الاتحاد

الملحق الثقافي

السعادة.. ثروة الإمارات القومية

من أين للمرء أن يبدأ حديثه عن تجربة الإمارات الرائدة مع السعادة، واحتلالها المركز الأول بين الدول العربية من حيث سعادة مواطنيها والمقيمين فيها على حد سواء؟ لا يمكن الإجابة من دون الإشارة إلى أن قضية السعادة وبحسب الأمم المتحدة «لم تعد ترفاً زائداً عن الحد، بل باتت مطمحاً متجذراً في نفوس البشر، ولا ينبغي حرمان أحد منه»، ولهذا كرست المنظمة الأممية يوماً من كل عام - 20 مارس - للاحتفال بهذا اليوم. ورغم اختلافات مقاييس السعادة بين البشر، إلا أن المنظمة الدولية تقول إن الجميع يتفق على كون السعادة تعني العمل في سبيل إنهاء الصراع والفقر وغيرهما من الظروف المزرية التي تكابدها أعداد هائلة من البشر.

في هذا السياق يعن للمرء أن يبحث عن جذور فكر السعادة في دولة الإمارات، وأين له أن يجده، أما المفاجأة الحقيقية فهي أننا نعثر على هذا التوجه في فكر الأب المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه»، ولعله من حسن الطالع أن تأتي هذه القراءة في العام المخصص لسيرة ومسيرة زايد الخير.
حقاً كان زايد الخير فيلسوفاً سابقاً عصره وأوانه، استمد من صمت الصحراء ومن تراث النضال فيها معيناً حضارياً وإنسانياً كفل له أن يكتشف قبل أربعة عقود حاجة الإنسان الأولى إلى السعادة، والتي تمثل «أعظم الخيرات»، كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف أبو نصر محمد الفارابي، ضمن تصوره للمدينة الفاضلة التي تحتاج إلى الفضائل النظرية والأخلاقية.
وضع زايد الخير، أسس ولبنات ومفاهيم السعادة في صلب تكوين الدولة عندما اعتبر أن ثروته الشخصية هي سعادة شعبه، وهي كلمات تبدو في الأفق العام بسيطة، لكن الكمال والجمال في البساطة وليس في التركيب أو التعقيد، فالسعادة شعور داخلي يحسه المرء بين جوانبه يتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير والبال، نتيجة لاستقامة السلوك الظاهر والباطن المدفوع بقوة الإيمان.

سابقة زايد
استبق زايد، طيب الله ثراه، التفكير العالمي عن السعادة حين جعل توجهات دولته تسعى في طريق تحقيق حياة أفضل للمجتمع عبر تكريس السعادة كأسلوب حياة، والإيجابية كطريقة تفكير ورفع مستوى الوعي، وذلك من خلال استقطاب ومشاركة مجتمعية واسعة، بتجارب تفاعلية وتثقيفية مرحة ومتميزة.
ركز زايد منذ الأيام الأولى لدولته الصاعدة على اللبنات الرئيسة التي تضمن للإنسان الإماراتي حقه في السعادة من خلال مخاطبة الروح، وإن لم يقصر في حق الجسد، فكانت الصحة الذهنية، والحالة الجسمانية، وتوافر المأكل والمسكن، وتشجيع الفنون، وبسط علاقات الود، وإتاحة أكبر مساحة من روح التسامح وشيوعها وذيوعها في الداخل، منطلقات كفلت النجاح عبر أربعة عقود لتجربة إنسانية رائدة قل أن نجدها في كثير من دول العالم التي يطلق عليها الأول أو المتمدن جوازاً، حيث الاهتمام بالجسد على حساب النفس والروح.
عمل زايد الخير منذ البدايات الأولى على تعظيم بناء البشر قبل الحجر، ووصل ما كان قد انقطع، في حين إن الرحلة الأولى للانتقال بالإمارات من حياة البداوة والخلاص من إرث الاستعمار والانتداب الأجنبي لم تكن سهلة، إلا أن إرادة الراحل الكبير الحديدية، كللت بناء مجتمع إنساني مترابط في تواد وحكمة عجيبتين صارتا مضرباً للأمثال، للرائح والغادي، ومن هنا كانت البداية لتوجه حداثي نحو السعادة.
غير أنه يتوجب علينا التساؤل: هل بحث الإمارات عن منظومة سعادة مواطنيها ومقيميها، ضرب من ضروب الذكاء الاجتماعي في زمن العولمة التي حولت البشر إلى ماكينات مصمته من المشاعر الإنسانية والأحاسيس الوجدانية؟ ثم هل تلك المنظومة يمكن اعتبارها براجماتية مستنيرة بمعنى أنها وعند لحظة تاريخية بعينها سيضحى لها مردود هائل على البشر والحجر مرة واحدة؟

