الاتحاد

دنيا

«البونساي» أشجار قزمة تعمّر مئات السنين

الماء، الهواء، النار والتراب هي عناصر الكون الأربعة ومكوناته، فمن منا لا يعشق الماء الذي يرمز للحياة، أو من باستطاعته الاستغناء عن الهواء الذي يتنفس منه وفيه، أما النار فهي مصدر الدفء والنور أو التراب الذي منه خلق، فما بالك لو اجتمعت هذه العناصر كلها بتناغم وانسجام في فن واحد ألا وهو فن “البونساي” Bonsai، فما هو البونساي يا ترى؟


هي كلمة يابانية تتكون من مقطعين، الأول “بون” بمعنى طبق أو وعاء، و”ساي” ويعني البستنة أو العناية بالبساتين، وبالتالي “بونساي” هو ذلك الفن الذي يعنى بتنسيق الأشجار وتحويلها إلى شجيرات مصغرة وقزمة، عن طريق غرسها بأوعية صغيرة من الخزف المزخرف التي لا يكاد يخلو منها أي بيت ياباني، ولعله أول ما ستلاحظه وتتلمسه عند زيارتك لهذا البلد، أو حتى عن طريق مشاهدة فيلم عن الثقافة اليابانية التي تقدس هذا الفن من حيث الشكل الأنيق والجانب الروحي.
لقد توارث اليابانيون أشجار البونساي التي تعيش لمئات السنين، والتي كانت ولازالت تحمل أسماء أولئك الذين اعتنوا بها في الأزمنة العابرة، لتحمل هذه الأشجار قيمة معنوية كبيرة في نفوس الأجيال المتعاقبة واللاحقة، أما عن جذور هذا الفن العريق فقد ورثه اليابانيون عن أشقائهم الصينيين الذين انتقلت كثير من مظاهرهم الثقافية وتبناها اليابانيون، حيث أن المعلومات والحقائق التاريخية تؤكد ظهور فن “البونساي” منذ آلاف السنين في الصين، وقد بدأ بصورة غير تلك التي نراها في وقتنا الحالي، خصوصا وأنه كان مقتصرا على طبقة الساموراي المرموقة ورجال الدين البوذيين، حيث يتم تقطيع وتشكيل جذوع وأغصان وحتى جذور الأشجار على شكل حيوانات أسطورية وخرافية كالتنين والأفاعي والطيور الضخمة وغريبة الشكل، ولكن مع نقل هذا الفن إلى اليابان تغيرت فلسفته ومبادئه لينتشر بسرعة على كافة الطبقات والمستويات المجتمعية، لدرجة أصبح فيها “البونساي” جزءاً لا يتجزأ ومعلما هاما من معالم الثقافة اليابانية بعاداتها وتقاليدها العريقة.
أي شجرة تختار؟
يخطىء من يظن أن أشجار البونساي هي شجيرات خاصة أو بذور نادرة تحمل في جيناتها صفات القزمية والقصر، وإنما هي أشجار عادية في حال توفرت لها متطلباتها الطبيعية من الماء والهواء والضوء والغذاء فستنمو وتكبر بشكلها وطولها الطبيعيين، أما في حال لو أننا أردنا جعلها أشجار بونساي، فسيتوجب علينا الكثير من الصبر والعناية الفائقة، وبالتالي فإن أي نوع من الشتلات أو الأشجار أو حتى النباتات يمكن تقزيمه وإدخاله فن البونساي، ولعل أشهر هذه الأشجار وأكثرها شعبية نجد أشجار الصنوبر دائمة الخضرة، الأناناس، أشجار الأرز اليابانية، وأشجار الدردار الصينية، كونها تعمّر لفترات طويلة ولها خصائص مميزة.
يخبرنا فايز أحمد -عالم الأحياء والنباتات- قائلا: “لقد انتشر فن البونساي في كافة أرجاء العالم، نظرا لمراعاته للمساحة، حيث يمكن أن تزرع أي نوع شئت من الأشجار والنباتات داخل بيتك، دون الحاجة لتوفير مساحة شاسعة خضراء كحديقة كبيرة أو ما شابه، وكثير من الناس حاليا يفضلون زرع تلك الأشجار متساقطة الأوراق كالزيلكوفا والقيقب الياباني لما يطرأ عليها من تغير في لون أوراقها وحتى عطوراتها تماشيا مع تغير المواسم الطبيعية، فمن موسم البراعم المتضخمة، إلى موسم الأوراق المكتملة، ثم إلى ألوان الخريف الترابية فالفروع العارية، أما الكرز، والتفاح، وأشجار الفاكهة الأخرى فيفضلها الناس لأزهارها وفاكهتها”.
نظام صارم لبونساي ضارب
كما أشرنا سابقا، فإنه يمكن جعل البذور والجذور والغصون لأشجار عادية وتحويلها إلى أشجار بونساي متألقة، تزين أركان المنزل من الداخل بأشكالها الزخرفية وأوعيتها الملونة الخزفية، لذا لابد من تتبع خطوات نظام صارم في العناية بهذا الفن يلخصه لنا فايز أحمد في النقاط التالية:
- خلق التوازن في الشجرة أو النبتة عن طريق تقليم الفروع غير اللازمة .
- رسم انحناءات واعوجاجات محددة الاتجاه عن طريق لف الجذع والفروع بسلك معدني مناسب.
- معرفة دقيقة لخصائص ومميزات الشجرة بغية استغلالها في طريقة رسمها وتشكيلها وفق الصورة المرجوة.
- تغيير التربة بشكل دوري، مع العناية المستمرة للحوض أو الوعاء المغروسة به الشجرة لتنشيط نموها.
- تنظيف الشجرة أو النبتة عن طريق إزالة البراعم والجذور القديمة.
- العناية بالجذور الرفيعة عن طريق توفير الأملاح والمعادن الضرورية لمساعدتها على النمو وامتصاص المياه.
اكسسوارات وتماثيل لحداثة التصاميم
القاعدة الذهبية تقول: “إذا أعجبك شكله ومظهره، فهو بكل تأكيد بونساي جميل”، لقد أطلق هواة ومبدعو فن البونساي العنان لأفكارهم وخيالاتهم، فابتكروا أساليب حديثة فيه كاستخدام الصخور والتماثيل والطحالب ليزينوا بها محيط تلك الأشجار، كما أن طريقة عرضها قد تطورت مع تطور التقنيات والتكنولوجيا.
أما عن أشكال البونساي، فتتخذ شجيراته تصاميم عدة، حيث يكون قوام جذعها منتصبا تارة، ومتعرجا أو متموجا تارة أخرى حتى يعطي نفس شاكلة الأشجار الموجودة في الطبيعة، وعموما فهناك خمسة أنواع أساسية لتشكيل أشجار البونساي وهي:
1 ـ البونساي العمودي المنتصب، يناسب فصيلة الصنوبريات، كاللاركس والعرعر والصنوبر.
2 ـ البونساي العمودي اللامنتصب، نتيجة ميلانها تجاه الضوء، ويناسب هذا التصميم أغلب أنواع الأشجار.
3 - البونساي المائل، لا يختلف هذا الشكل كثيرا عن الشكل العمودي اللامنتصب، إلا أن الجذع يكون مائلا بزاوية أكبر، كما يراعى أن تنمو الجذور على سطح التربة.
4 ـ البونساي الشلال، ويناسب هذا التصميم أغلب النباتات غير المنتصبة.
5 ـ البونساي شبه الشلال، ويناسب هذا التصميم جميع النباتات تقريبا عدا النباتات ذات الجذوع العمودية المنتصبة

اقرأ أيضا