الاتحاد

عربي ودولي

الأزمة الدستورية في قرغيزيا

السعد عمر المنهالي:
لم يكن نقد 'سيرغي لافروف' وزير الخارجية الروسي على ما صرح به 'خافيير سولانا' الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي بقوله 'إن الأوروبيين قلقون من ألا تكون الانتخابات البرلمانية - في قرغيزستان- لبت معايير منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، ولا معايير دولية أخرى في عدد كبير من المجالات'، بعيدا عن الواقع، بل لعل الكلمة التي وصف بها وزير الخارجية الروسي الرأي الأوروبي بـ'الحكم غير السليم' قد لا تكون الكلمة الملائمة لوصف الحالة التي تسببت بها منظمة الأمن والتعاون الأوروبي في الجمهورية الآسيوية الفقيرة·
المثير بالفعل هو أن النقد الأوروبي لسير الانتخابات في هذه البلد لم يكن الأول من نوعه، فقد كانت قد انتقدت مسبقا الانتخابات البرلمانية التي جرت في فبراير عام 2001 وكذلك الانتخابات الرئاسية التي جرت في أكتوبر من العام ذاته، غير أن نجاح انتقاداتها الحالية قد دعم لتدخل جديد للأوروبيين وفتح المجال لدور أكبر في التدخل بالشأن القرغيزي الداخلي، غير أن هذا لم يفلح لتدارك تداعيات دورها الذي بدأته سابقا·
من أكاييف إلى باكييف
إن كان البرلمان الحالي في 'جمهورية قرغيزيا' -الذي جاءت به الانتخابات الأخيرة في السابع والعشرين من فبراير -13 مارس 2005- شرعيا، فلماذا إذا كانت الاحتجاجات التي خرج المتظاهرون القرغيزيون لعشرة أيام متواصلة فيها يجوبون الشوارع، رافعين لافتات ضد الحكومة وتزويرها للانتخابات؟!
بالتأكيد فاجأ الكثير من المهتمين بالأحداث في جمهورية قرغيزستان الفقيرة، تأكيد 'كرمان بك باكييف' احد أكبر رؤوس المعارضة ورئيس الوزراء المؤقت للبلاد في الثامن والعشرين من مارس الماضي 2005 على شرعية البرلمان، بعد أن كان البرلمان ذاته قد صادق على تعيين 'باكييف'، وتبدو الغرابة كون البرلمان ذاته هو الذي طالب الرئيس الهارب 'عسكر أكاييف' في الثالث والعشرين من مارس الماضي -بعد اندلاع موجة الاحتجاجات في البلاد- بإعلان حالة الطوارئ لإخماد احتجاجات المعارضة غير أن 'أكاييف' رفض ذلك معتبرا- كما نقلته المصادر الإعلامية- أن القوة ليست السبيل الأمثل لحل الأزمة'·
ولعل استمرار نفس المجلس الذي اعترضت الاحتجاجات على طريقة وصول نوابه - بحجة أن أغلبهم موالون للرئيس 'عسكر أكاييف'، كما قالت المعارضة سابقا- دلالة على حالة من اثنتين، إما أن الاحتجاجات كانت لها أهداف أخرى غير ما أعلنته المعارضة من دعوى ظلم الحكومة في تنظيمها انتخابات غير حقيقية ونزيهة، وأن الأمر كان مجرد حجة قابلة للاستمرار للتوصل إلى مكاسب سياسية أكبر بعدما حصر عدد نوابهم في البرلمان الجديد إلى 6 نواب فقط· أما الدافع الثاني فكان قلب نظام حكم 'عسكر أكاييف' رغم اقتراب نهاية ولايته الثانية، وذلك تخوفا من بقاء نفس دائرته السياسية بعد أن نجح أغلب مواليه وابناه في دخول البرلمان الذي من المفترض أن يخرج منه الرئيس الجديد·ولعل ما جرى في موسكو من زيارة ستة من أعضاء البرلمان القرغيزي في الثالث من ابريل 2005 للرئيس الهارب 'عسكر أكاييف' لحثه على تقديم استقالته من رئاسة البلاد· وقد بدا سعيهم حثيثا لهذا الأمر لدرجة التوفير عليه مشقة العودة إلى قرغيزستان لإعلان الاستقالة هناك، بل وإصدار موافقة من المحكمة الدستورية باكتفائها بإصدار بيان من الرئيس 'أكاييف' يكون قد وقع أمام شهود فقط·
