تقارير

الاتحاد

«منتدى دافوس» يُشهر إفلاس العولمة!

إيان بريمر
رئيس منظمة «مجموعة أوراسيا»


ثمة رأي يحظى بالإجماع على نحو متزايد منذ أربعين عاماً في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي يذهب إلى أن التدفق الحر عبر الحدود للأفكار والمعلومات والناس والأموال والخدمات يعد خياراً لا يمكن الرجوع عنه، لأنه ميزة تساهم في الرخاء والازدهار بشكل عام.
وعلى غرار ما حدث مع اجتماعات مجموعة الدول الصناعية السبع الكبرى، فقد كان ثمة اتفاق واسع حول الدور المناسب للحكومات في أداء الأسواق.
صحيح أن مسؤولا في الحكومة الفرنسية قد يتلاسن مع مسؤول في أحد البنوك الاستثمارية الأميركية حول المزايا النسبية لإشراف الدولة على الاقتصاد وقوانين العمل الأنجلوسكسونية، إلا أن طاولة النقاش كانت في السابق محجوزة، باستمرار، لأبطال رأسمالية السوق الحر على النموذج الغربي. ولكن ليس بعد اليوم.
الواقع أن فعاليات دافوس كان لها دائماً منتقدون؛ حيث يرى الأشخاص الذين يعتقدون أن العولمة تخدم الأغنياء على حساب الفقراء أن المنتدى إنما وُجد للسماح للأغنياء بالتظاهر بأنهم في أحد مهرجانات الاستعراض والمشهدية.
وهناك أيضاً منتقدون آخرون على شاكلة الرئيس هوجو شافيز الذي يشدد على أن منتدى دافوس يمثل نموذجاً لإمبريالية ما بعد الحداثة، مع إضافة خلفية جبال الألب فحسب.
ثم هناك المنتقدون من المنظمات غير الحكومية الذين يجادلون بأن المنتدى يمثل مناسبة للقاء والاستعراض والاحتفال أكثر منه لحل المشاكل.
وهناك أيضاً القائلون بنظرية المؤامرة الذين يتهمون منتدى دافوس بأنه المكان الذي يضع مندوبو "مجلس العلاقات الخارجية" ورؤساؤهم في "اللجنة الثلاثية" (منظمة خاصة لتعزيز التعاون بين أميركا وأوروبا واليابان) خططاً للمستقبل، ولقضاء بعض الوقت على سفوح الجبال.
ولكن حدث الآن تحول لافت أول مرة، فقد بدأ بعض أقوى الأشخاص داخل المنتدى يطعنون في قيمة العولمة؛ والأمر لا يتعلق هنا بفقراء السنوات الماضية، بل برجال ونساء يقودون بعضاً من أسرع اقتصادات العالم نمواً. وتعود جذور هذا التغير الهائل إلى سنة 2009 الماضية، عندما شكل منتدى دافوس مناسبة لأهم تجمع متعدد الأطراف في العالم، وتميز النقاش بقدر أكبر من الصراحة والانفتاح مقارنة مع أي شيء آخر مما شاهدناه في اجتماعات مجموعة العشرين في لندن أو بيتسبرج، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، أو المؤتمر الدولي حول تغير المناخ في كوبنهاجن؛ حيث اجتمع في دافوس زعماء من القطاعين العام والخاص من أجل نقاش مفتوح وصريح حول الأزمة التي ما زالت تداعياتها مستمرة، وذلك بعد أن خلق التسونامي المالي شعوراً قوياً بالوحدة العالمية في وجه المخاطر.
غير أن هذا الشعور بالأزمة رحل اليوم أيضاً -ومعه مشاعر الوحدة. صحيح أنه ما زال ثمة العديد من المندوبين الذين يحذرون من التأثيرات المستمرة للأزمة المالية وتباطؤ الاقتصاد العالمي، والكثير من القلق حول عدم عودة فرص الوظائف بالسرعة الكافية، ومن أن الأسوأ لم يأت بعد.
غير أن مندوبين آخرين تجاوزوا الخوف مما حدث وانتقلوا إلى استشراف ما هو قادم، حيث يتحدث هؤلاء حول موجة من الشعبوية والحمائية التجارية -والزخم وراء محاولات بعض الحكومات استعمال الشركات المملوكة للدولة، والشركات الوطنية الناجحة المملوكة للقطاع الخاص، والموارد الطبيعية، والصناديق السيادية للهيمنة على الأسواق من أجل تحقيق مكاسب سياسية.
وهذا الحديث حول الحاجة إلى حواجز جديدة وعن مزايا الرأسمالية الموجهة من قبل الدولة يشير إلى أن المنتدى -والاقتصاد العالمي- قد اجتاز منعطفاً حاداً، وأن رأسمالية السوق الحر باتت اليوم أمام منافسة جديدة. فقد نجونا من السفينة الغارقة، والآن بات كل واحد حراً ليختار طريقه. غير أن هذه الدورة من منتدى دافوس جعلتني أتساءل حول ما إن كان العهد الجديد لمجموعة العشرين سيجعل هذا المنتدى في نهاية المطاف قديماً ومتجاوَزاً وفي ذمة التاريخ.
ذلك أنه عندما يتولى مندوبو الولايات المتحدة وأوروبا تشخيص علل الاقتصاد العالمي ويصفون علاجات السوق الحر خلال العام المقبل، فالأرجح أنهم سيواجهون الابتسامات المتشككة على شفاه الآخرين الذين يرون أن الاقتصاد الحر قد فشل، وأنه يتعين على الدول أن تلعب دوراً قيادياً في الأداء الاقتصادي الوطني. ولن يتبقى ثمة شيء ليتفقوا عليه عدا جمال جبال الألب في خلفية المنتدى.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست»

اقرأ أيضا