الاتحاد

الملحق الثقافي

السعادة.. هل تُشتَرى ؟

المال لا يصنع السعادة إلا بمقدار ما يؤمن الحاجات الأساسية

المال لا يصنع السعادة إلا بمقدار ما يؤمن الحاجات الأساسية

لفترة طويلة، ظل الحديث عن السعادة، حكراً على الفنانين والأدباء والفلاسفة ورجال الدين، وظلت الحكم الشعبية والمعتقدات الشائعة هي المرجع الأشهر والأسهل للتعرف على هذا الموضوع. إلى أن وجّه العلم الحديث اهتمامه وتناول هذه الظاهرة الإنسانية الفريدة، للبحث في كيفية تنميتها وتطويرها بأحدث ما وصل إليه العلماء من مناهج بحث وأدوات رصد وتحليل. وفي هذا الموضوع نتناول جانباً من هذه الدراسات الشائقة التي بحثت في تلك العلاقة المعقدة بين المال والسعادة.. والتي يمكن أن نستفيد من نتائجها في تطوير فهمنا للمال وعلاقتنا به، للارتقاء بحياتنا وخبراتنا لنصل لدرجات أعلى من الازدهار النفسي والخبرات الإيجابية.

في الأعمال الدرامية، كثيراً ما نرى شخصية ذلك الرجل الفقير السعيد الذي ينام قرير العين رائق البال مستريح الضمير، بينما نرى الشخص الغني تعيساً، يعاني المشاكل والأرق والتوتر.. وكثيراً ما نسمع مقولات مثل، أن «النقود لا تشتري السعادة»، وأن «السعادة ليست في المال».. فهل هذا الادعاء دقيق على أرض الواقع حقاً؟
أضحى هذا التساؤل مجالاً خصباً للبحث العلمي، وقرر علماء وباحثون سبر أغواره في عدد من الدراسات الحديثة، ليتعرفوا عن كثب على حقيقة تلك العلاقة المثيرة للجدل بين المال ومستوى السعادة. وإليك - عزيزي القارئ - بعضاً من نتائج هذه الدراسات التي تتحدى كثيراً من المعتقدات الشائعة.. وكيف يمكن أن نستفيد منها في حياتنا العملية..

ما سعر السعادة؟
من أشهر الدراسات حول علاقة المال بالسعادة، دراسة دانييل كانيمان، أول عالم نفس يحصل على جائزة نوبل في الاقتصاد. في هذه الدراسة، قاموا باستطلاع آراء نحو ألف شخص من خمسين ولاية أميركية، ليحاولوا فهم العلاقة بين درجة السعادة ومستوى الدخل.. فماذا وجدوا؟
على عكس الاعتقاد الشائع، وجدوا أن زيادة الدخل لها علاقة طردية بزيادة الرضا عن الحياة، أي أن الرضا عن الحياة يزيد مع ارتفاع مستوى الدخل بالفعل، لكن الدراسة وجدت أيضاً أن هذه العلاقة تتوقف عند مستوى دخل معين (75 ألف دولار في السنة) لا تزيد السعادة بزيادة الدخل!
ما معنى هذا؟ ولماذا هذا المبلغ بالتحديد؟
يقول الباحثون، إن المال قد يساعد في زيادة الرضا عن الحياة بالفعل، لأنه يجنب الإنسان المعاناة والمشاكل والضغوط الناتجة عن قلة المال. تخيل معي شخصاً يعاني بسبب عدم قدرته على تحمل احتياجاته الشخصية، أو مصاريف دراسة ابنه، أو علاج والدته، أو توفير الحد الأدنى من الترفيه له ولأسرته.. حين يكون المرء فقيراً، كلما زاد الدخل استطاع تلبية جزء أكبر من الاحتياجات الضرورية، فيزيد الرضا عن الحياة. المبلغ الذي حددته الدراسة يلبي معظم الاحتياجات الأساسية لمن يعيش في الولايات المتحدة وقت الدراسة، لكن حين يتم إشباع الأساسيات، يتطلع الإنسان لأمور أخرى. فلا يزيد الرضا مع زيادة الدخل بالضرورة.. لأن السعادة قد ترتبط وقتها بأمور أخرى، كالنجاح المهني والتقدير الذاتي والعلاقات...إلخ.
تتماشى هذه الدراسة مع دراسة أخرى أحدث، نشرت في (بانل ستادي أوف إيكونوميك ستاديز) توصلت إلى أن زيادة ثروة العائلة ككل تقلل من المشاعر السلبية لأفرادها، لكن عند حد معين أيضاً. وهو ما يؤكد فكرة الحد الأقصى لعلاقة المال بالسعادة..
باختصار: المال مهم نسبياً للسعادة.. لأنه يخفف المعاناة والمشاكل والضغوط الناتجة عن قلته، لكن زيادته أكثر من ذلك لا تعني زيادة السعادة بالضرورة.