السعادة والعولمة نقيضان
حين أطلقت الإمارات دعوتها للاهتمام بقضية السعادة وجعلت لها وزارة خاصة ومجالس متخصصة فإنها كانت تدرك إشكالية زمن العولمة، ذلك أنه وبدلاً من أن يجعل تيار الكوكبية الجميع يشعر بأنه في قرية كونية، كما قال عالم الاجتماع الكندي الشهير «ماكلوهان»، فقد خلق حالة غير إنسانية ازدادت فيها الفوارق بين الطبقات، وارتفعت خلالها معدلات الفقر، ولهذا رأينا نشوء وارتقاء جماعات متعددة مناهضة للعولمة، منها على سبيل المثال تلك التي تعرف بـ «اقتصادات السعادة»، وهي منظمة عالمية غير هادفة للربح تسعى إلى بعث الروح من جديد في المجتمعات المحلية، لتخلق «مدينتها الفاضلة»، التي دمرتها قوى العولمة، على مدى ما يقرب من نصف قرن من الزمان.
والناظر إلى مفهوم السعادة الإماراتي يدرك تمام الإدراك أنه طريق آمن ومضمون للفرار من الجبريات والحتميات التي فرضتها علينا العولمة كصورة وحيدة للسعادة، وهي الانغماس في عدد لا يحصى من اللذات المؤقتة، وصرف الانتباه عن بناء شراكات إنسانية تقود إلى تضافر مجتمعي إنساني حقيقي، بمعنى أن السعادة تؤدي إلى حياة لها معنى، وبذلك تمضى الإمارات في طريق العديد من الحركات الشعبية في قارات الأرض الست والتي تسعى لما يمكن أن نطلق عليه «أنسنة الاقتصاد»، من خلال حركات منظمة تسعى إلى بناء اقتصادات وطنية قوية وإضفاء طابع محلي على عالم يحتاج بشكل مسيس إلى تغيير عبر المسارات الإنسانية.
في هذا الإطار كان من الطبيعي أن يتحدث العالم عن الإمارات بوصفها مكاناً جغرافياً على الخارطة العالمية، يدعو للسعادة والتفاؤل بالمستقبل، كما صرح بذلك البروفيسور «كلاوس شواب» مؤسس منتدى دافوس خلال زيارته للدولة في فبراير من العام الماضي، للمشاركة في القمة العالمية للحكومات التي تستشرف أحوال ومآلات المستقبل العالمي.

