الاتحاد

ثقافة

ثقافة «السوشيال ميديا».. غاب الوعي فحضر الضجيج

هزاع أبوالريش (أبوظبي)

في ظل الأوضاع الراهنة، التي تشهدها المنطقة، وانتشار برامج مواقع التواصل الاجتماعي، «السوشيال ميديا»، التي أصبحت أحياناً عبارة عن أوعية فارغة تغص بالتشاحن والتطاعن، وبأفكار سطحية لا تمت إلى حرية الرأي والفكر واحترام الآخر بأي صلة، بل قد لا تعدو أن تكون لدى البعض فقاعات واهية تسبح في الفراغ ثم تتلاشى مع الوقت دون أي فائدة. فكل ما نشاهده اليوم من إسفاف واستخفاف في الطرح والمشاركات غير الواعية خلال تلك البرامج الحديثة، يفرض علينا أن نقترب من المشهد عن كثب، ثم التأمل فيه مع الرد على بعض التساؤلات المتناثرة، فالثقافة؛ في وضع كهذا، مطالبة بأن تقف، وتنهض منتشية بروح الفكر، لأنها من المفترض أن تكون هي السلاح الحقيقي لمواجهة الفكرة بالفكرة، وعلى المثقفين أن يدركوا مكانتهم، ولا يتركوا العالم الافتراضي لكل من هب ودب من عديمي الفكر والرأي.

يقال: «إذا كانت العربات الفارغة أكثر ضجيجاً، فمن الضروري، أن يكون هناك معيار ما يحدد مستوى هذا الضجيج»، وما من معيار سوى العقل الراجح بالعلم والمعرفة، والثقافة الواعية التي تثمن قيمة الكلمة. ومن هنا كان السؤال: ما دور المثقف في ظل غياب الوعي؟ وما المسؤوليات التي تقع على عاتقه في مواجهة الإسفاف والتسطيح؟

المثقف مسؤول
يدعو الدكتور محمد حمدان بن جرش، رئيس مجلس أمناء جائزة مليحة الأدبية، المثقفين إلى القيام بمسؤولياتهم، وعدم الاكتفاء بما يقدمون من الإنتاجات الإبداعية، ويقول: «يفترض في المثقف ألا يقف عند منتجه الإبداعي والثقافي فقط، وإنما يعمل على ترسيخ مفهوم الثقافة الواعية من خلال قلمه، وفكره، عبر مشاركاته في مواقع التواصل الاجتماعي، لأن انعزال المثقف قد يعطي لآخرين الفرصة لبث سمومهم من خلال الفجوات والثغرات الموجودة في تلك البرامج. إن المثقف بانعزاله عن عالم السوشيال ميديا، كأنما يحجب دوره الإنساني والحضاري. وفي الوقت ذاته على المثقف أن لا يقحم نفسه في أمور بعيدة عن تخصصه كوننا نعيش في زمن التخصص، ولا ينبغي علينا تجاوز التخصصات حتى لا ندخل في المحظور، والخوض في اللاوعي».
وتابع بن جرش: على المثقف الخوض في التخصص الذي يفهم فيه، ويستوعبه العقل الآخر حتى لا تتشتت المسائل، وتغيب الفكرة، فالمجتمع الافتراضي تجد فيه المتعلم والجاهل، والمفكر والسطحي، فتلك المستويات ينبغي الوصول إليها باحترافية واعية، وذكاء عالٍ، دون أي إجحاف أو تهميش للآخر، بعيداً عن التصادم والتشاحن والخلاف الذي لا يحل أي قضية. لأن الإدراك والوعي يختلف من شخص لآخر، فمنهم من يفهم بإيماءة ومنهم بعد محاضرة كاملة، والبعض قد يفهم بعد المرور بأزمة، فكل هؤلاء ينبغي علينا الوصول إليهم بذكاءٍ فائق للدخول إلى قلوبهم بسهولة واحتوائهم، لبناء قاعدة إبداعية تساهم في طرح الحلول التي تخدم المجتمع وترتقي به نحو مستقبلٍ مشرق.

