الاتحاد

عربي ودولي

تركيا وإيران يتحدان في مواجهة شمــال العـراق

بين الضغــــوط والهزيمة أنقرة - سيد عبد المجيد:
قبل سنوات وأثناء زيارة الرئيس الإيراني آنذاك هاشمي رافسنجاني للعاصمة أنقرة في ديسمبر 1996 علقت كريمته ' فائزة رافسنجاني ' على انفتاح المرأة التركية بأنها تعتقد العكس قائلة إن المرأة التركية لم تأخذ حريتها بعد ! هنا هاجت الميديا المرئية مهاجمة التصريحات التي لا تليق بالضيوف · وفي اليوم التالي مباشرة خرجت صحيفة صباح بافتتاحية استهلتها بجملة ' نشكر الله لأنه رزقنا بالغازي مصطفى كمال أتاتورك ' · وكان واضحا أن السيدة رافسنجاني كانت تشير إلى القيود المفروضة على ارتداء الحجاب· ولم تمر الحادثة بسهولة ، فقد انتهزت الميديا مرئية ومقروءة الفرصة ، وربطت بين حوادث اغتيال كتاب وصحفيون من قبل الإرهاب الديني ( حزب الله في مدن جنوب شرق البلاد ) · والانفصالي ( منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية ) وضلوع الحرس الثوري الإيراني فيها ·
لكن الصورة سوف تتغير لاحقا وبشكل سريع نسبيا فمع مستهل عام 2000 وصلت تركيا وإيران إلى قناعة وهي أنهما يقعان في نفس الخندق وهو ما يعنى في التحليل النهائي أن الطرفين معا يعيشان مشكلة واحدة وعليهم مواجهتها بنفس الطريقة · الفارق هو أن المشكلة أضخم في تركيا عنها في إيران · لكن كلا منهما رافضة وبشكل مطلق قيام دولة كردية في أي جزء من الحدود المتاخمة بينهما ·
ومع تعقد الملف العراقي تسارعت الخطى الإيرانية كان العام الماضي هو الأكثر تكثيفا · فالخوف بدا يتسرب لطهران من قيام دولة كردية في شمال العراق خاصة وبعد وقوع حوادث قام بها نشطاء أكراد داخل الأراضي الإيرانية· من هنا انطلقت الإشارات من العاصمة طهران متجهة للعاصمة أنقرة تفيد بأن ما توصلت إليه سوريا وتركيا يمكن أن يستوعب طرفا ثالثا · أي أن البلدان الثلاثة بإمكانها الاتحاد في مواجهة المشروع الانفصالي القادم ، برعاية غربية وأميركية خاصة ، والذي سيفجر بدوره بركان الأقليات في البلدان الثلاثة ·
الإشكال ومسيرة العلاقات
كانت إرهاصات الثورة المقبلة في الأناضول قد وصلت أصداؤها للجار الفارسي · بيد أن السنوات الواقعة بين عامي 19 و23 من القرن الماضي وجدت دعوات داخل إيران كي تتحول الى النمط الجمهوري · هنا كان يفترض ان العداء سيكون مستحكما لكن العكس كان صحيحا ، فالقائم على عرش الطاووس آنذاك كان ولعا بالغازي مصطفي كمال أتاتورك الذي سيدشن نسقا سلطويا لا يختلف عن الطابع الاستبدادي للرجل المريض الذي فاضت روحه لحظة إعلان الجمهورية في هضبة الأناضول من جانب ، متسقا مع نظيره الإيراني من جانب آخر · وهكذا بدا التشابه فجاء الترحاب بالنظام التركي الجديد ، زاد أن الأخير كان مفرطا في عدائه للشيوعية ، مولعا دون حذر بكل ما هو غربي ·
لكن مع نهج التعددية السياسية في نهاية الأربعينيات· دخلت تركيا مرحلة ديموقراطية سوف تتسع رويدا رويدا · في المقابل بدت إيران الشاه موغلة في نهجها السلطوي · ورغم ذلك الاختلاف لم تنفصل عرى العلاقات بين البلدين اللذين وجدا في توجهاتهما الخارجية نحو الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل عوضا عن التباين في أنظمتهما السياسية · بيد أن المصالح الاقتصادية صارت في منوالها وطوال الفترة من 24 و1960 كانت إيران تصدر للجار التركي أكثر مما تستورده · ولان أنقرة وانطلاقا من ' نهج كمالي' أصيل آلت على نفسها ألا تتدخل في شؤون الداخلية لجارتها فقد وجد هذا النزوع هوى الشاه ورضائه
في السبعينات كانت تركيا على دراية بضغائن الحدود الإيرانية العراقية في شط العرب ، لكنها آثرت الحياد ، فقط باتت تتوجس خيفة من سلوك الشاهنشاه بدعمه للأكراد في شمال العراق ، وتكريس علاقاتهم بالدولة العبرية · لكنها تفهمت بشكل ما تطمينات الشاه ، فالأمر بمجمله نكاية في نظام البعث الحاكم في العراق · ومع معاهدة الجزائر في 1975 ، وترسيم الحدود انقلب الشاه على أصدقائه الأكراد لكن الانقلاب جاء متأخرا نسبيا، فشروط القوة لم تعد مثل الماضي ، بل ستتأكد وتتسع · وكانت أولى ثماره المتعلقة بالجانب التركي ، بزوغ منظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية بزعامة عبد الله أوجلان قرب نهاية عقد السبعينات ، بالتزامن مع إرهاصات الثورة الإسلامية في إيران
