الاتحاد

دنيا

سلطان بن غافان: إحياء التراث يعزز الهوية الـوطنية

 بن غافان: نستلهم العبر من تاريخ أجدادنا

بن غافان: نستلهم العبر من تاريخ أجدادنا

أحب البحر منذ نعومة أظفاره، حيث كان والده وجده من الرواد الأوائل في الغوص وصيد السمك، كان عمره ثماني سنوات عندما بدأ يمارس مهن البحر، حيث كان يوفق بين الرحلات البحرية في خور أم القيوين الغني بأجود أنواع السمك، ورحلاته الدراسية، شأنه في ذلك شأن شباب جيله الذي كان يعتمد في منتصف القرن الماضي على ذاته في السعي من أجل طلب الرزق سواء في البحر أو البادية· إنه الباحث التراثي سلطان بن خلفان بن غافان، صاحب الصوت الندي، ومؤلف وحافظ الأهازيج التراثية الشعبية، وعاشق البحر الذي ولد على شواطئه، وسلمَ له نفسه طفلاً يتيماً، فاحتضننه برأفة وحنان·
ساهم بن غافان في فعاليات تراثية تربوية، وتركت دوراته ولقاءاته أثراً طيباً في تلاميذ المدارس·
كما كان متصلاً بالميدان التربوي التراثي خلال أيام عمله في وزارة التربية والتعليم، يشرف على لقاءات تراثية ومسابقات تتعلق بعالم البحر·

