الاتحاد

عربي ودولي

مظاهرات الإخوان المسلمين في مصر بين المناورات الداخلية والرسائل الخارجية

محمد أبو الفضل :
تحفل الساحة المصرية بتحركات سياسية متعددة واجتهادات دستورية متباينة ، فالحكومة مشغولة بإدخال عدد من الإصلاحات وإعادة صياغة المادة 76 من الدستور، وقوى المعارضة منهمكة فى المطالبة بتوسيع نطاق المشاركة السياسية وتوفير الأجواء الملائمة لإجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة بين أكثر من مرشح دون قيود تعجيزية، والجديد فى هذه المعادلة ظهور بوادر للاحتكام الى الشارع مباشرة ، فقد وضعت نواة هذا الاتجاه حديثا الحركة المصرية للتغيير (كفاية) ثم تلتها بعض أحزاب المعارضة، وأخيرا قررت جماعة 'الإخوان المسلمين' المحظورة رسميا النزول الى الشارع لأول مرة منذ فترة طويلة بمفردها، عندما نظمت مظاهرة محدودة فى السابع والعشرين من مارس الماضى بالقاهرة ، أجهضتها أجهزة الأمن مبكرا ، لكنها أثارت تساؤلات وتكهنات مختلفة ، من حيث أهدافها وتوقيتها والرسائل التى تنطوى عليها ، حيث درجت الجماعة أن يكون سلوكها السياسى هادئا ، مبتعدة (قدر الإمكان) عن الصدام مع الدولة وأجهزتها ، بل على العكس حدثت فى الآونة الأخيرة تحالفات وتقاربات مع بعض فروعها النقابية ، فلماذا جرى ما جرى ؟
هناك جملة من الاجتهادات الرائجة فى مصر بشأن المظاهرة الأخيرة للإخوان ، يمكن حصرها فى زاويتين ، الأولى تقول انها جاءت كاستعراض لقوة الجماعة ، مستفيدة من النشاط الزائد فى مصر حاليا والتراجع النسبي فى القيود المفروضة على الحريات ، من أجل إسماع صوت الحركة الإسلامية ، فى وقت بدأت التيارات العلمانية تعلن عن نفسها بصورة متصاعدة ، بما يوحي بخفوت نجم التيار الاسلامي ، ونجاح الدولة في تطويقه ، وأرادت أن تؤكد وجود التنظيم وصعوبة تجاهله من قبل الحكومة والمعارضة ، فضلا عن محاولة إظهار الثقل السياسي والشعبي ، غير أن ما حدث فعلاً لا يعزز هذه الأهداف ، وبصرف النظر عن الأدوات الأمنية لإجهاض المظاهرة ، فإنها بدت عشوائية وربما أساءت أكثر مما أضافت ، فالشارع المصري مليء بالاحتقان والأزمات الاقتصادية ولا يتحمل مظاهرات قد تنحرف عن مساراتها ، وبدلا من استعراض القوة كشفت عن عيوب الجماعة التنظيمية ، فوسط كل المحن والاختبارات التي دخلتها نجحت فى الحفاظ على التنظيم وهياكله ومؤسساته، لكن فى الفترة الأخيرة ظهرت عليها علامات تشقق ومؤشرات انحدار وعلامات اهتزاز ·
غزل سياسي
والزاوية الثانية ، رغبتها فى مغازلة الحكومة المصرية وتوصيل أكثر من رسالة لبعض الجهات الخارجية ، فالمظاهرة كان من المتوقع أن تكون حاشدة ، لتحدث تشويشا على حركة 'كفاية' الصاعدة ، وتشي بأن الجماعة هي الوحيدة القادرة على مواجهتها ووقف تمددها ، وما حدث مع الإخوان ومظاهراتهم كان بمثابة مقدمة أو بروفة لإجهاض مظاهرات 'كفاية' فى القاهرة والاسكندرية والمنصورة فى الواحد والثلاثين من مارس الماضى ، فالأمن الذى استطاع احتواء وتطويق مظاهرة الإخوان لا يمكنه أن يترك للآخرين حرية التظاهر ، وهو ما يتناقض فى جوهره مع المظاهرات التى تركتها الدولة ، بما فيها مظاهرة للإخوان المسلمين فى استاد القاهرة ضد غزو العراق قبل أكثر من عامين ، لذلك فحدوث أو منع المظاهرات له أهدافه السياسية عند الدولة، وإذا رأت تناقضا بين أغراضها (الدولة) وأهدافها (المظاهرات) تلجأ الأولى إلى سلاح القانون الذي يمنع التظاهر ، كما أرادت جماعة 'الإخوان المسلمين' أن تكشف عن ما يوصف بـ'الوجه الحضاري' للمظاهرات الذي أضحى شائعا فى كثير من الدول ويحظى بتعاطف لافت ، فهذه الرسالة يمكن أن تفهمها دوائر خارجية على أنها مسايرة للموجة الجديدة التي تتبناها وتستطيع الجماعة التكيف مع معطياتها ، خاصة أن مظاهرة الإخوان نأت فى خطابها (لأول مرة) عن مهاجمة القوى الكبرى وصب اللعنات عليها ، وكانت غالبية شعاراتها حول الإصلاحات الداخلية التي يطالب بها الغرب حاليا ·