وفي الحالتين كلتيهما لا يوجد مبرر شرعي لما قامت به المعارضة من تحريك الشارع القرغيزي، وهو تماما ما عبر عنه الرئيس الروسي 'فلاديمير بوتين' بتنديده بالطريقة غير الشرعية التي جاءت بها المعارضة إلى سدة الحكم في قرغيزيا، غير أنه لم يقدم دعما مباشرا للرئيس المخلوع 'عسكر أكاييف' -على عكس ما فعل في أوكرانيا- واكتفى بعدم التنديد به، بل وأبدى استعداد بلاده لاستضافته في حالة طلب الأخير ذلك· يضاف إلى ذلك ما يعرضه رموز المعارضة وعلى رأسهم الرئيس الجديد 'كرمان بك باكييف'، بالإضافة إلى زعيمة حزب 'أتا جورت' ووزيرة الخارجية السابقة 'روزا أوتانبايفا' من استعدادهم لتقديم كافة الضمانات القانونية والدستورية للرئيس 'عسكر أكاييف' في حالة رغبته في العودة إلى بلاده، وتبدو في هذا المطلب غرابة أخرى كونه يبطل الحجة التي ادعاها المحتجون وقت التظاهرات بأن الفساد المستشري في قرغيزيا سببه الرئيس وأسرته وبطانته التي استحلت البلاد، مما يجعل من أمر محاكمته -من المفترض- مطلبا شعبيا تتبناه رموز المعارضة·
صور قديمة وإطار جديد
بدت الحجج التي رفعتها المعارضة منذ البداية غير مقنعة، وخاصة بعد النتيجة التي آل إليها الأمر· فخروج العامة بهذه الطريقة لدرجة ارباك الأمن العام، والسيطرة على المباني الحكومية ومن ثم رحيل الرئيس، كان يحتاج إلى أسباب منطقية قوية لحدوثه، خاصة وأن ما حدث في الانتخابات البرلمانية من تجاوزات في بعض الدوائر الانتخابية في الجنوب، وفرض شروط قسرية على بعض المرشحين، والحديث عن ضغوط على وسائل الإعلام منعت من انتخابات تشريعية متكافئة لكافة المرشحين· وكلها أمور كان يمكن تجاوزها بفتح تحقيق فيها، وإجراء بعض الانتخابات التكميلية، وهو ما كان بالفعل قد وعد به الرئيس 'عسكر أكاييف' بعد تصاعد موجه الاحتجاجات في 'أوش' و'جلال أباد'، غير أن الاحتجاجات لم تدخل حتى في حوار معه رغم دعوته لذلك، بل وأعلنت رموزها رفض هذا الأمر نهائيا بعد أن نجحت في تحريك الشارع، وطالبت بتنحيه· ويبدو من هذا أن تطلعات رموز المعارضة لم يكن يرضيها ما يمكن أن يقدمه 'عسكر أكاييف' لهم· وهذا ما يفتح الباب للحديث عن حقيقة رموز المعارضة وخلفياتهم السياسية، فالمطالب التي خرجت بها المعارضة بين فشل الرئيس 'اكاييف' في تحويل البلاد إلى 'سويسرا الشرق'، أو الرغبة في تخليص البلاد من الفساد، جاءت غامضة ولا تحمل دلالة على برنامج سياسي مخالف لواقع البلاد· ولعل هذه الضبابية دفعت كثيرا من المهتمين إلى الحديث عن الدور الغربي بجلب قيادات في البلاد أكثر ميلا للغرب مقابل روسيا، أو أن الأمر جاء للرغبة الأميركية في تطويق الصين، كون إقليم 'شينغيانغ' الصيني المتاخم للحدود القرغيزية يعد من نقاط التوتر الصيني بسبب حركة 'يوغور' الانفصالية فيه!·
وتبدو الدوافع الخارجية لتحرك الشارع القرغيزي أكثر واقعية ومنطقية من غيرها من الدوافع التي حاول المعارضون تمريرها، ويبدو أن المحتجين لم يكونوا في حاجة إلى دوافع مقنعة للتحرك في الشارع ضد الحكومة، لدرجة السيطرة على القصر الرئاسي دون تخطيط من المعارضة لهذا الحراك، سيما بعد أن أصبح التغيير هدفا بحد ذاته، لإحداث حالة مختلفة لتلك البلاد الفقيرة، التي يعيش أغلب سكانها والذين تبلغ نسبتهم 66 بالمائة من أصل 5 ملايين نسمة في المناطق البعيدة عن الحضر، ويعيش 88 بالمائة من السكان تحت خط الدخل (أقل من أربعة دولارات يوميا) -حسب تقرير التنمية البشرية لعام 2004-، ويبدو أن العامة خرجوا على أمل تغيير هذه الحال، بعد ثباته لخمسة عشر عاما بعد انفصالهم عن الاتحاد السوفييتي وإعلانهم دولتهم المستقلة·