عن مرحلة البدايات وكيف تعلم الأغاني والأناشيد التراثية والنهمات، يقول: ''اطلعت على الكثير من الأهازيج الشعبية، خلال تعرفي على الحرف والمهن التي كانت سائدة في البحر، وفنونه ومصائده، سواء عند إبحارنا في المساء في خور أم القيوين الذي يعد من الخيران الغنية بالأسماك الوفيرة والمتنوعة، بحكم التربة الخصبة والقيعان، وإطلال هذه الجزر المرجانية على خور القرم وخور البيضاء، أو من خلال دخولي البحر وعودتي منه''·
وقد قام بن غافان في مرحلة تالية بتدوين هذه الأغاني من زاوية الحفاظ على التراث والهوية الوطنية، حيث يقول: ''دونت الأهازيج، وحفظت أشعار الأوائل، فأنا كإماراتي تميل شخصيتي إلى البحر، لذا أنا بصدد إصدار كتاب توثيقي للأغنية البحرية المصاحبة للعمل اليدوي في البحر، ولي اهتمامات كبيرة في إثراء التراث، والموروث الشعبي، من خلال المحاضرات التي تنظم في المدارس، وجمعيات النفع العام في الدولة، كما أنني عضو في بيت الألعاب الشعبية بالشارقة، والذي يديره الأستاذ عبيد بن صندل والتابع لدائرة الثقافة والتراث''·
ويشير بن غافان إلى أهمية هذه الأغاني والأناشيد في الماضي، ويقول: ''لو تنقلنا إلى تلك الأجواء، سنجد أنه في الماضي كان البحارة يكتفون بالصيد المقنن من الخور، الذي يكفيهم ومن معهم· وأثناء ذلك كان لكل حرفة من الحرف والمهن المتصلة بالبحر أهزوجة تخصه، فمثلاً عند التجديف والدخول إلى البحر يوجد النهمة البحرية ''هو يا مال'' ومعناها الاستعانة بالله عز وجل، ودائماً يرددون عبارة ''بالله على بابك ولا خاب طلابك'' خاصة عند بزوغ الفجر، وكانت مصائدهم بالتبكير بما يسمى باللهجة المحلية ''الغواق'' أي بداية الصباح، وكانوا يستبشرون خيراً بالطيور المتنقلة في الفجر للاستدلال على أماكن الصيد، خاصة خلال صيد السردين ''العومة''· كما كانت الأسماك تجفف وتصدر إلى دول الخليج والدول العربية، وكانت كل 100 بياحة تباع بسعر 10روبيات''·
أهازيج متنوعة
ويعدّل بن غافان جلسته، ويبتسم مردداً نماذج من تلك الأهازيج· يقول: ''كل عمل من أعمال البحر له أهزوجة، مثلاً حين تنزيل السردين من السفينة يقولون: (وا عليك يا صريمي كوس ياي/ وجال غيمه)· وحين تنزيل شراع السفينة يقال في الأهزوجة الجماعية: (لي يبا المدايح يسوم عمره سوم/ ويبات ساهر ما ينام)· ويقال كذلك في بعض الأحيان: (سمعت حسن الصايح ما هناني النوم/ نشيت من حلو المنام)·
وفي رفع الشراع يقال: (وين المغني وين طراب الهوى/ ترك الذي سوا الجواب ولا استوى)· كما يقال أيضاً: (ما يدش البحر مطري/ الي على الشداد هب ضاري)· إلى جانب عشرات من الأهازيج والنهمات الأخرى التي تتردد في رحلات الغوص وصيد الأسماك''·
ويتابع بن غافان سرد ذكرياته ويعبّر عن افتقاده وشوقه لتلك الأيام السالفة، ويقول: ''باتت تلك الأغاني أو الأهازيج والنهمات، شبه منقرضة، اللهم إلا من صدور بعض كبار السن، ومرتادي البحر الأوائل، حيث ما زال بعض الصيادين يعشقون البحر، ولم يغيروا عملهم، ولم يدخلوا تحسينات عليه، بل يمارسون هوايتهم، وصيد السمك كما كان يمارسها آباؤهم وأجدادهم''·
ولأن الشيء بالشيء يذكر، يتطرق بن غافان إلى جيل الشباب الحالي، ممن لا يألفون البحر كما الأجيال التي سبقتهم، ويقول: ''لا توجد لدى الجيل الحالي معرفة عميقة بأمور البحر إلا فيما ندر، ويختلف إبحارهم عن الأوائل، كما كانت بعض السفن الخشبية القديمة أفضل من بعض السفن المستخدمة حالياً· وللأسف لايوجد خبراء قدامى من الرعيل السابق في مجال البحر الآن، لكن بحمد من الله أصبح لدي خبرة معقولة في أمور الطقس والتحولات الفجائية للرياح، ومعرفة مراعي الأسماك، وأقات المد والجزر، نتيجة متابعتي الدائمة لكل ما يتعلق بعالم البحار، أعمل على نقلها لكل راغب بالمعرفة، فهذا واجبي كإماراتي ورجل تراث ينصب كل اهتمامي في مجالاته''·
ولا يغفل بن غافان الأمور الإيجابية التي يعتبرها مميزة عن الماضي، خاصة بعد قيام النهضة الشاملة في الدولة، يقول: ''ننعم بفضل من الله سبحانه وتعالى وحكومتنا الرشيدة بالعديد من المزايا الرائعة، ومنها التعليم والطبابة ورغد العيش، واهتمام أندية وجمعيات التراث بموروثنا الشعبي، لكن مع ترديدنا قوله تعالى ''وأما بنعمة ربك فحدث'' أؤكد أن الحاضر يجب ألا يلغي الماضي، وعلينا أن نستلهم منه الدروس والعبر، ونعتني بالموروث الشعبي أكثر مما نفعل، لئلا نبحر في مصير مجهول''·
عشق البحر
في كل مرة يزور بن غافان البحر، ينظر إليه بحب وفرح ودهشة، يقول: ''أعشق البحر وأراه رائعاً مدهشاً، حيث يشدني الحنين والشجن، فأبدأ بالغناء، مستسلماً لعواطفي الجياشة، وتلتقطني خيوط الماضي الجميل، فتبعدني عن مفاجآت الواقع وتعقيداته وأخباره الحزينة، عبر معزوفة باذخة الحب والوفاء أغنيها للبحر، وولدت على شاطئه''·
ويعترض على قولنا بأن البعض يرى البحر غداراً ويخاف منه· إذ يقول: ''نحن من بيئة بحرية تعلمنا حكايات البحر، وكشف لنا عن خيراته وأسراره، لذلك لا نخافه، ولا يمكن أن يغدر بنا فهو كريم معطاء، ونحن أصدقاء له طول العمر''·
