الاتحاد

الملحق الثقافي

الطريق إلى عالم أكثر إنسانيّة

شغف عالمي بالسعادة

شغف عالمي بالسعادة

هل «السعادة» اصطلاح نظري يتشكّل حسب مفاهيم ترتبط بحدود معرفية معينة، أو هل هي مجرد تصور افتراضي تتعدد زوايا النظر إليه، وتختلف أبعاده وقياساته ومؤشراته، اعتماداً على البيئة والزمان والمكان والظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية والتاريخية المصدّرة لفكرته كوعاء اجتماعي عام قوامه الرفاهية، والحرية، والشفافية، والعدالة، والأمن، والاستقرار، والنمو الاقتصادي، وقراءة الواقع، والتخطيط للمستقبل بأدوات ورؤى متطورة ومبتكرة.

هل تنبع السعادة من الذات ثم تفيض باتجاه الخارج، أم أنها نتاج للعامل الخارجي نفسه المحقق لشروط التنمية المستدامة التي تنتج أفراداً سعداء فاعلين ومؤثرين وقادرين على النهوض بمجتمعاتهم نحو أفق زاهٍ ومزدهر، ينظر للماضي كحالة خاصة ومستقلة يستفاد من تجاربها ومحطاتها، وفي الوقت نفسه يتجه للحاضر والمستقبل بروحية مشبعة بالتحدي، وتجاوز الأزمات، والنظر بثقة وتفاؤل لما هو قادم.
هذه الأسئلة وغيرها كانت محل مراجعة وجدل في أوساط الناشطين الاجتماعيين، وأثارت نقاشات واسعة وعميقة منذ فجر التاريخ الإنساني، وصولاً لعصرنا الراهن، أسئلة تداولها الفلاسفة والمفكرون وعلماء النفس والأنثروبولوجيا على مدى عقود طويلة أنتجت لنا مدارس متعددة لتقييم مفهوم السعادة، وكيفية احتوائها نظرياً، ومعرفة آليات ووسائل تطبيقها على أرض الواقع.

سعادة أممية
في عام 2011 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يدعو الدول الأعضاء إلى قياس مؤشرات السعادة العالمية - Happy Planet Index- من أجل العمل على إرضاء الشعوب، وتطوير السياسات الخاصة بكل دولة والارتقاء بأحوال مواطنيها، ودشن هذا القرار لعهد جديد من التعاطي مع مفهوم السعادة ومؤشراتها، وهو مفهوم يتجاوز النمط التقليدي والقياسي المرتبط بتحقيق الحاجات الأساسية للإنسان، في عصر لم يعد يعترف بالانغلاق، ولا يناصر غياب الشفافية والجمود الثقافي والانكفاء الاقتصادي، خصوصاً بعد تهاوي الجدران السميكة للمجتمعات المنعزلة، وصعود الإعلام الرقمي والصيغ المتطورة لنقل وتداول المعلومة، ونقد الظواهر السلبية المعيقة للتواصل الإنساني، وصولاً للانفتاح المعرفي، وتبادل الخبرات في المجالات التقنية والثقافية المتنوعة.
وتبلور قرار الأمم المتحدة في مطلع أبريل من العام 2012 بتخصيص العاشر من شهر مارس يوماً عالمياً للسعادة، ونشر أول مسح يقيس بشكل علمي وإحصائي مؤشرات السعادة العالمية، وشمل المسح 150 دولة، وأقرّ المشاركون في اجتماع الدورة 66 للجمعية العامة للأمم المتحدة والذي حمل عنوان: «السعادة ورفاهية المجتمع والنموذج الاقتصادي الحديث»، أهمية تحقيق السعادة للبشر، مطالبين بمنحها الأولوية في القرارات التي يتم اتخاذها، وتحليل أسباب السعادة العالمية وأسباب البؤس والفقر الناتجة عن السياسات الخاطئة للدول التي تقبع في مؤخرة الترتيب العالمي لمؤشرات السعادة.
تم تصنيف سعادة الشعوب في هذا التجمّع الأممي، وفقاً لمعايير وضعها خبراء ومختصون في علم النفس والاقتصاد والاجتماع، وتتضمن هذه المعايير: حرية الأفراد، ومتوسط عمر الفرد، حجم الرعاية الصحية والاجتماعية، سعة وتنوع الخيارات المتاحة، تدني مستوى الفساد، درجة تراجع اللامساواة بين المواطنين، مقدار دخل الفرد من إجمالي الناتج المحلي، مدى تحقيق التوازن بين الحياة الاجتماعية وبين الحياة الوظيفية، وغيرها من المعايير الراصدة لدرجة الرضا الفردي والسوية المجتمعية ونقاط التآلف والتنافر المحددة للشعور العام بالانتماء والسعادة الوطنية وتحفيز المبادرات الشخصية في مساعدة الآخرين، والتخفيف من معاناة المعوزين والمحتاجين من ذوي الفئات الخاصة والطبقات المنسية والمهمّشة.