والواقع أن كثيرا من المراقبين لاحظوا درجة واضحة من درجات التناقض فى الخطاب الرسمي للجماعة ، وكانت أكثر تجلياته فى الموقف من ترشيح الرئيس حسني مبارك أو نجله والإصلاحات السياسية المطلوبة ، فالمرشد العام محمد مهدي عاكف وقع فى هذا الفخ من قبل عند بداية الحديث عن تعديل المادة 76 ، وأعاد نائبه محمد حبيب قبل أيام المشهد نفسه ، حيث قال للوكالة الفرنسية فى تصريح بثته فى التاسع عشر من مارس الماضى أن 'الجماعة ستؤيد ترشيح الرئيس مبارك أو نجله ، إذا ما اتخذت إجراءات فعلية للإصلاح السياسي'، وبعد يوم واحد فقط نفى حبيب هذا التصريح وقال ان 'الإخوان لن يدعموا الرئيس مبارك ، لأن حالة الانسداد السياسى التى تعيشها مصر والجمود الذي يشوب عملية الإصلاح كانت من الممكن أن تنقضي ، ومن تسبب فى ذلك لن يدعمه الإخوان ، كما أن الموقف نفسه مع نجل الرئيس ، ونحن لم نقرر بعد الرد في التوريث المحتمل ، لكننا نرفضه رفضا باتا'، ومع أن هذا التصريح يعيد شيئا من التوازن لموقف الجماعة، إلا أن تزايد حالات نفي تصريحات قياداتها يضاعف من اتهامها بالمناورة ويشكك فى مصداقيتها السياسية وشفافيتها الإنسانية ، فالانتهازية الضيقة تفقدها جزءا من رصيدها التاريخي ، الذي بدأ يتآكل فى الآونة الأخيرة ، بفعل صراعاتها الداخلية وخلافاتها الجيلية ، وبدا كل من يحاول الإصلاح في هياكلها وتطوير مؤسساتها يتعرض لاتهامات متعددة ·
وأكثر الإشكاليات المطروحة على الجماعة الموقف من التعامل مع الولايات المتحدة ، فواشنطن بدأت حوارا طويلا مع عدد من الحركات الإسلامية ، بما فيها الإخوان المسلمين، وحرصت بعض مراكزها الأكاديمية على عدم تجاهلها فى تحليل دورها ، بوصفها من المعتدلين فى ممارسة العمل السياسى ، وفهمت بعض الأوساط الإسلامية من الإشارات الأميركية المتتالية أن الفرصة مهيأة دوليا للانخراط فى الحكم أو المعارضة السلمية ، ففى هذا السياق قالت كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية لصحيفة الواشنطن بوست قبل أيام ان 'إدارة الرئيس بوش ستواصل ضغوطها لإجراء انتخابات رئاسية تنافسية فى مصر هذا العام · وأضافت إننا لا نبالي كثيرا بما يقال عن أن المتطرفين الاسلاميين سيحلون محل الأنظمة ·· وأوضحت أن التطرف تتعمق جذوره فى غياب القنوات الأخرى للنشاط السياسي ، ولم يعد ممكنا الدفاع عن الوضع القائم'، وهناك اتجاه يمثله عدد من شباب الجماعة يرى ضرورة فى الحوار مع الولايات المتحدة ، حتى تخفف الدولة من قسوة تصرفاتها الأمنية ودخول اللعبة السياسية من أوسع أبوابها ، فى حين يرى آخرون فى هذا الاتجاه نوعا من الانتحار السياسى فى وقت يتهم كل من يتعامل مع جهات خارجية بالعمالة والابتزاز ، وبالتالى إذا كان لابد من حوار مع الدولة وأجهزتها ، حتى يمكن تخطي الفترة الحرجة المليئة بالهواجس المشتركة ، ومن المحتمل أن تشهد فرزا لكثير من التيارات ، فالمراوحة الراهنة من الواجب أن تستقر على حال، تريد قيادات الجماعة أن تكون في بؤرته لتتجاوز مرحلة التهميش التي كبدتها خسائر سياسية كبيرة ·