نتائج وخيمة
ويرى الكاتب والشاعر عبدالله محمد السبب أن مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تلعب دوراً مهماً إذا أحسن استخدامها وتسييرها، ويوضح: «مواقع التواصل الاجتماعي هي جسور عبور بين طرفي المعادلة -المرسل والمتلقي- وبالتالي هي وعاء للعديد من القضايا والأفكار المتداولة في العصر الراهن، فإذا ما تم تسييرها بوعي وإدراك عبر الإجابة على الأسئلة بعينها (متى، ماذا، كيف، لمن نرسل؟)، فإننا حتماً سنصل إلى الهدف المنشود، وهو الاستخدام الأمثل لتلك المواقع بكافة تفاصيلها ومفرداتها، وإذا جرى استخدامها بشكل عبثي غير حضاري، فإن النتائج المترتبة على ذلك وخيمة وغير مسؤولة».
ويضيف السبب مستدركاً: «يجب أن نعي كيف نستخدم تلك الوسائل بما لا يتعدى على حرية وحقوق الآخرين، وبما لا يتجاوز الخطوط الحمراء للمجتمع وقوانين البلد وأعرافه وتقاليده، فأحياناً قد نتداول الرسائل الاجتماعية دون أن ندرك أن بعضها يحمل دلالات غامضة أو قد يُساء فهمها، ما يفرض علينا تجنب تداولها، وأحياناً أيضاً قد نتداول ما يصلنا من معلومات ومقاطع مرئية أو صوتية دون التحقق من صحتها، فيؤدي ذلك إلى حدوث شرخ في المجتمع والوقوع تحت طائلة القانون. ولذلك، أرى من الضروري وجود ثقافة توجيهية في كل بيت ومدرسة وفي المؤسسات الوظيفية المختلفة، كما يجب أن يكون لأصحاب الفكر دور واضح وصريح في توعية المجتمع بالوسائل السليمة، وبالأساليب الجاذبة بالمنطق والبرهان».

وقفة صارمة
تقول الكاتبة عائشة سلطان: في بداية الأمر علينا تحديد من هو المثقف، وهل هو متواجد بالفعل في مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل من الضروري أن يكون موجوداً ومشاركاً؟ وهل له سجالات ومشاركات وتفاعل واضح من خلال تلك المواقع، أم هو مجرد مراقب يدرك ما يجري في تلك المواقع من حوارات ونقاشات ولكنه لا يتدخل فيها ولا يناقش، فقط عبارة عن متابع صامت لما يجري حوله؟
علينا أن نحدد من هو المثقف هنا، وما دوره، وبعد ذلك نستطيع أن نتناول لب الموضوع بمخرجات بناءة تخدم الأمر، وكيف يستطيع المثقف، سواء كان مشاركاً وفاعلاً أو مراقباً في مواقع التواصل الاجتماعي، أن يكون متواصلاً مع شرائح المجتمع بآرائه وأفكاره ووجهات نظره الثاقبة.
وتضيف عائشة سلطان: على المثقف أن يقف وقفة صارمة وحازمة أمام التساؤلات المتناثرة في مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين الحرية والمسؤولية في التعبير، وأن تكون هناك إنتاجية فاعلة يستطيع المجتمع استنتاج المفيد من المواضيع المطروحة بعيداً عن الغوغائية والتشتت الفارغ. على المثقف أن يتفهم احتياجات الشرائح الاجتماعية، وأن يكون واعياً بما سيقدمه للناس، حتى يلامس مشاعرهم ويكون قريباً منهم.

غياب الضوابط
ترى الدكتورة رفيعة غباش، أستاذة في الطب النفسي، أن الغالبية العظمى من المثقفين للأسف منسحبون من الفضاء التقني لأنه خالٍ من القوانين والشرائع والأنظمة التي تحكم المسألة، فالكثير تراجع وانسحب، والموجود منهم موجود بتحفظ تام بعيداً عن التواصل والتداخل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتلاطم الأفكار كموج البحر الهائج. فلا نستغرب من غياب دور المثقف في مواقع التواصل الاجتماعي، إن كانت لا توجد في الأساس أي ضوابط تنظم تلك المواقع والبرامج الحديثة.
وتؤكد د. غباش أن المثقف أكبر من كل تلك المشاحنات والادعاءات والإشاعات والتفاهات التي تتداول في مواقع التواصل الاجتماعي من بعض النفوس الصغيرة، والبغيضة، ولا أعتقد أن لديه الوقت لأن يقنع الآخرين بأفكار لن تصل إليهم أساساً بمجرد جدالاتٍ وهتافاتٍ وصراعاتٍ عشوائية متناثرة في مهب الريح، في أرجاء فضاءات تلك المواقع.

اقرأ أيضا