مقياس أفضل
يرى المشرفون على إعداد التقرير السنوي أن مؤشر السعادة يقدم مقياساً أفضل من المعايير التقليدية التي تستخدم لقياس حجم التنمية، والتي تشمل التعليم والصحة والفقر والدخل والإدارة الحكومية، حيث لم تعد المتطلبات العامة للإنسان وتوفير الخدمات والبنية التحتية شرطاً أساسياً لتحقيق السعادة، بل إن الأمر يتجاوز هذه المطالب والخدمات بمراحل وخطوات تجعلها أكثر اتساعاً واهتماماً بالنمط التفاعلي الإيجابي بين الفرد والمجتمع، وبين الإنسان والبيئة المحيطة به، فيما يمكن أن ننعته بالنسيج المتداخل، أو الاندماج العضوي بين الذات الفردية وبين المكون الجماعي، مع احتفاظ هذه الذات بحريتها واستقلاليتها، دون المساس بالأعراف والقوانين العامة الضامنة لأمن المجتمع ولمساره التصاعدي وانتعاشه الفكري والثقافي والاقتصادي.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن مفهوم السعادة فضفاض ونسبي ومتغير أحياناً من فرد لآخر، ومن مجتمع لآخر، فإننا يمكن أن نصطدم أيضاً بتعريفات قد تبدو متناقضة في الظاهر وقد تكون ملتبسة أيضاً عند مقارنة وضع شخص سعيد في شمال أوروبا على سبيل المثال، مع شخص سعيد آخر في غابات أفريقيا، وهو خلاف والتباس لم تنج منه أيضاً آراء فلاسفة ومفكرين كبار على مرّ التاريخ، حيث يرى الفيلسوف سقراط أن سر السعادة لا يكمن في السعي للحصول على المزيد، وإنما في القدرة على الاستمتاع بالقليل، بينما يرى الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل أن السعادة يمكن العثور عليها عند الاستسلام للشعور العميق بالحب، وفي اتجاه مغاير ينظر الفيلسوف الألماني الإشكالي فريدريك نيتشه إلى السعادة باعتبارها شعوراً متزايداً بالقوة، ويقول جون ستيورات ميل: «تعلمت أن أجد السعادة من خلال الحدّ من رغباتي، عوضاً عن محاولة إشباعها كلها»، وتتوافق نظرة الفيلسوف سينيكا مع رأي «ستيورات ميل» عندما لخّص الشعور بالسعادة في استثمار أعظم نعمة وهبت إلينا وهي الحكمة التي تجعلنا نسعد بما لدينا، ولا نتمنى ما لا نملكه، وفي سياق يتقاطع مع مفهومي القناعة والاكتفاء يقول أفلاطون: «من يجعل كل ما يقوده للسعادة يعتمد عليه فقط، ولا يعتمد على الآخرين، فقد تبنى أفضل منهج للعيش سعيداً»، وهو قول يتوافق مع تعبير أرسطو المكثف حول السعادة عندما أشار إلى أن سعادتنا تعتمد على أنفسنا، أما الروائي الروسي الشهير ليو تولستوي، فيرى أن السعادة تتحقق من خلال تملّك ثلاثة أشياء هي: شيء تعمله، وآخر تحبه، وثالث تطمح إليه.
مع هذه التوصيفات المتداخلة والمتمايزة أيضاً لمفهوم السعادة، تتشكل أقواس ذهنية متعددة، وذات مرجعيات مختلفة، قد تتكئ أحياناً على المعطى الروحاني والديني والأخلاقي، أو على التفسير المادي وعلى المزاج الشخصي أيضاً، وهناك من يربط السعادة بالمجال الفسيولوجي، أو بمجال الطاقة الإيجابية، وبهرمون السعادة والجينات الوراثية، حسب التفسير البيولوجي، وحسب ما توصلت إليه آخر نظريات وأطروحات علم النفس، والعلوم الإنسانية الحديثة.
وتم إقرار «السعي نحو السعادة» في إعلان الاستقلال الأميركي عام 1776 بوصفه: (حقاً من حقوق الكائن البشري لا يجوز المساس به)، وأدّت الشعارات الكبرى لعصر التنوير في أوروبا والمتمثلة في الحريّة والأخوّة والمساواة إلى الخروج من عصور البؤس والجهل والاستبداد الديني والتعتيم الفكري والفقر المعرفي، والدخول في عصر معانقة العقل والتخلص من الوصاية الكهنوتية ونبذ التعصب وضيق الأفق، ما ساهم في إرساء السعادة داخل المجتمعات الأوروبية، وبالتالي فإن النزعة الفردية لامتلاك السعادة لا بد أن ترتبط بنزعة جماعية لتحقيقها، حتى لا تكون هناك فجوة كبيرة بين النزعتين، تسهم في اضطراب وخلل المنظومة العامة الرابطة بينهما.