التعددية.. ثراء إنساني
يمكن للمرء أن يتحدث طويلاً عن مسارب الأمل والسعادة التي تتيحها الإمارات لشعبها ومواطنيها، لكن هناك مسألتين إضافيتين تكسبان تجربة الإمارات مع السعادة بعداً إنسانياً عالمياً آخر.
القضية الأولى هي التعددية الثقافية، حيث الإمارات دولة يقيم عليها عدة ملايين من المغتربين من غير أبناء الإمارات ومن هنا يمكن لعلماء الاجتماع طرح سؤال مهم: هل تلك التعددية الثقافية عامل بناء أم أداة للهدم في مسيرة السعادة داخل الإمارات؟
دعونا نقارن بين تجربتين في مسألة التعددية الثقافية الأولى في بريطانيا، والثانية ما يجري على أرض الإمارات.
في العام 2006 أشار بحث قامت به وزارة الداخلية البريطانية إلى أنه كلما ازداد التنوع العرقي في منطقة ما من البلاد، كلما قلت ثقة الناس ببعضهم البعض، وحين سئل رئيس لجنة المساواة والعرقية في ذلك الوقت «تريفر فيليبس» عن هذا الأمر أجاب بأن الناس يكونون أكثر سعادة حينما يختلطون بأناس مثلهم، ويضيف: «لقد قمنا بأبحاث أظهرت أن الناس وبصراحة يحبون أن يعيشوا في بيئة يرتاحون لها، يجمعها تواؤم عرقي، وذلك حينما لا تضطرهم ظروف أخرى لغير ذلك».
هل يمكن مقاربة تلك التجربة الغربية، حيث اعتبار الرجل الأبيض دوماً وأبداً هو صانع وباني الحضارة الأول دون بقية شعوب الأرض، مع التجربة الإماراتية التي سعت جاهدة ولا تزال لتحقيق السعادة والتواؤم لكل من يعيش على أرضها؟
في مارس 2016 نشرت «الاتحاد» استطلاعاً صحافياً موسعاً، وفيه التقت المئات من المقيمين في الإمارات من كافة الجنسيات والأعراق والأديان، وقد جاء التحقيق المتميز تحت عنوان 100 سبب للسعادة في الإمارات.
تضيق المساحة المتاحة للكتابة عن سرد كل تلك الأسباب أو بسط كافة اللقاءات التي جرت مع بشر من قارات العالم الست، لكن الجواب شبه الموحد لدى الجميع هو أن الإمارات مكان يشعر فيه المرء بالأمان والاستقرار، والذين عندهم علم عن «هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية» يعلمون أن إحساس الأمن والأمان هذا يفوق بمراحل بقية الحاجات البيولوجية.
وفيما أعرب أخوة وأشقاء أنهم يعيشون في قلب الإمارات بمودة وسلام، حيث تشتعل بلادهم بالحروب الأهلية، فإن صوتهم يعلو بالحق. خذ إليك على سبيل المثال ما قالته «روبانة» من سوريا، حيث إنها وجدت سعادتها في دولة تشعر فيها بالأمان والاحتواء لكل أبناء الوطن العربي، سعيدة بمزاولة عملها الذي تحبه، والذي منحها الثقة والإمكانات لكي تطور مهاراتها وقدراتها، حيث لا تمييز بين عرق أو دين.
أما الهندي «إلياس محمد كوتي» فيجد سعادته في دولة لا يعرف التمييز العرقي طريقة إليها، ولا لون البشرة يفرق بين الناس.. من هنا تستمد التجربة الإماراتية في السعادة مضمونها الحقيقي، إذ تعتبر التعددية إثراء وعودة إلى الأصل، فالخليقة مرجعها إلى أب واحد وأم واحدة.