ويطيب لابن غافان العودة بأدراج الحديث بيننا إلى الأهازيج والنهمات البحرية، ويقول: ''تم تدوين بعض أهازيجي البحرية، وفي نيتي جمع الباقي منها وحفظها في ديوان، بعد استكمال حواراتي مع كبار السن، الذين أعطوني معلومات وفيرة، أقوم بمراجعتها وتدقيقها في الوقت الحاضر، لإعدادها للنشر في ديوان خاص''·
ويستدرك بن غافان ويقول قبل شروعنا بسؤاله عن عنوان الديوان: ''لقد اخترت للديوان الذي أنوي إطلاقه قريباً؛ عنواناً بسيطاً واضحاً للقارئ، هو ''أهازيج ونهمات من البحر''·
وفي عودة مع بن غافان إلى بعض أنشطته حين كان طفلاً، يقول باعتزاز: ''كنت من أوائل الذين دونوا ''البوسطة'' وقد كانت تلك التجربة غريبة جداً ومتفردة، حيث كنت في الصف الثالث الابتدائي (مطلع الستينيات)، وكانت الأسر ترغب أن يكون سلطان بن خلفان بن غافان، هو الذي يكتب لها الرسائل التي يرسلونها إلى ذويهم في الكويت والسعودية، حيث كانوا يعملون هناك، وكنت أستهل رسالتي بالأفخم والأكرم وما إلى ذلك من الألقاب التي تترك أثراً طيباً في نفوس الناس، وتثير مشاعر القارئ، وكنت أتقاضى نصف روبية على كتابة الرسالة، ثم روبية، وكانت بعض الأسر تعطيني مكافأة عينية، وكانت بعض العائلات تتعمد حرق طرف الرسالة من الأعلى إذا طالت مدة غياب رب الأسرة أكثر من ثلاث سنوات، أو يكتبون له ''عاجل جداً: بلل رأسك بالما في السعودية واحلقه في البلاد''·
كما يستعيد ذكريات المسلسل الإذاعي ''شو أخبارك شو مسوي'' الذي يعتبر تجربة ناجحة ورائدة·· وذكر سبب توقف البرنامج، ويقول: ''كان الشيخ زايد بن سلطان -رحمه الله- قد أمر بفكرة البرنامج بنفسه، كي يعلم الشباب أن هذه العبارة ''شو أخبارك؟ شو مسوي'' ليست موجودة في مجتمعنا المحلي، بل كان السلام الموجود والمعترف به محلياً هو ''السلام عليكم، وكيف حالك، وعساك بخير، وش علومكم، وش الأخبار''· وكانت الفقرة تتكلم عن وقائع يوميات المجتمع المحلي في الماضي وكيف يفترض أن تكون عليه الآن، وقد عرضت هذه الفقرة في تلفزيون أبوظبي، ولم أتوقف عن تقديمها، لكن البرنامج توقف مع دورات تلفزيونية جديدة، لذا آمل أن تعود هذه البرامج التراثية الهادفة، وأن تنشط برامج في إذاعة وقناة أبوظبي، وأن يكون لجلسات التراث صدى كما كان في الماضي''·
فعاليات تربوية
ساهم بن غافان تربوياً من خلال فعاليات تراثية خاصة بالمدارس، وتركت دوراته ولقاءاته أثراً طيباً مع اليافعين في المدارس، يقول عن تلك الأنشطة: ''كنت متصلاً بالميدان التربوي التراثي خلال أيام عملي في وزارة التربية والتعليم، وكمثال على ذلك كان لدينا لقاء تراثي عبارة عن مجموعة مسابقات، أهمها مسابقة في صيد السمك، وقد فازت منطقة أم القيوين التعليمية بالمركز الأول على مستوى الدولة سنتين متتاليتين''·
وفيما يخص الفوارق بين الشلة والنهمة، يوضح بن غافان فيقول: ''النهمة هي الأغنية البحرية خلال ممارسة العمل اليدوي البحري، مثل ''الميداف، والشراع، وير حبال الشباك''، أما الشلة فهي نوعان شلة بحرية، وشلة برية، مثل ''الحادي والسيوع'' الغنائيتان، سواء في الحضر أو في البادية''·
أحلام وطموحات
شكّل الباحث بن غافان مع الباحث التراثي ''عبيد بن صندل'' ثنائياً رائعاً، يقول عن تلك الثنائية: ''يعتبر عبيد بن صندل هو الوالد والمربي والمعلم والأستاذ، ويعتبر باحث عصره، وقد ألف خمسة كتب تراثية، وهو من الروافد التراثية الأولى في الدولة، وسبق له أن عمل وشارك في مجموعة من فنون المسرح والتلفزيون والإذاعة، وقد التقيت معه في عدة معسكرات خارجية تراثية، في دولة الكويت وقطر وغيرهما من البلدان·
كما مثل بن صندل الدولة في العديد من المهرجانات التراثية· ولدينا معاً العديد من الأفكار نقوم بتطويرها خاصة ما يتعلق منها باللحن، فقد لجأ عبيد بن صندل في كتابه الأخير''قطوف وقوافي في التراث الشعبي الفلكلوري من الحضر والبادية'' إلى عمل نوتة موسيقية خاصة في بعض الأهازيج والشلات البحرية والبدوية''·
ولدى بن غافان أحلام وطموحات لخدمة التراث، يتحدث عنها، ويقول: ''أتمنى أن يدخل التراث إلى الميدان التربوي، والمناهج التربوية، وكثيراً ما نادينا بذلك· ونتطلع كذلك إلى تكثيف زيارات طلبة المدارس والجامعات إلى المتاحف، على أن يصاحبهم دليل سياحي تراثي متمرس في معرفة التراث، كما نتمنى على وسائل الإعلام المرئية والمقروءة والمسموعة أن تخصص جزءاً من برامجها وصفحاتها للشعر الشعبي القديم، والأمور التراثية القديمة، تتخللها مسابقات وجوائز تشجيعية تحفز على الاهتمام بالتراث·
وقد ورث أحد أبناء بن غافان عنه أهازيجه ونهماته وصوته الشجي، ولدى باقي أبنائه خبرة ودراية في البحر، وما زالوا يزاولون خبراتهم بأنفسهم، بما فيها الجانب المتعلق بالأزهازيج· إذ يتطرق بن غافان في ختام الحوار معه إلى تحديد مسؤولية الحفاظ على الأغاني التراثية، ونقلها إلى الأجيال الشابة، ويقول: ''توجد أندية وجمعيات تهتم بالتراث المحلي في كافة إمارات الدولة، نشكر ونثمن جهودها، لكننا نرجو من وزارة التربية والتعليم، المزيد من الاهتمام بالموروث الشعبي، لأن هذا العمل يدخل في باب تعزيز الهوية الوطنية والمحافظة عليها، كما أتمنى على أفواج الطلبة الذين يرتادون المتاحف وتكون لهم زيارات ضمن المنهج أن يتعاملوا مع القطعة التراثية، ويحاكوها بتقارير وبحوث، حتى يكون لهم ارتباط وصلة بتراث الماضي''·

اقرأ أيضا