الشرارة الأولى
انطلقت شرارة الاهتمام بسعادة الدول في عام 2006، وتحديداً مع تصنيف الأمم المتحدة لمملكة «بوتان» في ذلك العام كنموذج لتحقيق السعادة الوطنية، حيث استطاعت هذه المملكة الصغيرة القابعة وسط جبال الهملايا بين الصين والهند، أن تحصد ثمار الشعور القوي بالهوية وتحقيق التكافؤ بين المواطنين، ولتفتح بذلك باباً ومنفذاً لاكتشاف خارطة السعادة العالمية، وتقييم تجربة كل دولة على حدة فيما يتعلق بمدى رضا مواطنيها إزاء السياسات الداخلية والخارجية المتّبعة، ومع تطور آليات التعاطي مع معايير السعادة خلال السنوات الأخيرة المنصرمة، أصدرت الأمم المتحدة في العام الجاري 2018 تقريرها الخاص بمؤشرات السعادة في دول العالم، حيث احتلت فنلندا المركز الأول عالمياً، واحتلت دولة الإمارات العربية المتحدة المركز الأول عربياً، وجاءت ضمن الدول العشرين الأكثر نجاحاً في تحقيق السعادة لمواطنيها وللزوّار وللمقيمين على أرضها، وهو بلا شك مركز مرموق ولافت مقارنة بدول أخرى عريقة على مستوى العالم.

طموح بلا حدود
حصاد الإمارات لهذه المكانة العالمية لم يأت من فراغ، ولا من ضربة حظ، بل هو نتاج لفكرة مضيئة ورغبة نبيلة أسس لها حكام الإمارات منذ الإعلان عن قيام الدولة في العام 1971، وبزوغ كيان وطني وتنموي فريد من نوعه في المنطقة العربية، وضع فيه المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الإنسان كمرتكز ولبنة أساسية في منظومة الحلم الوطني، وفي صلب الطموح التنموي قبل بناء أي منظومة عمرانية، وقبل وضع الاستراتيجيات العامة في الداخل، وفي العلاقات الخارجية.
اعتبر الشيخ زايد الإنسان عصب الرؤية المستقبلية ومركزها وثقلها، لأن ما يأتي لاحقاً من بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية إنما هو رهن بتحقيق عناصر السعادة والاستقرار والأمن لهذه الإنسان، وبالتالي خلق بيئة مشجعة على الإبداع والابتكار تضمن حيازة المكانة المتميزة والمتقدمة بين شعوب العالم.
ولا يبدو أن طموح الإمارات سوف يتوقف عند هذا الحد، فوفقاً لجدول المؤشرات الوطنية والذي يتصدّره شعار: «مجتمع متلاحم محافظ على هويته»، تهدف حكومة دولة الإمارات بأن تكون ضمن أفضل خمس دول في تقرير السعادة العالمي بحلول 2021، فلا سقف ثابت للإنجاز، مع هذا الشغف المتواصل للتحدي، ومع هذه الرغبة المتّقدة لإكمال مسيرة المؤسسين الأوائل، وروّاد المغامرة الاستثنائية في تحويل اللحظة التاريخية الفارقة إلى نهج حضاري متواصل تتوارثه الأجيال وتضيف له وتعززه، بما يضمن تحقيق السعادة بحضورها الأفقي (في المجتمع) وبتأثيرها العمودي (في الفرد)، وبالتالي فإن هذا التكامل، وهذا التفاعل كفيلان بخلق حس مشترك من الإيجابية والتفاؤل والتنوع والعطاء المتدفق علماً وثقافة وإبداعاً ونقداً صحيّاً وانسجاماً وحواراً مع الآخر، ومع أسئلة وتحديات المستقبل، وبالتالي لا يبدو غريباً أن يكون هدف: «تحقيق رفاهية المواطنين وإسعادهم» هو الهدف الأول ضمن 6 أهداف وضعتها حكومة الإمارات في خطتها لعام 2021، وتخصيص وزارة للسعادة وجودة الحياة، واعتماد البرنامج الوطني للسعادة والإيجابية الذي يضم مجموعة من السياسات والخدمات التي تعزز من أنماط الحياة الإيجابية، وهي خطوات تمهيدية ضمن مسارات عدة لتحقيق مشروعات وطنية كبرى وإنجازات هائلة متوقعة في قادم الأيام والسنوات.

اقرأ أيضا