الاتحاد

عربي ودولي

القارة الأفريقية ·· نهاية ديكتاتوريات وبزوغ فجر الديمقراطية

بعد الحـروب والصراعات
معين أحمد محمود:
بالرغم من أن مهمة حفظ الأمن التابعة للأمم المتحدة تشمل نزع سلاح المليشيات التي تهاجم القرى كل يوم وتعتدي عليها وترعب الناس، لم تسلم القوة الدولية من الاعتداء عليها، حيث سقط تسعة جنود من القوة الدولية في جمهورية الكونغو الديمقراطية في كمين نصب لهم أثناء قيامهم بدورية راجلة، على معبر قريب من مخيم للاجئين في منطقة ايتوري، في شمال شرق جمهورية الكونغو خلال الأسبوع الفائت، حيث تتقاتل الميليشيات، منذ تسع سنوات، والجنود التسعة ينتمون إلى دورية من 21 قبعة زرقاء، من بنجلاديش، التي تشارك بـ1300 جندي في قوة حفظ السلام الأممية·
العجز عن وقف العنف
وقد وصف الناطق الرسمي باسم القوة الدولية في الكونغو مونوك مامادو باه العملية بأنها كانت مدبرة مسبقاً، رتبها السياسيون والعسكر، الذين يرفضون تسليم أسلحتهم· وأوضح أن مهمة القوة الدولية، تشمل كذلك نزع سلاح الميليشيات التي تهاجم القرى يومياً حيث تعتدي على السكان· وأوضح أن 'الجميع وافق رسمياً على طلبنا، ولكن الكثيرون يتجاهلونه'· وقد رتبوا الكمين على مسافة خمسة كيلومترات من قرية كافه، التي تبعد عن عاصمة المنطقة بونيا، ووصف الحادثة بـ'أنها الأكثر خطورة، التي تواجهها قوة حفظ السلام، منذ بدأت عملها في الكونغو منذ ست سنوات'· وكان الجنود البنغال قد حلوا مكان القوة الأورجوانية التي كانت منتشرة في المنطقة منذ سنتين خلتا وعجزوا مثلهم عن وقف العنف بين اتنتي 'اللندو' و'الليما' اللتين تتقاتلان منذ أربع سنوات على الأقل، وفي حين يمارس 'اللندو' الرعي يقيم 'الليما' في المدن·
جذور الخلافات
وإذا كان مرد صراع اليوم يعود إلى السيطرة على الثروة المعدنية المتكدسة في باطن أرض الكونغو، فإن جذور الخلافات بينهما تعود إلى خلافات قديمة· وتعمل القوة الدولية في الكونغو، بموجب شرعية الأمم المتحدة، التي تنص مادتها السابعة على استعمال القوة للدفاع عن النفس ولحماية السكان المدنيين ولفرض السلام· ولكن القتال استمر بالرغم من تدخل القوة الدولية (1300 جندي) الأكثر عدداً بين سائر قوات الأمم المتحدة العاملة في العالم· وقد شهدت الأسابيع الأخيرة هروب أكثر من 80 ألف نسمة إلى اوغندا وروندا بعد وقوع المجازر المروعة في مخيمات اللاجئين·
وقد تسبب الاعتداء على القوة الدولية والذي سقط فيه تسعة جنود من القوة، بموجة جديدة من اللجوء أثارت قلق قادة برنامج الغذاء الدولي، الذي يوزع المواد الغذائية في مخيمات المحرومين في الكونغو ومخيمات اللاجئين في روندا· وكان برنامج الغذاء وجَه في 24 فبراير الماضي نداء لجمع 2,6 مليون دولار ضرورية لمساعدة 50 ألف لاجئ كونغولي وبوروندي يتكدسون في مخيمات اللجوء في روندا· وكان الاوغنديون والروانديون الذين كانوا يحتلون شرقي الكونغو لفرض سيطرتهم على هذه المنطقة الغنية، قد عمدوا إلى تسليح قبائل 'الليما' و'اللندو'· فعمد الفريقان الآن، إلى التقاتل والتذابح بهذه الأسلحة·