تحولات داخلية وخارجية
على ضوء المعلومات والاستنتاجات السابقة من المرجح أن يشهد الموقف الرسمي من الإخوان المسلمين بعض التحولات فى ظل ظهور مجموعة من التغيرات في الأفكار والاجراءات ، أهمها الحديث الدائم عن الحاجة لإصلاحات داخلية وكذلك النظرة الأميركية الناعمة لهذا التيار ، وتشجيعها لدخوله الحياة السياسية من أبوابها الشرعية ، والتعامل العربي الإيجابي مع عدد من أنصار التيار الاسلامى عموما فى العراق وفلسطين والأردن ولبنان والمغرب والسودان واليمن والكويت ، كما أن هناك تطورا فى الفضاء الإقليمى يصعب تجاهل تداعياته ، ففى تركيا حكومة حزب العدالة والتنمية ذات التوجهات الإسلامية الناصعة ، والتى أضحت فى بعض الأدبيات الغربية نموذجا مطلوب تعميمه في المنطقة ، علاوة على التعامل المصري ذاته مع حركتي الجهاد وحماس فى الحوار الوطني الفلسطيني ونجاح القاهرة في إقناعهما بأهمية التهدئة مع اسرائيل في الوقت الراهن ، ما يشكل في مضمونه اعترافا بدور هذا التيار ، وجاء إعلان حماس للمشاركة في الانتخابات التشريعية بعد البلدية واستعدادها للانخراط فى العمل السياسى الى جوار حركة فتح ، ليفتح نافذة إيجابية لمعظم عناصر التيار الاسلامي فى المنطقة العربية ، بما فيها الإخوان المسلمين فى مصر ، ناهيك عن تحالفات بعض المنتمين لمؤسسات الدولة مع الجماعة في عدد من الانتخابات النقابية ، ما يؤكد أن المصالح السياسية تلعب دورا مهما في التقريب بين الفرقاء ، فقد حدث ذلك فى نقابتي الصحفيين والمحامين لضرب المرشحين الناصريين ، لكنهما نجحا برغم ضراوة التكتل ضدهما ·
ويترتب على التعامل الإيجابى مع الإخوان المسلمين ثلاث نتائج رئيسية ، الأولى تخفيف الضغوط الواقعة على الجماعة ومنحها المزيد من حرية الحركة السياسية ، والثانية إمكانية أن يقلل الاعتراف الرسمي بوجودهم من التأثيرات السلبية للحظر المفروض عليهم منذ فترة طويلة ، والثالثة فتح قناة غير مباشرة يمكن أن تعوضهم عن التجاهل الظاهر من قبل قوى المعارضة المصرية فى حواراتها بشأن الإصلاحات السياسية ·
والشاهد أن هناك سلسلة من التطورات يمكن أن تساعد على تقبل التعاطى مع الجماعة ، وتعكس تقدما فى منهجها الفكري ، بما يتلاءم مع متطلبات العصر ومقتضياته السياسية ، أهمها الرفض المعلن والقاطع للعنف والتأييد الواضح والتام للإصلاح السلمي، ومحاولة اللجوء للقنوات المشروعة ومحاولة الالتزام بالقواعد القانونية للتعبير عن نفسها ، ونضج عدد كبير من قيادات الجماعة وانخراطها فى المجتمع المدني وجمعياته ، فضلا عن التراجع الظاهر في أدبياتها حول الدولة الدينية ، وثمة من أشار فى أوساطها الى أن المشكلة ليست في بناء الدولة الإسلامية ، إنما فى كيفية بناء دولة يمكن من خلالها للإسلام والمسيحية أن يزدهرا كإيمان وأخلاقيات ، الأمر الذى جعل الباحث آلان روسيان مدير مركز الوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية الفرنسى يؤكد أن هذا المفهوم 'مطابق لمجرى التاريخ' ، وبالتالي نحن بانتظار المزيد من التداعيات في تغيير أنماط العلاقة بين الدولة والإخوان المسلمين ، والتى قد تصل الى حد التخلي عن استخدامهم 'فزاعة ' فى الداخل وأداة لتبرير بعض التصرفات للخارج ، والاحتكام الى صناديق الانتخابات لمعرفة الأوزان النسبية والحقيقية لكل القوى السياسية ·

اقرأ أيضا

بومبيو يؤكد تركيز أميركا على التهديد الذي تمثله إيران