الرحمة أولاً
لا يجادل أحد في أن العدل هو أساس الملك، لكن إحدى القيم الإنسانية الخالدة بل والراسخة في حياة الشعوب المتحضرة تلك المعروفة بأن «الرحمة فوق العدل»، بمعنى أنه من أجل إشاعة أجواء من الإنسانية السعيدة، المتسامحة المتصالحة، فإنه كثيراً ما يتم التخلي عن العدالة، من أجل تثبيت الرحمة.
يحق للإمارات مراقبة أراضيها، ومتابعة سير الحياة عليها، وكذا متابعة العمالة الوافدة من دول العالم، وليس سراً أن من بينها الكثير المخالف لقوانين البلاد، ما يعني الحق الطبيعي والشرعي للسلطات المحلية في إلقاء القبض عليهم وترحيلهم إلى دولهم.
لكن في دولة آمنت قيادتها الرشيدة بأن الاستثمار في السعادة هو استثمار في الأمن والسلام والتعايش بين شعوب الأرض، فقد جاءت الإمارات بمبادرة تكاد تكون فريدة من نوعها أطلق عليها «احْمِ نفسك... بتعديل وضعك»، والتي أطلقتها الهيئة الاتحادية للهوية والجنسية تأكيداً على هذا النهج، وفي إطار توجيهات القيادة الإماراتية... ماذا تعني تلك المبادرة؟
توضح لنا حرص الحكومة الإماراتية على تسوية أوضاع المخالفين عبر تمكينهم من تلافي التبعيات القانونية التي ترتبت على مخالفاتهم، وعليه فقد أصبح بمقدور كل مخالف يرغب بالاستفادة من هذه الفرصة الثمينة مغادرة الدولة طوعاً دون تحمل أية تبعات قانونية أو رسوم أو غرامات، أو تعديل وضعه لينعم بالعيش بشكل قانوني على أرض الإمارات، ويستفيد من الخدمات التي توفرها الدولة.
القسم الأول من تلك الجزئية ذات الصلة بين الرحمة والسعادة، له جزء آخر مكمل وثيق الصلة بما تعيشه المنطقة الشرق أوسطية وبعض من الدول العربية منذ 2011، أي زمن الكوارث التي تدثرت في رداء ديني مزيف، وروجت شعارات مكذوبة، مثل «الربيع العربي»، والذي لم يخلف وراءه سوى المزيد من القتلى والمصابين، وملايين اللاجئين، في واحدة من مآسي التاريخ الحديثة.
في هذا السياق تقرر الإمارات منح رعايا الدول التي تعاني من كوارث إقامة لمدة عام في الدولة، وذلك تضامنا منها مع شعوب هذه الدول، ودعماً لهم حتى تتحسن أوضاعهم المعيشية، أو يصبحوا قادرين على العودة لدولهم.
لا يعد من قبيل المغالاة أو التقريظ إن قلنا إن مثل هذا القرار، عطفاً على ىسابقه يجعل من الإمارات قولاً وفعلاً دولة حاضنة للمهانين والمجروحين في كرامتهم وكبريائهم وأوطانهم حول العالم، وهي قرارات تقدمية إنسانية، ترسم بسمة على وجوه التعساء والمعذبين في الأرض، قرارات لم تقدم عليها دول كبرى في الغرب الذي يتشدق صباح مساء كل يوم بحقوق الإنسان، وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي يفيد بجدية وعالمية تجربة السعادة الإماراتية.