ولذا استطاعت رموز المعارضة اللعب بجدارة على هذا الوتر دون الإعلان عن أي برنامج يحقق أي تطلعات للشارع القرغيزي، وذلك لأن الجديد الذي يمكن أن تجلبه المعارضة بعد سيطرتها على البلاد لن يحمل أي تغيير، سيما وأنهم أشخاص محسوبون على النظام السابق، بل إن بعضهم أمثال 'روزا أوتانبايفا' (54 عاما) من أقدم الوجوه التي مثلت النظام منذ استقلال البلاد عام 1991 في الخارج، سواء في الأمم المتحدة أو في سفارات قرغيزستان في عواصم العالم الرئيسية بالولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وغيرهما، لها شعبية داخل الجنوب غير أنها معروفة في الخارج أكثر من الداخل· ورغم أن عمل 'روزا' منذ الحقبة السوفييتية كان دبلوماسيا ويتطلب السفر إلى الخارج وهو ما استمرت به بعد استقلال 'قرغيزستان' وقيامها بدور كبير في دعم نظامها الحاكم في الخارج ولا يمكن بالتأكيد تجاهل دورها في حصول بلادها على مساعدات، سيما الاقتصادية من الخارج، إلا أن أنصارها يؤكدون على أن 'عسكر أكاييف' تعمد تغييبها عن العمل السياسي الداخلي·
وكذلك الحال مع الرئيس الحالي المكلف بالحكومة المؤقتة 'كرمان بك باكييف' (55 عاما) كان حاكما لمنطقة 'تشو' الصناعية في شمال البلاد ثم تولى مهام رئيس الوزراء بين عامي 2000 و،2002 وإن كان قد أبدى في فترات ما تشككه في التزام 'عسكر أكاييف' بالديموقراطية وقدم استقالته على اثر اشتباكات دموية في مايو عام ،2002 فقد افتقر إلى القدرة على المواجهة فترك الأمر برمته، وتتركز شعبيته في محيط العمال في الجنوب·
أما 'عازم بك بينازاروف' البالغ من العمر 49 عاما، وهو محام ينتمي إلى الطبقة العاملة فقد كان والده فلاحا، احترف العمل السياسي بعد أن دخل البرلمان، ثم أصبح قاضيا في العاصمة 'بيشكيك'، حاول الوقوف في وجه 'عسكر أكاييف' فأعتقل، ويبدو أن طبيعته القاسية قد حرمته من القاعدة الشعبية· في حين اعتبر 'فيليكس كولوف' البالغ من العمر 55 عاما رئيس الشرطة ورئيس وزارة الأمن القومي، والذي تقلد منصب نائب الرئيس، وله شعبية كبيرة بين الشمال المنحدر منه -عكس باقي رموز المعارضة القادمين من الجنوب- كما يحظى باحترام أهل الجنوب، غير أنه أودع السجن بدعوى سوء استخدام السلطة، وقد نجح المعارضون في إخراجه من الاعتقال بعد قضائه خمس سنوات في السجن في أعقاب سيطرتهم على العاصمة، وتسلم في الحال وزارة الداخلية التي تركها في الثلاثين من مارس الماضي بحجة أنه أتم مهمته، في حين تؤكد مصادر أخرى أنه يستعد لترشيح نفسه للانتخابات·
ومما سبق يظهر أنه حتى رموز المعارضة الرئيسيين في قرغيزستان بتاريخهم الموسوم بالتعامل مع النظام السابق لا يمثلون بديلا جديدا يختلف اختلافا جذريا عن سابقه، وبالتالي لا يحملون خيارات جديدة للشعب القرغيزي تدفع بلاده إلى مصاف دول العالم الأفضل حالا خاصة وأن معطيات الواقع الراهن لم تتغير سواء من مقدرات البلاد المحدودة أو من علاقاتها الخارجية التي كانت هم القائمين على المعارضة في بداية سيطرتهم على المباني الحكومية في توجيههم رسالات تطمين لعواصم العالم في موسكو وواشنطن حول استعدادهم للتعاون·
إذن فقد تنفس الداعين إلى الثورة الصعداء بعد أن تكرم الرئيس السابق عسكر أكاييف بتقديم الاستقالة من مقر سفارة بلاده في موسكو، وطوت في بلاد الجبل صفحة بعد خمس وعشرين عاما لتفتح صفحة جديدة يزيد فيها عدد علامات الاستفهام عن عدد كلماتها!!

اقرأ أيضا

حزب ترودو يتصدّر الانتخابات الكندية