوكيات الهجن وأسمائها وكيفية التعامل معها، ويجدون كثيراً من الراحة في التعامل معها، فهي عنوان الصحراء، هكذا كانت في الماضي وهكذا ستبقى دوماً مهما اختلفت الظروف، وتنوعت وسائل العيش.
اليولة.. انسجام الحركة مع الإيقاع
ويؤكد بخيت المنصوري أن الكرم هو سمة من سمات الأجداد، ولا يسع أي متحدر منهم إلا أن يكون كريماً مثلهم، هم كانوا كرماء عندما كانت سبل العيش أضيق مما هي اليوم، وفي ذلك ما يحسب لهم، ذلك أن العطاء شجاعة في كل الأحوال، أما أن يكون نابعاً من ظروف شح وفاقة، فيصبح إنجازاً يحتمل الفخر.
لا يمكن لملتقى السمالية أن يكون منسجما مع نفسه دون أن تكون “اليولة” عنوانه الأحلى، تعبير جسدي راقص يوازي الكلمات في وصف مقتضى الحال. إلى ذلك، يقول محمد القبيسي، مدرب اليولة في ملتقى السمالية إنه لا يعرف تاريخاً محدداً لتسلل هذا النوع من الفن إلى دواخله.
ويضيف “كنت صغيراً عندما رأيت نفسي أميل مع النغم الراقص، أضبط حركات جسدي وفق إيقاعه السحري، ولم يمض علي كثير من الوقت قبل أن أستنتج أن هذا التوافق النغمي كان يعيش في داخلي، وكل ما فعلته حياله أنني سمحت له بالخروج والتعبير عن نفسه بصورة حية”.
ويوضح القبيسي أن اليولة فن لا يعلم ولا يكتسب، فهو أقرب إلى الهوى المتغلغل عميقاً في ذرات الذات، وككل نوع آخر من العشق هو سيبوح بوجوده في لحظة ما، مؤكداً أن هذا ما يلقنه لطلابه، ويدعوهم إلى التخلص من فكرة التعلم، فاليولة ليست مادة تدريبية، بل هي تجسيد حي لأحاسيس كامنة، ويكفي للمرء أن يتحلل من روادع وضوابط خارجية مفروضة عليه قسراً حتى يجد هذا الفن في متناوله.

على مدارج الرجولة
في محطة الرماية بدا الطلاب المشاركون شديدو الاعتزاز بالنفس، وهم يقبضون على بندقية حديثة ويوجهونها نحو أهداف محددة، استعدادا لإطلاق النار، ثم رصد الإصابات المتحققة، لا بد لكل ذلك من أن يعني أموراً كثيرة، لكنه يعني في جوهره دخولاً مشروعاً إلى عالم الرجولة، وهو أكثر ما يصبو إليه فتية لم يتخطوا ربيعهم الرابع عشر.
يوضح حسن رمضان، طالب في الثانوي الأول، أنه يتواصل للمرة الأولى مع الرماية، وهو فخور بذلك، خاصة أنه أمكنه أن يسجل إصابات تتجاوز قدرات المبتدئين، ويبدو عليه انه مستعد لتكرار المحاولة ما أمكنه ذلك، فثمة أشياء لا يبدو المرء مستعداً للاكتفاء بجزء منها. كذلك هو حال زكريا أحمد، الذي لم يكن قد خرج بعد من أجواء البندقية والرصاص المتجه مباشرة نحو الهدف، إضافة إلى ذلك الصوت الممتع الذي يثيره ارتطام الرصاصة بالجسم الكرتوني الموضوع أمامها، والذي يعني أن المحاولة قد نجحت، لا يخفي زكريا بهجته بالإنجار، ويبدو أنه متشوق لوضع أصدقائه في أجواء الموقف.

اقرأ أيضا