كيف نشتري السعادة؟
أعطى العلماء مبلغاً من المال لكل مشارك في التجربة.. وطلبوا منهم أن يخرجوا وينفقوه كما يحلو لهم. فذهب كل مشارك وهو يفكر في ما يمكن عمله بهذا المبلغ.. منهم من اشترى ساعة جديدة، أو دعا حبيبته إلى مطعم أنيق، أو ذهب للسينما، أو اشترى هدية لابنه، وما إلى ذلك من أفكار مختلفة.. ثم عادوا بعد ذلك لاستكمال التجربة وتقييم مدى سعادة كل شخص بعد ما فعله بهذا المال.
في هذه الدراسة (التي نشرت في دورية ساينس)، وجدوا أن هؤلاء الذين أنفقوا أموالهم على خبرات حياتية أو على الآخرين، كانوا أكثر سعادة من الذين أنفقوه في سلع مادية. وهو ما أكدته دراسات أخرى عديدة أيضاً. فالخبرة الحياتية الممتعة التي تضم أناساً آخرين في حياتك، تظل عالقة في الذاكرة لفترات أطول، وتظل مصدراً للسعادة كلما تذكرت هذا الموقف.. فحين تتذكر تلك النزهة الممتعة مع الأسرة أو الذهاب لمكان جديد مع الأصدقاء، قد تبتسم.. فاستدعاء الذكريات السعيدة يثير المشاعر المصاحبة لها أيضاً.. وتصبح هذه الخبرة الحياتية ممتعة في وقتها، وممتعة أيضاً عندما تتذكرها مستقبَلاً في أي وقت! أما موقف شراء سلعة غالية، فلن يظل عالقاً في ذهنك ولن يكون مصدر سعادة في المستقبل.. بل إنك ستعتاد هذه السلعة ولن تعود مصدراً لسعادتك أكثر من أيام عدة. لذلك يقول العلماء في هذه الدراسة، إن «علاقة المال بالسعادة لا تقتصر على حجم المبلغ، بل أيضاً بكيفية إنفاقه».
هناك دراسات أخرى تعتبر «التنوع» من الأمور التي ينبغي مراعاتها عند إنفاق المال.. فالذهاب للأماكن نفسها وممارسة الخبرات نفسها بحذافيرها، سيجعل هذه الخبرات تفقد تأثيرها. لن تعود مثيرة للمتعة بل للضجر. فما العمل؟ الحل هو أن تتمتع بحس المغامرة والرغبة في التجديد باستمرار.. اذهب لمكان لم تذهب إليه من قبل، اطلب طعاماً لم تذقه من قبل، ادخل فيلماً من ثقافة مختلفة لم تعتدها، سافر لبلد لم يخطر ببالك أن تزره.. هذا الشعور بالترقب مما قد تؤول إليه الأمور يضفي علي الحياة نوعاً من المتعة والحيوية، وهو مهم -حسب دراسات- لزيادة وإطالة أمد السعادة والاستمتاع بالحياة. لذلك يمكن إنفاق المال في أنشطة وخبرات تزيد من هذه المشاعر، لا في تكرار ما اعتدت عليه وخبرته ومللته.

