على مساحة 1400 متر مربع، يحتضن مهرجان الشيخ زايد التراثي الذي تستمر فعالياته حتى الأول من يناير المقبل، باقة واسعة من الحرف الفنية التقليدية، وجانباً كبيراً من الموروث الثقافي للمملكة المغربية الذي يتميز بفرادة وغنى يجسدان ما صاغته الحضارة الإسلامية في بلاد المغرب، خاصة التراث المعماري والثقافي والحضاري. لكبيرة التونسي (أبوظبي) عندما يدلف زائر مهرجان الشيخ زايد التراثي بوابة الجناح المغربي، البوابة الضخمة التي تحاكي «باب المنصور لعلج» أعظم أبواب القصبة الإسماعيلية بمدينة مكناس، والتي أسسها السلطان إسماعيل، وأتم البناء ابنه عبد الله حوالي 1732، يجد نفسه في مساحة واسعة زينت بديكورات نحاسية وفخارية، تتوسطها أربع نافورات مائية تنساب لتتدفق في نعومة على الفسيفساء الأزرق، تاركة خلفها أصوات خرير المياه الذي يزيد المكان ألقاً. ويستمع الزوار بصوت الموسيقى الأندلسية، وأنغام فرقة «كناوة» المنبعثة من على المنصة التي تتوسط الجناح، حيث يتميز الجناح العديد بزوايا مصممة بعناية كبيرة ليبرز الفن المغربي التقليدي. ويقدم الحرفيون نماذج فائقة، تعبر عن جمال الصناعات التقليدية في المملكة المغربية، التي حضرت بتفاصيلها البديعة من مختلف مدن المغرب التي تتميز بغناها وتفردها وتنوعها، مثل: الرباط سلا، وفاس، والصويرة، ومراكش، ومكناس، وتطوان، وطنجة، وأغادير، وآسفي، والعيون، وبوجدور، والداخلة، والكويرة، وغيرها من المدن العريقة معقل الصناعة التقليدية الزاخرة والمتشبعة بالموروث الشعبي الضارب في أعماق التاريخ. روعة التصميم وعن مشاركة الجناح المغربي التي تأتي بإشراف مؤسسة دار الصانع بوزارة الصناعة المغربية، تقول سميرة مجاهد المسؤولة بالمؤسسة، إن المشاركة في مهرجان الشيخ زايد التراثي، جاءت على قدر كبير من الاهتمام من أجل إبراز الصناعات التقليدية المغربية في أبهى صورة، بحيث يقدم الحرفيون المشاركون في المهرجان لمحة عن الصناعة التقليدية التي يحتفى بها دائماً في المملكة، مؤكدة أن زوار المهرجان يحظون يومياً بمشاهدة هذا المتحف المفتوح الذي ينقل جانباً من الموروث التقليدي الذي تمهر فيه يد الصانع المغربي، موضحة أن الداخل إلى الجناح سيعبر عبر البوابة الضخمة المصنفة كثرات إنساني عالمي من قبل «اليونيسكو»، والتي تتميز بضخامة مقاييسها، إذ يصل ارتفاعها إلى 16 متراً، وتحتوي على باب رئيس مقوس علوه 8 أمتار، كما يستأثر بالزخارف الخلابة المنحوتة على الخزف والجبس والفسيفساء متعدد الألوان، وتتميز بأعمدة الرخام البيضاء، ويتوسط بابين آخرين، بالجمال نفسه. وتضيف: «تم تصميم الجناح المغربي وتصنيعه بالمغرب، واستغرق ذلك أكثر من شهر، وتم تركيبه في أرض الإمارات ليجمع بين أربع جهات «الشمال، الجنوب «الصحراء المغربية»، الوسط الشمالي، الوسط الجنوبي»، ليعكس التنوع الثقافي والتراثي للمملكة، ويضم الجناح الذي تتجاوز مساحته 1400 متر مربع، 28 محالاً لأهم الحرف اليدوية التي يتميز بها التراث المغربي الأصيل الذي لا يزال يحافظ على صورته المضيئة على مر العصور، واستطاع الاندماج مع الفضاء العصري المفتوح، بل يحظى