آكل لحوم البشر
وأما الحرب الايتورية، فانها مأساوية أكثر، لأن الفرقاء المتقاتلين، وهم خمس مجموعات، يرسلون جنوداً أطفالاً إلى المجزرة· فأكثرية المقاتلين هم من المراهقين، بعد اقتناعهم بالخضوع لأوامر السحرة، في احتفالات سحر حقيقية، يتخللها شرب مزيج من خواص الحشائش وغصون الأشجار وغير ذلك فيثير هوسهم ويجعلهم يقتنعون بأنهم لا يموتون، وبأن الرصاص يتحول إلى حبوب ماء عندما يلمس أجسادهم· وتحدثت تقارير صدرت مؤخراً عن قوة الأمم المتحده لحفظ السلام، عن حالات أكل لحوم حقيقية، وعادت معها اساطير الأجداد، التي تقول ان الذين يأكلون لحم الأعداء لا يقتلهم الرصاص·
وهكذا تحولت منطقة ايتوري إلى جحيم، تنهب قراها، ويعتدى على نسائها ويذبح أهلها، من دون أي شفقة، وتحول 300 ألف من السكان إلى محرومين يلعب أطفالهم لعبة الحرب ببنادق مجنزرة، غير قابلة للاستعمال في الحرب الحقيقية، وقد أضحى جيل كامل من هؤلاء الأطفال لا يعرف ما هي المدرسة، انها مأساة أخرى·
وبعد حادثة الكمين نشبت معركة في موقع قريب، أدت هذه المرة إلى مقتل 50 و60 من رجال الميليشيات، عندما فتحوا النار على قوة دولية من الجنود الباكستانيين في هذه المرة، ويعتقد الناطق باسم الأمم المتحدة، دومنيك ديمانج: قد يكون هناك شيء أكثر أهمية، بدليل تدخل الحوامات العسكرية· مما يساعد على ابلاغ الميليشيات اشارة قوية، بأننا نتعاطى معها في جدية· ولكن الذي حدث، جعل الوضع أكثر تفجراً من أي وقت مضى في شمال شرق الكونغو·
وتتواجد حالياً في المنطقة، حيث توقد العنف، ست ميليشيات، عجزت الحكومة عن السيطرة عليها، بالرغم من مساعدة قوات الأمم المتحدة، وتبقى بونيا عاصمة الولاية، مدينة خطرة في الليل· وأشارت مصادر الأمم المتحدة إلى أن تدهور الأوضاع، خلال شهرين ماضيين، أدى إلى سقوط حوالي مائة قتيل، وأدت عمليات الخطف والاغتصاب التي وقعت إلى هروب 70 ألف شخص·
وتعتقد مصادر بلجيكية، أن هذه الأحداث على علاقة باتشار اللواء الأول في الجيش الكونغولي، وأن هناك من يهمه أن يوتر الأوضاع لتشويه سمعة هذا اللواء، الذي دربه عسكريون بلجيكيون، وتشويه سمعة حكومة كينشاسا· وتؤكد مصادر أخرى، أن الكمين الذي نصب لقوة حفظ السلام المنتشرة في ايتوري وكيفو، يرمي إلى ضرب معنوياتها بعد أن تلقت الأوامر، بالتعاطي بحزم أكبر وبروح قتالية مع الأحداث· وتدخل كوفي عنان من نيويورك، ليقول ان هذا الهجوم، على قواته لن يمنعها من القيام بمهامها، داعياً الحكومة الانتقالية لجعل المسؤولين عن الحادثة، يدفعون الثمن·
وكانت السلطات المركزية في كينشاسا، قد ضمت مسؤولين عن ميليشيات ايتوري، إلى الحكومة الانتقالية وإلى الجيش، ولكن مصادر الأمم المتحدة، أشارت إلى أن عدداً منهم يستمر في ارسال الأوامر من كينشاسا، إلى جماعاتهم على الأرض، وفي تغذية التوتر، الذي جعل منظمة أطباء بلا حدود، توقف نشاطها في المنطقة، بصورة مؤقتة·
مرحلة جديدة