السعادة أم المال؟
أحد أهم الأسئلة المطروحة من البشر حول العالم في كل الأزمنة الغابرة والحاضرة: أيهما أهم تحصيل المال أم نوال السعادة؟
تباينت الأجوبة عبر التاريخ البشري، إلى أن تبلور مؤخراً مفهوم السعادة القومية الاحتمالية، وكان أول من صاغه عام (1971) الملك الرابع لمملكة «بوتان» «جيجمي سينجاي وانجتشوك»، وبوتان دولة غير ساحلية في جنوب آسيا وتقع في الطرف الشرقي من جبال الهيمالايا.
شدد الملك «جيجمي» على أن السعادة القومية الإجمالية هي أكثر أهمية من الناتج المحلي الإجمالي، ما يعنى أن التنمية المستدامة لا ينبغي أن ترتهن فقط بالمؤشرات الاقتصادية للرفاهية كمقياس للتقدم.
حدد ملك بوتان تسعة مجالات لقياس «السعادة القومية الإجمالية»، ومن حسن الطالع أننا نجدها تتوافر وبوفرة في التجربة الإماراتية لنشر السعادة في الداخل، وفي المقدمة منها: «الصحة النفسية، الصحة البدنية، التعليم، استخدام الوقت، التنوع الثقافي، القدرة على التكيف، الحكم الرشيد، حيوية المجتمع، التنوع البيئي، ارتفاع مستوى المعيشة».
ولعل الناظر بعين التحقيق والتدقيق لنص الميثاق الوطني للسعادة والإيجابية يجد أن كافة العناصر المتقدمة تتحقق بالفعل، إذ يشير إلى أن: «حكومة دولة الإمارات تؤمن بأن تحقيق السعادة هو هدف إنساني، ومطمح لكافة الشعوب، وأنها تمثل نهجاً شاملاً تجاه التنمية والرفاه، وهي السبيل نحو عالم أفضل».
والسعادة عند دولة الإمارات هي الغاية الأسمى التي تلتزم بها الدولة على الدوام، من خلال سياستها العليا، وخطط ومشاريع وخدمات جميع الجهات الحكومية من أجل تهيئة البيئة المناسبة لسعادة الفرد والمجتمع، وترسيخ الإيجابية، كقيمة أساسية، ما يمكن الجميع من تحقيق ذواتهم وأحلامهم وطموحاتهم.
تجربة السعادة الإماراتية، وبحسب نص الميثاق ليست فورة أو ثورة عاطفية، كما الكثير من المشروعات الهيولية في المنطقة العربية، بل رؤية طويلة الأمد، تتجاوز الحاضر إلى المستقبل، ومع أنها مهمومة ومحمومة بالحاضر وأجياله، إلا أنها تضع نصب أعينها المستقبل وأجياله، ولهذا تعمل حكومة الإمارات على تعظيم مقياس السعادة، في الحال، وتحرص على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، والبيئية الشاملة، والمستدامة في الاستقبال، وبما يحقق سعادة ورفاه الأجيال الحالية والقادمة، كما تعمل على ترسيخ ثقافة السعادة والإيجابية كأسلوب حياة في الدولة، بما يتناسب مع طموحات المجتمع الإماراتي، وتطلعاته وعاداته وثقافته، وذلك بالتكامل مع مؤسسات الدولة والمؤسسات الخاصة.
على أن مقياس السعادة لا يمكنه بحال من الأحوال أن ينحو لجهة الفقر أو الدخول المتواضعة، فالسعيد حكماً انتصر على الجهل والمرض وثالثهم الفقر، وبهذا فإنه لا تعارض بين المجتمعات السعيدة نفساً وجسماً وبين تحقيق دخول مالية عالية، الأمر الذي يستدعي تأمل العلاقة بين السعادة والناتج القومي.
لكن التعمق في النظر إلى مسألة الدخل المالي يكشف لنا مفارقة عجيبة، فكثير من الدول التي تأتي في مراتب متقدمة من حيث الدخل المالي، مثل الدول الإسكندنافية بوجه عام، ورغم مستويات الرفاه والسعادة التي توفرها الحكومات لمواطنيها، إلا أن نسبة الانتحار فيها بين الشباب والشيوخ لا تزال مرتفعة بدرجة كبيرة، الأمر الذي يضعنا أمام معضلة تتجاوز مجرد الدخل المالي وتعود بنا إلى تأملات أعمق

فيما يخص تجربة السعادة في الإمارات بنوع خاص... ماذا عن ذلك؟
الجواب يعود بنا إلى الأصول المجتمعية الإماراتية، أي ذلك المجتمع الذي صاحبته النزعة الأبوية، تلك التي أرسى جذورها زايد الخير قبل أربعين عاماً، ومهارته الفائقة في تخليق مجتمع إنساني له سبيكة مجتمعية منصهرة في تواد وتراحم، سبيكة تبدأ من عند الأسرة الصغيرة، إلى العائلة الكبيرة وصولاً إلى المجتمع الإنساني برمته.
هذه السبيكة عينها هي التي توفر الدفء والأمان الإنسانيين، وتخلق حالة من «الرضى المجتمعي»، تتناسب تناسباً طردياً مع «معدلات السعادة»، بمعنى أنه كلما ارتفع مستوى الرضى بين المواطنين والمقيمين، زادت معايير السعادة جماهيرياً.
قبل بضعة أعوام أجرى معهد (بيو) لاستطلاعات الرأي في واشنطن، وهو جهة لها موضوعيتها وموثوقيتها بدرجة كبيرة لا في أميركا فحسب، بل حول العالم، دراسة عن مقياس الرضى النفسي بين عينة من مواطني بعض الدول الأفريقية مثل رواندا، غانا، زامبيا، مقارنة بأوروبا، والولايات المتحدة، وكانت النتيجة مذهلة، حيث ثبت أن درجة الرضى متساوية على الرغم من فارق الناتج القومي ورخاء المجتمع.
هنا يرى الأستاذ الدكتور أحمد عكاشة أستاذ الطب النفسي الأشهر، أنهم عندما عادوا لدراسة الأسباب وراء ذلك، وجدوا أنها ترجع إلى حالة النسيج المجتمعي، وعدوى الرضى والسعادة، واكتشفوا أن الرضى النفسي وجودة الحياة والنسيج الاجتماعي بداية بالأصدقاء، ثم الأسرة، ثم الجيران، والأهم المجموعات السياسية، الخيرية، الاجتماعية، العلمية والرياضية، جميعها توحد ولا تفرق، وتزيد من الإحساس بالسعادة.
هذا النسيج المجتمعي الإماراتي الذي يجمع ما بين الأصالة والحداثة، ويوائم بين التراث والتجديد، وينسق بين ما للميكنة والأتمتة من أهمية، لكنها لا تتجاوز أهمية البشر، هو ما يجعل السعادة في الإمارات عدوى مجتمعية محبوبة ومرغوبة من المواطن والمقيم، ومرصودة من جهات العالم الساعية لبلورة جواب عما يسعد الإنسان في دنياه.

