الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي وزير التغير المناخي والبيئة إن فرادة الإمارات وريادتها في بناء عالم أكثر استدامة تستحق القراءة والتأمل، فهذه الدولة التي لم يمضِ على قيامها أكثر من 45 عاماً، استبقت تحذيرات خبراء البيئة من تداعيات التغير المناخي والاحتباس الحراري والتلوث بكل أشكاله، وتحولت بسرعة قياسية إلى مثال في ترويض الصحراء وزراعة المساحات الخضراء وحماية الثروات المائية والحيوانية. ويعود سر هذا الإنجاز إلى علاقة العطاء المتبادل التي نشأت وترسخت بين الإنسان والطبيعة على أرض الإمارات. إنها علاقة وجدانية بامتياز، يحكمها الضمير المسؤول والالتزام العفوي بصون واحترام النّعَم. هذا الوجدان الإماراتي المحِب للطبيعة والمحترم لنظامها والمتناغم مع إيقاعها، شكّل الوعي المبكر للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي سعى طوال حياته إلى مكافحة التصحر وتطويع الشروط المناخية القاسية من خلال التشجير وحماية الثروة الحيوانية والاستثمار في الزراعة وابتكار أساليب الري المتطورة. استبق «فارس الصحراء»، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان، بفطرته الذكية، دراسات العلماء ومنظري البيئة حول المخاطر التي ستتهدد كوكبنا في المستقبل، فحرص على أن تترافق مسيرة العمران والنهضة في بلادنا الغنية بالنفط مع خطط مكافحة تلوث الأرض والهواء والمياه العذبة. وقبل أن يتنامى القلق العالمي من تأثيرات التغير المناخي في السبعينات، كانت الإمارات تزرع الأشجار حول المدن وداخلها للحماية من هجمات الصحراء المحمّلة بالرمال ولتلطيف الجو وتقليل نسبة الرطوبة. وكانت النظم والتشريعات قد بدأت تتبلور لحماية البيئة من آثار النهضة العمرانية والاقتصادية، ما أرسى الدعائم لثقافة حياتية ومهنية تحمي حياة الإنسان والأرض التي سيورثها للأجيال القادمة. أنا من الجيل الذي تربّى على ثقافة زايد، وكان شاهداً على استمرارية وتطور نهجه البيئي المستدام في عهد سيدي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وكل شباب الإمارات فخر بالمسار الذي تسلكه الدولة، في تزامن خططها العمرانية مع سياساتها التنموية المستدامة بحيث لا تؤثر الأولى سلباً على الثانية. يتساءل البعض عن الجدوى من كل الاختراعات العلمية والابتكارات المذهلة التي أنتجها العقل البشري، وكيف استطاع هذا العقل المبدع على امتداد تطوره التاريخي ألا يتوقع أثر ما ينتجه على البيئة، فخلّف وراء إنجازاته أكواماً من النفايات التي تطبق على أنفاس الطبيعة في كل بقاع الأرض، قبل أن يستدرك خطأه ويبتكر مفهوم إعادة التدوير الذي أنتج حلولاً رائعة ليس فقط للتخلص من النفايات بل لإنتاج الطاقة أيضاً! الجواب على هذا السؤال بسيط، لأن في نظام الطبيعة البشرية الحاجة تسبق الاختراع، ولكن عندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية يجب أن يسبق الاختراع الحاجة. نحن ندرك تماماً أن الأسباب الكامنة وراء هذه المخاطر لم تكن يوماً تقنية، بل تتعلق بنهج ومسلكيات خاطئة غلّبت المصالح الخاصة على الخير العام، وأجّلت التفكير بالمستقبل لأنها راهنت على أن الطبيعة تجدد نفسها وتمتلك عناصر استدامتها الخاصة. وتعد سلوكيات المجتمع