شراء الوقت

لكن دعنا نكن واقعيين.. هناك مشكلة شائعة قد تحد من تطبيق ما نتحدث عنه. وهي: أين أجد الوقت؟ حياتي مشغولة ومليئة بالمسؤوليات والمهام ولا أجد وقتاً لقضاء وقت ممتع.. فما العمل في هذه الحالة؟
من الأمور التي يمكن شراؤها لزيادة السعادة أيضاً، شراء وقت الفراغ! قد يبدو هذا الكلام غريباً، لكن لو فكرت في الأمر، ستجد أننا نفعل هذا طوال الوقت.. حين تدفع المال لشخص كي يقوم بمهام يمكنك القيام بها، لكنك تنفق توفيراً للوقت.. مثلاً: تنظيف المنزل.. التسوق الإلكتروني.. التعامل مع سمسار أو وكالة سفريات.. تفويض شخص لإنهاء مشاويرك البعيدة… إلخ. وجد العلماء في هذه الدراسة التي نشرت في دورية (برسونال آند سوشيال رليشنشبس) إن «تفضيل الوقت على المال» يزيد سعادة الناس المشغولين في حياتهم، لأنه يتيح لهم وقت فراغ أكبر يقضونه مع أحبائهم، وفي ممارسة الأنشطة السابق ذكرها والتي عرفنا أنها تزيد السعادة!
باختصار: إنفاق المال في شراء الوقت.. وفي الخبرات الحياتية، وعلى الآخرين، وإنفاقه في أشياء متنوعة تثير عنصر المفاجأة، يزيد من شعور الإنسان بالسعادة لفترات أطول.

من أين لك هذا؟
هل مصدر المال يحدد مستوى السعادة؟
للإجابة عن هذا السؤال المثير، أجريت دراسة فريدة من نوعها، استطلعت هذه الدراسة آراء أكثر من 4000 مليونير حول العالم.. وجاءت نتيجتها بتفاصيل مثيرة.
وجد الباحثون في هذه الدراسة التي نشرت مؤخراً في دورية (بيرسوناليتي آند سوشيال سايكولوجي بوليتان) إن سعادة المليونيرات لا تزيد بالضرورة مع زيادة الثروة، لكنها تزيد -فقط- عند الأشخاص الذين يكسبون هذا المال بمجهودهم وعملهم.. لا الذين حصلوا عليه دون جهد، بالميراث أو الزواج من شريك حياة غني مثلاً!
لماذا؟ فكر معي في الأمر.. عند درجة معينة من الثراء، لن تعني زيادة الرقم الموجود في الحساب البنكي شيئاً.. فالإنسان في النهاية ينام في سرير واحد، يوجد في مكان واحد، ولن يستطيع أكل ألف وجبة في اليوم أو ركوب ألف سيارة في الوقت نفسه.. هناك حدود لمقدرة الإنسان على الاستمتاع، وصاحب 11 مليون دولار ليس أسعد من صاحب 10 ملايين دولار بالضرورة لمجرد زيادة هذا الرقم.. ولكن، لو كسب المليونير هذا المبلغ الإضافي بمجهوده وكفاءته، قد يزيد تقديره لنفسه وإحساسه بجدارته، فيصبح سعيداً أكثر.. أي أن السبب ليس زيادة المال في حد ذاته، بل في دلالة هذا المبلغ عند الشخص الذي كسبه، مبرهناً لنفسه على كفاءته الذاتية! في هذه الحالة ليست زيادة المال هي سبب السعادة، بل دلالة هذه الزيادة عند المليونير المجتهد!
باختصار: مصدر المال يؤثر في مستوى السعادة!

الغنى والسعادة
حين نتأمل تقرير السعادة العالمي 2018 الصادر عن منظمة الأمم المتحدة، يمكننا أن نلاحظ بسهولة أن الدول الأكثر سعادة، دول غنية (أول دولة هي فنلندا، وأول دولة عربية هي الإمارات العربية المتحدة).. بينما الدول الأقل سعادة، دول تعاني اضطرابات وصعوبات اقتصادية (أقل دولة هي بوروندي، وأقل دولة عربية هي اليمن)..
فهل نفيُ علاقة المال بالسعادة أمر منطقي حقاً؟
***
والآن، وبعد انتهائك من قراءة الموضوع، قل لي عزيزي القارئ.. ما الذي ستفعله اليوم لزيادة سعادتك؟

اقرأ أيضا