ومع سقوط الشاه وقدوم الأمام الراحل الخميني وحربه العبثية مع بغداد لمدة ثمان سنوات ، أعطى الشمال فضاء للتحرك نحو كيان مستقل عمليا، وهو ما بدأ يتضح مع مستهل عقد التسعينيات وهو ما أدركه صدام حسين 'المترهل' فاقد السيادة ، فاتجه لتركيا ، وعموما فقد وجدها تقوم بما تراه حماية لأمنها القومي، غير منتظرة موافقته تتولى اصطياد الانفصاليين المدعومين من أقرانهم في السليمانية واربيل بفضل البنية التي أتاحها دعم الشاه وصداقة إسرائيل وتعاطف الولايات المتحدة وحليفتها المملكة المتحدة ·
هبوط وصعود
في التسعينيات بدا الملف الكردي مع إيران يأخذ منحي مختلفا ، بيد أن ما هو إعلامي اختلط بما هو سياسي، فالأول، وتحت ضغط النخبة العسكرية، بدا يشن هجوما كاسحا ضد إيران باتهامها بدعم الإرهاب الأصولي من جانب، ومنظمة حزب العمال الكردستاني · فصحيفة كبرى مثل ' حريت ' في فبراير عام 1999 وعقب القبض على عبد الله أوجلان وعلى صفحتها الأولى سرد لاعترافات أحد أعضاء حزب العمال الكردستاني، الذي قام بتسليم نفسه الى السلطات التركية، أكد خلالها أن قوات الأمن الإيرانية هي المساند الرئيسي لمنظمة الإرهابية ! وأوضح هذا العضو في اعترافاته تفاصيل الدور الذي تقوم به إيران في هذا الشأن والمعسكرات التي تؤويها في أراضيها !
على هذا المنوال ، بدأ الرأي العام التركي يقرأ تفاصيل هائلة عن الدور الإيراني، وإمعانا في التوثيق كان مصدر المعلومات مسئولون أمنيون ، وكلها تصب في أن الحكومة الإيرانية كثفت من دعمها لمنظمة حزب العمال الكردستاني الانفصالية خصوصا عقب القبض على عبد الله أوجلان حيث قامت بفتح الباب على مصراعيها لدخول الانفصاليين في بلادها يسرحون ويمرحون بكل راحتهم كما قدمت الدعم المالي والمعنوي لهم ! في المقابل بدا الخطاب السياسي في حيرة بيد أن التردد غلب على مفرداته وتصريحاته فتارة ـوهذا قليل ـ يلمح بتورط طهران وتارة أخرى وهذا هو الأغلب ـ يتراجع · فالنخبة صانعة القرار إجمالا لم يكن لديها معلومات مؤكدة بدعم بتورط إيراني رسمي ــ على الأقل ــ في دعم الأنشطة الانفصالية · فالنخبة الحاكمة كانت مدركة بأن إيران لا يمكن لها المجازفة بدعم أنشطة انفصالية هي في الأصل تعاني منها بيد أن الجمهورية الإسلامية ومنذ مجيئها الى الحكم لم تسع لا يجاد حل لقضية الأكراد في أراضيها ( تشير الأرقام الى وجود نحو ثمانية ملايين كردي) بل عكس ذلك فقد زادت المشكلة تعقيدا من خلال إصرارها على مواصلة سياستها المناوئة لأي دعاوى خاصة بالهوية الثقافية للأكراد· ومن أبرز الدلائل على ذلك تمركز قوات عسكرية ضخمة من الجيش النظامي والحرس الثوري في المناطق التي يقطنها مواطنون ينتسبون الى الأكراد
كذلك تعلم النخبة نفسها ما سبق وطالب به الأمام الراحل الخميني بالجهاد ضد هؤلاء الذين يريدون الانسلاخ عن إيران تحت أية دعوى · وكان طبيعيا وانطلاقا من هذا الالتزام أن تنفي طهران وجود قضية كردية في بلاده · وهو ما كان من شأنه أن يخلق توترا داخل إيران ذاتها ، وهو ما عبر عنه آنذاك الزعيم الروحي للشعب الكردي الإيراني الشيخ عز الدين حسيني قائلا إن الشعب الكردي الذي قدم قوافل من الشهداء وضحى بأغلى ما لديه في سبيل نضاله المرير الذي لم يتوقف منذ اكثر من قرن لن يتخلى ابدا عن مبادئه أو مطالبه العادلة وخاصة حقه في تقرير المصير· الطريف في الأمر أنه بالتوازي مع حدة الخطاب الإعلامي بشأن تورط إيران في دعم منظمة حزب العمال الكردستاني · كانت أنقرة تعلن أنها قطعت مع إيران خطوات مهمة من اجل تأمين الحدود فيما بينهما كما أن البلدين بصدد الوصول الى اتفاق أمنى يضع حدا لتسلل العناصر الانفصالية لحدود كلا البلدين ·
لكل هذا تبدو تركيا وكأنها مضطرة لاغضاب الصديق الأمريكي والسبب هو أن وحدة أراضيها أمر لا يقبل التساهل أو التفريط فيه خاصة وأن الخطر صار في مرمى البصر وواشنطن نفسها ترى الغبن يقع على التركمان ولا تفعل شيئا ، ثم أن كركوك باتت قاب قوسين أو أدنى في الدخول إلى كردستان المزعومة ·
وبالتالي كيف لها أن تلغي زيارة رئيسها لدمشق أو أن تمتنع عن استقبال الرئيس الإيراني ؟ وهكذا لا يبق خيار أمام مصالح الأناضول سوى أن تصمد أمام الضغوط الأميركية وأن تهزمها إذا اقتضى الأمر وليكن ما يكون !!!

اقرأ أيضا

بومبيو يؤكد تركيز أميركا على التهديد الذي تمثله إيران