بشهرة عالمية، مثل: النحاسيات والجلود، وصياغة المجوهرات، الخياطة التقليدية كالقفطان المغربي، والنسيج والزرابي، والعطارة، والفخار، والصناعة الخشبية، وزيت أركان، إلى جانب 5 مطابخ، وفرقتين موسيقيتين، وغيرها من الحرف المتوارثة عن الأجداد، وحافظ على استمراريتها الأبناء، وما زالت تحظى بإقبال كبير من هذا الجيل». أرض استثنائية وتلفت سميرة مجاهد إلى أن الجناح المغربي يحتفي مع أبناء الإمارات وجميع الجاليات من زوار «مهرجان الشيخ زايد التراثي» بالصناعة التقليدية التي يتميز فيها الحرفيون والمعلمون المبدعون في هذا المجال، مؤكدة أن الإنتاج المغربي التقليدي الحرفي له شهرته التاريخية الفنية، ويتمتع في الوقت نفسه بأعلى معايير الجودة، وهو ما مكنه من المحافظة على طابعه التقليدي رغم التطورات التقنية والتكنولوجية على مستوى طرق الإنتاج، موضحة أن الصناعة التقليدية في المملكة بخير، لأنها تشهد إقبالاً كبيراً من طرف هذا الجيل، وتنظم لها مهرجانات ومسابقات، وتحظى بدعم وتحفيز من الدولة. وأوضحت أن التنوع في المنتوج الحرفي التقليدي الغني في المملكة، وفّر للعالم مناخاً من الخبرات والذوق والأناقة، حيث التاريخ والحضارة والفنون التقليدية والفلكلور من الميزات التي تجعل المغرب أرضاً استثنائية. الذهب السائل أما زيت الأركان المسمى بـ «الذهب السائل»، الذي يستخرج من لوز شجر الأركان، وهو شجر نادر يوجد بسهل سوس المغربي، ويعمر لمدة 200 سنة وما فوق، فيشغل حيزاً في الجناح المغربي على جهة اليمين، حيث تجلس فاطمة الزغموتي المسؤولة عن جمعية المرأة الصانعة التقليدية، وهي جمعية غير ربحية مقرها أغادير، وتجمع بين العديد من المنتجات، مثل الزربية «السجاد» الخياطة التقليدية، التصميم الداخلي، تزيين العرائس «النكافة»، خلف الرحى لتطحن حبات لوز أركان لاستخراج زيت أركان، كما تطحن اللوز بالطريقة التقليدية وتمزجها بالعسل الحر وزيت أركان لتحصل على مادة متجانسة صحية غنية جداً بالفيتامينات تسمى «أملو». وأوضحت أن الحرفيات المغربيات على الأخص، ما زلن يعملن بالطريقة اليدوية لعصره عن طريق الرحى، لكن تم إدخال بعض الآلات، لكن تحافظ على طريقة العصر التقليدية نفسها، بل بجودة أعلى من ناحية النظافة والجودة والسرعة في الإنتاج. ديكور داخلي فيض وافر من الحرف والموروثات الشعبية للمملكة المغربية التي تتميز بالفرادة، يصعب حصرها في مكان واحد، منها منتجات البقالي الطاهري محمد أمين من طنجة، المتخصص في الديكور الداخلي، والذي يعمل لأكثر من 40 سنة في هذا المجال، يعرض أنواعاً مختلفة من المنسوجات، والمفروشات، والوسائد الطبيعية ذات الخامات المتكونة من الصوف والقطن، ويقول إن جميع المنسوجات تتم عن طريق المرمة «النول» يدوياً، مؤكداً أنه يسعى دائماً للمحافظة على هذا الموروث الحضاري المغربي الذي توارثه من الأجداد، وأبدى حرصه على نقله للأبناء، موضحاً أنه يعمل على إنتاج العديد من القياسات، مستعملاً المرمة مختلفة الأحجام، مؤكداً أن مهرجان الشيخ زايد التراثي استوعب الفن المغربي، واحتفى به بشكل كبير ورائع. خشب البرتقال والعرعار