سعادة المحكومين والثقة في الحاكمين
ما الذي يتبقى قوله في هذه السطور المتواضعة والتي لا يمكن بحال من الأحوال أن تغطي تجربة الإمارات الخلاقة لإسعاد مواطنيها؟
بالصواب تحدثت معالي عهود بنت خلفان الرومي، وزيرة الدولة للسعادة وجودة الحياة، حين أشارت في أوائل يوليو تموز الماضي إلى أن جودة الحياة تمثل المحصلة النهائية للعمل الحكومي المتكامل المتميز في جميع القطاعات ومشيرة إلى أن تحقيق السعادة لا يرتبط بالضرورة بارتفاع مستوى دخل الفرد أو الدولة، بل تحكمه عوامل أكثر أهمية بالنسبة للأفراد والمجتمعات على حد سواء، كما تؤكد الدراسات والإحصاءات في العديد من دول العالم، وفي مقدمة مقومات السعادة في العالم عوامل الشعور بالأمان، ومستوى الثقة بين أفراد المجتمع، إضافة إلى انتشار قيم المساندة والعطاء.
في هذا السياق، يعن لنا أن نضيف أن جزئية أساسية وجوهرية تجعل من السعادة قضية واقعية لا مجازية على صعيد الدول، هي الثقة المتبادلة بين المحكومين، وبين الحاكمين، وفي الإمارات تحديداً استطاع الخلف أن يمضوا على سيرة السلف، بشكل إنساني متطور، يحافظ على الجوهر الإنساني مع الأخذ بعين الاعتبار متطلبات العصر، ومن هنا تصاعدت حدود الثقة المتبادلة، بين الإماراتيين والمقيمين، وبين حكام البلاد الذين يجعلون من السعادة هدفاً استراتيجياً.
حين قال نابليون بونابرت، إن الجيوش تمشي على بطونها، فإنه أصاب كبد الحقيقة، فيما الحقيقية الأكثر حداثة هي أن الشعوب كذلك تعيش وتمشي، وتنام وتصحو على بطونها، ولهذا فإن الأمم المتحدة حددت أهدافاً بعينها، هي معايير لتحقيق عالم أكثر سعادة، نشير إليها بشكل عاجل، وهي:
* القضاء على الفقر والجوع.
* الصحة من أول لحظة.
* التعليم الجيد.
* المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة.
* المياه النظيفة والنظافة الصحية.
* الحصول على طاقة نظيفة بأسعار معقولة.
* وظائف لائقة.
* الحد من انعدام المساواة في الدخول.
* جعل المدن والمستوطنات البشرية شاملة للجميع.
* السلام والعدل والمؤسسات القومية.

الخلاصة
لقد حزم الإماراتيون أمرهم مؤمنين بما قاله المتنور «بوذا» قبل قرون بعيدة: يمكن إضاءة ألف شمعة باستخدام شمعة واحدة، من دون أن يقصر ذلك من عمرها، ما يعني أن مشاركة السعادة مع الناس لا تقلل مقدار ما تحصل عليه من الحياة السعيدة.

اقرأ أيضا