الإثنين 16 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
أزمة اليونان.. تقوض «الاتحاد» الأوروبي
29 يونيو 2015 00:20

صار القلق ثابتاً من ثوابث الحياة بالنسبة لسكان أثينا هذه الأيام، وهم يواصلون ركوب أرجوحة البقاء والإحياء الاقتصادي منذ سبع سنوات. فالمؤسسات الأوروبية منحت اليونان حزمات إنقاذ مالي وقرّعتها بسبب تبذيرها وإسرافها وخللها السياسي، لكن في غضون ذلك تواصل أوروبا الفشل في التعاطي مع مسألتي بقائها أو هويتها. ونتيجة لذلك، يمكن القول إن ما يشهده العالم حالياً هو الموت البطيء للمشروع الأوروبي والتفكك المتواصل للاتحاد الأوروبي. إن ما بدأ في عام 1951 باسم «مجموعة الفحم والصلب» بين عدد من الدول التي كانت تتحارب في ما بينها، تطور مع مر السنين إلى الاتحاد الأوروبي الذي بات اليوم يضم في عضويته 28 دولة أوروبية. ومثلما قال جان موني، وهو أحد منظري ومؤسسي الاتحاد، الذين يتمتعون بالتبصر وبعد النظر، في عام 1978، فـ«إننا لا نستطيع أبداً التأكيد بما يكفي على أن بلدان المجموعة الستة الأولى هي قاطرة أوروبا أكبر وأكثر وحدة». الأوروبيون المتبصرون الأوائل، مثل موني، كانوا يتخيلون دولة أوروبية اتحادية، على شاكلة الولايات المتحدة الأوروبية، حيث الأشياء التي توحِّد البلدان الأعضاء أقوى وأكثر من تلك التي تقسّمها. دولة تكون فيها مؤسسات سياسية مشتركة وعلاقات اقتصادية متداخلة بشكل كبير. ثم شرع في محو الحدود الوطنية وتحرير التجارة بين البلدان في حل الخلافات والانقسامات الوطنية، حتى عام 2008، عندما ضرب الركود الاقتصادي بلدان الاتحاد بقوة. وفجأة، صار كل رجل لنفسه، إذ سرعان ما أصبحت أوروبا الموحدة والمتعاضدة بيتنا المقسّم. وبدلاً من أن تعمل على توحيد بيتها الداخلي، راحت الدول الكبرى وزعماؤها يفتون ويصفون للبلدان الأصغر والأضعف التي توصف بالطفيليات الوصفات والعلاجات والأولويات. هذه البلدان التي لديها قوة تنافسية أقل -ساهم فيها وساعد عليها زعماء محدودو المواهب- نمت وعاشت على مدى سنوات حياة هنيئة وسعيدة استفادت خلالها من الإعانات والائتمانات الأوروبية السخية والمتدفقة التي توقفت فجأة. وبدورها، أصبحت غير راغبة في إصلاح أنظمة المحسوبية السائدة فيها، ولا تريد العيش في حدود إمكاناتها المالية الحقيقية، معبّدةً الطريق بذلك للأزمة الاقتصادية المتواصلة في منطقة اليورو والمواجهات السياسية التي ما زالت تتسبب في اضطرابات الأسواق المالية العالمية. والواقع أن المسؤولية عن إخفاقات وضعف أوروبا تتحملها أطراف عديدة، غير أن ثمة الكثير من المسؤولية التي تتحملها برلين، وبروكسيل وبعض المستفزين والمبتزين على الأطراف الهامشية لحزب سيريزا اليساري الراديكالي الذي انتُخب مؤخراً والحكومة اليونانية بقيادته. إلا أن المسؤولية ينبغي ألا تقع على الأطراف الأكثر صخباً فقط، وإنما ينبغي أن يتقاسمها أيضاً الأشخاص، الذين تخلوا عن فكرة المشروع الأوروبي الكبير. إن اليونان قد تنجح في أحدث جولة مفاوضات، إما بوعود لن تستطيع الوفاء بها، أو بتفاقم وضعها الاقتصادي! وقد صدق وزير الإصلاح الإداري اليوناني جورج كاتروجالوس إذ قال خلال تصريح له هذا الأسبوع، إن أي اتفاق اقتصادي من دون تخفيف أو شطب للديون لن يعدو أن يكون اتفاقاً «للتمديد والتظاهر»، ليس إلا. وربما تلك أفضل طريقة لوصف الخيال الذي يسمى «الاتحاد» الأوروبي. لذلك، فالقارة اليوم تبدو أشبه باتحاد تجاري أوروبي أكثر منه باتحاد سياسي. أو ربما هي أشبه بـ«كنفدرالية» فاشلة، حيث الفكرة ليست التوحيد وإنما «التمديد والتظاهر» بشيء خيالي اسمه «الاتحاد». فهل سنسمع قريباً دعوات لإزالة أعلام الاتحاد الزرقاء المرصعة بنجمات ذهبية من العواصم الأوروبية؟ ماركوس كونالاكيس* *باحث بالجامعة الأوروبية في بودابيست وزميل زائر لمؤسسة هوفر في كاليفورنيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©