وقبل أن تدلف إلى محال صلاح زكزوني، صانع تقليدي مغربي متخصص في الديكورات والهدايا الخشبية، تصادفك رائحة خشب العرعار التي تنبعث وتستقبلك على مسافة قريبة من المحال، حيث يعرض خيارات كثيرة من المنتجات المصنوعة يدوياً من خامات أنواع عديدة من الأشجار، حيث يوضح أن أدوات المطبخ الخشبية المصنوعة من خشب شجرة البرتقال من أجود أنواع الأدوات المستدامة، فهي تحافظ على لونها، بالإضافة إلى أنها صحية وتتحمل الحرارة. ويضيف زكزوني: «ورثت هذه الحرفة من أجدادي، وأعمل على تطويرها مع المحافظة على طابعها الأصيل، وأعمل على مجموعة من الأخشاب، مثل خشب الجوز، والعرعار المستعمل في صناعة علب المجوهرات والديكور، نظراً لرائحته الزكية، كما أصنع أنواعاً من المشط الصحي من قرن الثور، وهي الصناعة التي أتفرد بها في المغرب، وأصبحت تعرف إقبالاً كبيراً من أوروبا، كما أصنع بعض التراثيات مثل لوح القرآن «المحضر» التي كان يحفظ عن طريقها الطلاب في الكتاب الآيات القرآنية، وهي تعتبر من التراث المغربي الأصيل، إلى جانب العديد من المنتجات التي تتزين بالخط العربي، وغيرها كثير». خزف فاس وتشتهر مدن مغربية عديدة بصناعة الفخار والخزف، ولخزفيات بنزاكور محمد من فاس، قصة جميلة داخل الجناح المغربي، حيث تتميز بجودة عالية، لأنه يصممها من الطين الأبيض الذي يصنع منه الفسيفساء المشهور في المغرب. ويقول بنزاكور: «إنه ورث حب هذه المهنة عن آبائه وأجداده الذين برعوا فيها منذ مئات السنين»، مبيناً أنه يصنع أواني خزفية بأشكال مختلفة منها: الأطباق، والأواني، والطواجن، والصواني، مستحضراً جمال الفن المغربي الأصيل بنقوشه القديمة، مستقياً ألوانه وزخارفه وأشكاله الهندسية العريقة من التراث المغربي الأصيل، فتظهر القطعة الخزفية، وهي في حالة من الإبداع بفضل هذه التنويعات الفنية، حيث النقش عليها، وتلوينها برسوم مختلفة تتداخل فيها الألوان، وتبرز من خلالها الحبكة. ويذكر أنه بعد أن أصبح علامة مميزة في هذا اللون من الفن، يعمل على صنع التحف بأشكالها المختلفة، مضيفاً: «إن كل ألوانها طبيعية، واللون الأزرق وهو لون خزف فاس المشهور، والذي يعرف رواجاً كبيراً، إضافة إلى الألوان المبهجة الأخرى الخالية من الرصاص التي تتماهى مع الطبيعة، وتستمد رسوماتها من الأشكال الهندسية الإسلامية». «خليفة الإنسانية» تدعم 142 أسرة مواطنة في المهرجان أبوظبي (الاتحاد) تشارك مؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، شريكاً استراتيجياً في فعاليات الدورة السابعة لمهرجان الشيخ زايد التراثي تحت شعار «أرض الإمارات ملتقى الحضارات». وتأتي هذه المشاركة ضمن استراتيجيتها العامة التي تهدف إلى دعم المشاريع المتوسطة والصغيرة الخاصة بالأسر المواطنة، والدخول إلى القطاع الخاص، وتسويق المبادرة بوصفها مشروعاً اجتماعياً يهدف إلى تنمية الموارد البشرية عن طريق الاستغلال الأمثل لطاقات وقدرات تلك الأسر من خلال ما يقومون به من مهن وحرف يدوية وصناعات منزلية وتراثية وغيرها. وتسعى المؤسسة من خلال الحي الإماراتي في مهرجان الشيخ زايد التراثي إلى دعم الأسر