الخاطئة وتصرفات الإنسان غير المسؤولة مع ما يُحيط به من كائناتٍ ومكونات وعناصر البيئة، المسؤول الأول عن الإخلال بتوازن النظام البيئي، وبالتالي، حصول العديد من المشكلات البيئية التي كان لها أثر واضح في تدهور المنظومة البيئية. إن الخلل الحقيقي يكمن في الثقافة وسلّم القيم الذي ساد العالم منذ قيام الثورة الصناعية إلى اليوم، حيث شكلت وفرة الإنتاج مبرراً للإفراط في الاستهلاك بما يفوق الاحتياجات الأساسية. وعندما تصاعدت أصوات تنذر بالمخاطر البيئية، جاءت الحلول لتعالج النتائج بعيداً عن الأسباب، لتبقى قضايا البيئة في دوامة إعادة إنتاج نفسها. لقد ثَبُت أن التعامل مع الأرض والمناخ كمصدر للثروة، أوصل العالم إلى أزمة بيئية تكاد تتسبب بكوارث إنسانية وطبيعية. من هنا نقول، إن الاعتماد على العقل المجرد وحده في تصحيح مسار البشرية لا يكفي إذا لم يقترن بصحوة وجدانية في نظرتنا لكل ما يحيط بنا من تجليات الطبيعة، فالقيم الإنسانية الوجدانية والعاطفية هي جوهر كل تقدم ورقي. وهي الحصانة للمسلكيات البشرية كافة، الملتزمة بضمان استدامة بيئتنا وجمالها. انطلاقاً من هذه القناعة، حرصنا في دولة الإمارات على إعادة توصيف مفاهيم الإنتاج والاستهلاك وفق قيم نشأنا عليها، فاحترام الأرض ومشاركة خيراتها بشكل متساوٍ وعادل بين أفراد المجتمع الواحد، كان جوهر كل الخطط التنموية المستدامة التي وضعتها الإمارات منذ قيام الاتحاد إلى اليوم. ومن أجل تكريس تلك القيم والثقافة، كان لا بد من سن قوانين تضع الجميع أمام مسؤولية واحدة ومتساوية لصون المنجزات، والمساهمة في تحقيق الأمان البيئي. وعلى هذا الأساس، نستمر في صياغة خططنا المستقبلية، وأحدثها سيكون الدورة الجديدة ليوم البيئة الوطني التي تبدأ في الرابع من فبراير 2017 وتمتد لثلاث سنوات (2017-2019)، وقد اخترنا لها شعار «الإنتاج والاستهلاك المستدامين» وذلك بهدف رفع الوعي بالممارسات المستدامة والمسؤولة تجاه البيئة والإنسان. أمامنا اليوم فرصة جديدة لتعميم التجربة الإماراتية في مجال حماية البيئة، فتبني دولة الإمارات نهج الابتكار الأخضر الصديق للبيئة، وتضمين الأجندة الخضراء في كل الخطط الرامية إلى إدارة الموارد بكفاءة عالية، بالإضافة إلى رؤية أبوظبي البيئية 2030 التي خصصت حيزاً كبيراً للحد من تداعيات التغير المناخي، تقدم للعالم رؤية جديدة للنهج البيئي المستدام. في أجندة العالم، استحقاق مهم يتمثل في الأهداف التنموية التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، والعديد من القضايا المهمة التي دفعت بالحكومات من كل زوايا الأرض إلى التلاقي في عدد من المؤتمرات والقمم للوصول إلى ما يشبه التعهد العالمي لحماية الأرض. ونتطلع إلى القمة العالمية لرئيسات البرلمانات التي ستنعقد خلال شهر ديسمبر الجاري في أبوظبي، لتكون نافذة حيوية لشرح تصور دولة الإمارات لعالم مستدام، ولتكون في الوقت ذاته فرصة مهمة لتبادل التجارب والخبرات، وصولاً إلى صياغة مستقبل أفضل للعالم عبر بلورة تشريعات وقوانين تسهم في عولمة السلوك البيئي المسؤول الذي يخضع للمحاسبة، فهو وحده الكفيل بتحقيق التنمية التي ننشدها جميعاً، وهو وحده الذي ينقل قضايا البيئة من التجاذب الدولي إلى الإجماع العالمي.