ولكن ذلك الذي يحدث لا يمنع أن تكون أفريقيا ما وراء خط الاستواء تعيش مرحلة جديدة، توقفت عندها الحكومة البريطانية، في دراسة تناولت المدة التي تمتد من الستينات إلى أيامنا، مروراً بقياس مستوى الديمقراطية في 35 دولة من ذلك الجزء في العالم·
وأبرزت الدراسة، كيف قامت، في أكثرية هذه الدول الساحقة، بعد انتهاء عصر الاستعمار انظمة ديكتاتورية، متحدرة من سياسة المعسكرات السياسية التي كتبت صفحات بارزة في أفريقيا· كل ذلك، حتى السبعينات، عندما التقت خطوط ما يسمى بأنصاف الديمقراطيات (وكان قسم منها متأثراً بالدول التي استعمرتها) مع الديكتاتوريات· وفي هذا المسار تاريخ حاسم: ،1993 وبداية الصراع للسيطرة على الثروات الطبيعية، بمساعدات ومداخلات 'خارجية' ظاهرة، وتكرس التغيير في أفريقيا، في الوقت الذي كان الغرب يضع جردة لنهاية الحرب الباردة، وإعادة رسم خارطة العالم الجيو- سياسية·
وللاختصار بدأت مأساة بوروندي، في الوقت الذي كانت تعد العدة لإنجاز مجزرة رواندا، وتقف حرب الكونغو على وشك الاشتعال، بعد أقل من ثلاث سنوات، مع كل الذيول التي نعرفها·
وأما اليوم، فإن هذه الأزمات على وشك أن تمر في مرحلة أمل· فالكونغو، مثلاً يستعد، بين الصعوبات والمجازر، لمحاولة تنظيم انتخابات، للمرة الأولى، بعد35 سنة، من الظلام الديمقراطي· وللمرة الأولى منذ نهاية الحرب الأهلية، توجه البورونديون إلى صناديق الاقتراع، للتصويت على دستور يسعى وراء توازن بين الأكثرية 'الهوتو'، التي لا تزال مبعدة عن السلطة، والأقلية التوتسية التي تقود البلاد منذ سنوات·
الانفتاح على التعددية
وفي اوغندا يبدو أن الرئيس موسيفني، يميل إلى الانفتاح على التعددية، بعد أن اخترع مفهوم السياسة من دون احزاب·
وأما روندا التي مزقتها الحرب العنصرية (800 ألف قتيل) فإن برلمانها يضم أكثر نسبة من النساء في العالم 8,48 في المائة مقابل 45 المائة في السويد· وفي توجو اضطر ابن ديناصور الديكتاتوريات الأفريقية، غناسينغبه اياديما إلى الاستقالة بعد أن استولى على الحكم الذي تخلى عنه والده، بالموت ودعا الشعب إلى انتخاب البديل، بعد أقل من شهر· كلها اشارات يقرأ فيها مراقبون، قاسماً مشتركاً فاعلاً وراء ما يجري، اسمه مؤسسات افريقيا على مستوى القارة، من الوحدة الأفريقية، التي لا تزال هشة القواعد، إلى المنظومة الاقتصادية الإقليمية، (ايكو واكس)، وفي صورة أشمل، الأمم المتحدة بالرغم من كل العجز الذي كشفت عنه الأحداث الإفريقية· ففي مسألة 'التوجو'، هددت منظمة الوحدة الإفريقية بفرض عقوبات، مدعومة من ايكوفاكس ومن الغرب، ومن الاتحاد الأوروبي، وفي النهاية استقال الرئيس غير الشرعي·
مارست منظمة الوحدة الإفريقية ضغوطاً على بوروندي، حيث يبدو أن خطة الأمم المتحدة تستطيع أن تنطق بعد تبنيها في مؤتمر مهم جمع القادة السياسيين في منطقة البحيرات الكبرى·
وعادت بوروندي إلى الانتخاب، للمرة الأولى منذ سنة ،1993 عندما اندلعت الحرب الأهلية التي تسببت بمقتل 300 ألف شخص من شعب عدده حوالي 7 ملايين نسمة·

اقرأ أيضا

وزير الطاقة الأميركي سيستقيل في الأول من ديسمبر