تقارير

الاتحاد

هايتي... الحاجة إلى فيلق للخدمة المدنية

روبرت موجاه - باحث في معهد الدراسات الدولية والتنموية في جنيف
روبرت ماجواير - رئيس مجموعة العمل الخاص بهايتي في معهد أميركا للسلام بواشنطن



ستحتاج هايتي إلى أفكار خلاقة للتعافي وإعادة البناء بعد الزلزال المدمر الذي ضربها بقوة مطلـع الشهر الماضي وخلف حسب آخر الأرقام أكثر من 150 ألف قتيل، فضلا عن الاحتياجات المتنامية لإعادة البناء التي لا تحصى.
ومن بين تلك الأفكار التي تفرض نفسها بقوة اليوم على هايتي تشكيل فيلق وطني من 700 ألف منخرط في الخدمة المدنية يتكون أساساً من فئة الشباب، وذلك لأسباب عديدة أولها أن هايتي بلد شاب تشكل فيه الشريحة العمرية التي تقل عن 30 سنة حوالي 70 في المئة من السكان، فيما تتعدى تلك التي تتراوح بين 15 و19 سنة 50 في المئة من إجمالي السكان.
وإذا كان الخبراء يشيرون عادة إلى العبء الذي يشكله الشباب على بلد معين، لاسيما في حالة الفقر وقلة التعليم كما هو الحال في هايتي، إلا أنه مع ذلك لا يمكن إنكار ما يمثله الشباب في ذلك البلد من معين لا ينضب من الإبداع والابتكار والطاقة يمكن تسخيره لإخراج البلاد من أزمتها، وإعادة بناء نفسها، بعد الدمار الذي لحق بها جراء الزلزال.
ولا يحتاج الأمر إلى كثير من التفكير لإدراك مدى الخسارة الهائلة التي تلحق بالبلدان التي تتوفر على أعداد كبيرة من الشباب دون أن تُفعل تلك الشريحة المهمة من المجتمع لتبقى عرضة للضياع وعدم التوظيف الأمثل لقدراتها.
ولحسن الحظ أن هايتي تتوفر على بيئة ملائمة لتشكيل فيلق الخدمة المدنية هذا متمثلة في المادة 52 من الدستور التي تلزم المواطنين بأداء الخدمة المدنية، على رغم أنها لم تفعل قط.
وأهم من ذلك وجود العديد من المنظمات الهايتية والدولية المستعدة الآن لتعبئة جهودها ومساعدة الحكومة على إطلاق الفكرة وتحويلها إلى واقع. فتفعيل نظام الخدمة المدنية وتشكيل فيلق من المواطنين سيُخرج الشباب من أخبيتهم المنتشرة في المدن بعد الزلزال ويدفعهم للعمل وبذل الجهد لمساعدة بلادهم على التعافي، وقد يبدأون أولا بمركز المدينة لينتقلوا في مرحلة لاحقة إلى غرس الأشجار والعمل في الحقول وتوفير الخدمات في الأرياف، وهو ما سيؤدي إلى قلب الفكرة السلبية السائدة عن الشباب في هايتي. هذا بالإضافة إلى توظيف قدرات الشباب وإمكاناتهم وتسخيرها لأغراض مفيدة، ولاسيما أن نسبة البطالة بين شباب هايتي كانت قبل الزلزال في حدود 50 في المئة، ولذا فإن إعطاءهم فرصة العمل من خلال الانخراط في تعمير البلد سواء في العاصمة، أو محيطها، سيعيد لهم بعض الكرامة الضائعة وينمي لديهم الشعور بالفخر الوطني والانتماء للبلد.
ومن شأن تشكيل هذا الفيلق أن يشجع المجتمع الدولي من خلال فعالياته الأهلية، أو الجهات الحكومية، على الانخراط أكثر في مساعدة هايتي بعدما شهدت جهود الإغاثة الإنسانية مصاعب جمة بسبب غياب التنسيق وضعف إدارة الموارد المتاحة، بحيث سيساعد الفيلق على توزيع المعونات والسهر على وصولها إلى المتضررين في أجواء من النظام والتنسيق.
وبإنشاء الفيلق أيضاً سيتم ضخ الأموال اللازمة في الاقتصاد الهايتي من خلال مد الشباب باحتياجاتهم دون الوصاية الأبوية التي تنحو إليها بعض الجهات من خلال نظام "العمل مقابل الغذاء" وترك فرصة الاختيار للمواطنين عبر تخصيص مبالغ مالية للمشاركين في الفيلق.
ولا ننسى أيضاً المنافع بعيدة المدى لفيلق الخدمة المدنية، لاسيما بالنسبة لهايتي التي تقع في منطقة جغرافية معروفة بتقاطع الأعاصير والكوارث الطبيعية الأخرى مثل الزلازل، ولذا فإن تدريب 700 ألف من شباب هايتي وإخراجهم من الفقر، كفيل بتوفير الخبرات الضرورية للتعامل مع الأزمات المقبلة بتعليمهم المهارات الضرورية مثل الإسعافات الأولية، والتعامل مع حالات الطوارئ، وتسيير دوريات الشرطة وغيرها من أساسيات التعاطي مع الطوارئ.
وكخطوة أولى ربما يمكن لشباب الفيلق العمل على التحضير لاجتماع الأمم المتحدة حول هايتي في شهر مارس المقبل، والتنسيق مع الجهات المختصة لطرح أوراق عمل تحدد احتياجات هايتي المستقبلية وطريق إيصالها إلى المتضررين.
ولابد في هذا الإطار أيضاً من الاستفادة من بعض التجارب الرائدة في سياقات مشابهة مثل منظمة "فيفا ريو" البرازيلية التي وظفت المئات من شباب هايتي بعد الزلزال وأخضعتهم للتدريب، ولم تستثنِ أحداً بما في ذلك أفراد العصابات السابقة لمساعدة سكان الأحياء الفقيرة وتقديم المساعدة للذين فقدوا منازلهم وأصبحوا يبيتون في العراء، بحيث يمكن للفيلق الجديد أن يستفيد من تجارب كهذه لاستقطاب الشباب لمدة لا تقل عن سنتين. وبالطبع لن يخرج هذا الجهد عن الإشراف الحكومي الذي سيراقب تشكيل الفيلق ويسهر على تسهيل مهمته ومده بما يلزم من صلاحيات لمساعدة الأهالي والمشاركة في عملية إعادة الإعمار وذلك تماشياً مع الدستور الهايتي نفسه.
وقد أبدت العديد من الدول والمنظمات غير الحكومية استعدادها للانخراط في تشكيل الفيلق بتدريب الشباب ومدهم بالخبرات الأساسية وتوعيتهم أيضاً بالحاجة إلى العمل التطوعي لإخراج البلاد من أزمتها، ولاسيما أن وكالات الإغاثة المتواجدة حالياً في هايتي ستغادرها في وقت من الأوقات وسيبقى على الشباب النهوض بالأعباء ومواجهة التحديات بالانخراط الفعال في العمل الميداني والمساعدة في إعادة إعمار البلاد.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم.سي.تي إنترناشيونال»

اقرأ أيضا