المواطنة، وخلق مبادرة وطنية اجتماعية بصفة مستمرة، وعلى مدار العام، ولها صبغة اقتصادية تهدف إلى استثمار جهود الأسرة في تحويل المنازل إلى وحدات إنتاج صغيرة أو متوسطة، تساعد على زيادة الدخل، وتأهيل تلك الأسر ليس لتنفيذ مشروعات واكتساب المهارات اليدوية، بل لتحقيق دخل إضافي يرفع من مستواها الاقتصادي.. وتبين للمؤسسة من خلال الدراسات والاطلاع على تجارب الدول الأخرى، أن اقتصادات العديد من دول العالم وبنسب متفاوتة، تصل في بعضها إلى 90%، تعتمد على المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وأوضح محمد حاجي الخوري، المدير العام لمؤسسة خليفة بن زايد آل نهيان للأعمال الإنسانية، أنه بفضل دعم ورعاية القيادة الرشيدة للمهرجانات والفعاليات بشكل عام، والتي تعنى بالتراث بشكل خاص، باتت تحتل مكانة مميزة في أجندة الدولة السياحية والثقافية والاقتصادية. وأكد أن مهرجان الشيخ زايد التراثي يشكل أحد أهم المناسبات التراثية على صعيد المنطقة لاهتمامه المباشر بعرض منجزات تراث الإمارات العريق ومسيرته الحافلة، وأصبح عنصراً مهماً، ويمثل أحد منافذ البيع المتميزة، وفرصة لتقوية قنوات التواصل، والمشاركة وإتاحة الفرصة للأسر المواطنة للقاء الجهات التنظيمية والتدريبية، وزيادة خبرتها ومنحها العديد من فرص المبيعات وزيادة قاعدة العملاء. وأشار إلى أن المؤسسة دعمت في عام 2015 نحو 1162 أسرة مواطنة شاركت في مختلف الفعاليات والمعارض في الدولة، منها 142 أسرة مواطنة مشاركة الآن في الحي الإماراتي في مهرجان زايد التراثي، وذلك من خلال عرض منتجاتها في مختلف المجالات، منها الطهي، والتمور، والأشغال اليدوية والتراثية والتصميم، وإعادة التدوير واستغلال خامات البيئة، والرسم وصناعة البخور والملابس والعبايات والشيل والتطريز. المطبخ المغربي يحضر المطبخ بقوة بالجناح المغربي بمهرجان الشيخ زايد التراثي، حيث يشهد إقبالاً كبيراً نظراً لتوفر جانب من الأطباق التقليدية المغربية ذات المذاق الخاص والطعم الفريد كالحريرة والكسكسي، وطاجين اللحم بالخضراوات، والرغيف والإسفنج. وتتربع الحلويات المغربية، وكؤوس الشاي المغربي «المنعنع» على عرش الطلبات، حيث يتجمع الزوار في الساحة يرتشفون الشاي على نغمات الموسيقى الأندلسية في أجواء تحمل الزوار إلى عالم من عوالم المملكة ذات التاريخ العريق، إلى ذلك تقول فاطمة مياج مسؤولة عن المطبخ المغربي إنها تقدم يومياً وجبات مختلفة منها: شوربة الحريرة، والكسكسي، والطواجن، مشيدة بالتنظيم الجيد، وتوفير كل الاحتياجات بجانب الاهتمام بالنظافة وشروط السلامة. وذكر عمر الرايس المسؤول عن جانب الحلويات المغربية التقليدية أنه جلب الأنواع التقليدية المصنوعة من اللوز من المغرب، ويعمل على بيعها في عين المكان مرفوقة بالشاي المغربي، أما خديجة البوهالي، فتؤكد أن الإسفنج المغربي وهو نوع من المعجنات الشعبية المشهورة يحضر للمرة الأولى في المهرجان ضمن الجناح المغربي إلى جانب المسمن، وهو رغيف يصنع من الدقيق والزبدة والزيت، ويوضع بداخله عسل أو جبن الذي يجهز في عين المكان مباشرة أمام الجمهور.