الاتحاد

ثقافة

أسماء وعلامات «المثال الأميركي»

نكتب ويكتب الكثير عن بدء العد العكسي لانهيار الإمبراطورية الأميركية ومن داخل هذه الإمبراطورية وخارجها في آن معاً. وانخرط في الكتابة عن ثقافة الانهيار هذه كتّاب وإعلاميون وفلاسفة ومفكرون كبار من أمثال نعوم تشومسكي الذي قال لكاتب هذه السطور (على هامش محاضرة له كان أقامها في الجامعة الأميركية في بيروت عام 2006): «نعم أميركا هي إلى مزيد من التراجع والتقهقر عن موقع الريادة الاقتصادية والسياسيّة العالمية التي بَنَتها بُعيد الحرب العالمية الثانية، والسبب يعود إلى هيمنة الشركات الكبرى على القرار السياسي وعلى المجتمع الأميركي الذي لا يملك ما يفعله إزاء تحكّم هذه الشركات في مفاصل الحزبين الرئيسيين اللذين يتناوبان السيطرة على السلطة العليا في البلاد». وأردف يقول: إن ما يسمى «ديمقراطية الانتخابات» التي يتحصّن بها المجتمع الأميركي أو الناخبون الأميركيون باتت مسألة شائخة، هزيلة لا تقدم ولا تؤخر في الأمر!

ومن جهته يقول فريد زكريا، وهو أحد أكبر الإعلاميين الأميركيين المؤثرين في الرأي العام الأميركي في مقالة نشرها في دورية «فورين أفيرز» الأميركية مؤخراً، إن عصر الغلبة والسيطرة الذي كانت أميركا تصوغ فيه العلاقات الدولية وتتولى تحديد القواعد والمعايير قد ولّى. وهذا العصر الذي بدأ عشية الحرب العالمية الثانية وتعزز وتدعم مع سقوط جدار برلين، وسقوط الاتحاد السوفييتي، بدأ اختتامه بحرب العراق المأساوية الدامية عام 2003.

صورة مختلفة
لكن ومن جانب آخر، ثمة مفكرون آخرون مرموقون يرون عكس هذه الصورة تماماً، يرون مثلاً أن الولايات المتحدة لا تزال تحتل موقع الريادة في كل شيء، وأنها لن تتراجع عنه مهما تقدم الآخرون وبخاصة الصين، وبطبيعة الحال روسيا. أما السبب، فامتلاك أميركا أوراقاً كثيرة قوية وجاذبة يعجز عن مجاراتها الآخرون، فكيف بتفوقهم عليها. وتدخل في هذه الأوراق عناصر عدة تتصدرها: الثقافة والجامعة واللغة والفنون وسحر هوليوود السينمائي وريادة علم التوجيه الآلي (السيبرنيتيك) والذكاء الاصطناعي وسائر وسائط التكنولوجيا وحراك قوة الشركات الرقمية الأميركية.. فضلاً عن مراكز البحوث العلمية والفكرية الاستراتيجية ومؤسسات صنع «المثال» الأميركي... إلخ؛ وكلها تتبلور وتتمأسس تحت عنوان «القوة الناعمة».
والجديد في إطار هذه القوة الناعمة هنا ما كتبه مؤخراً المفكر والأكاديمي الفرنسي أدريان ليرم، أستاذ دروس حضارة الولايات المتحدة في جامعة السوربون، وذلك في كتاب هو قيد الترجمة الآن في بيروت وسيصدر بالعربية مطلع شهر فبراير المقبل. يقول أدريان ليرم من ضمن ما يقول، إن الولايات المتحدة لا تزال تُثير الدهشة لجهة موقع الصدارة الذي تشغله في الميدان الثقافي والعِلمي، على الرّغم من ظهور مُنافسين مُحتَمَلين لها. وهذا التصدُّر القائم منذ زمنٍ طويل، لم يذوِ ولم يضعف، بل إنّه يُعطي الانطباع بأنّه يتعزَّز ويتوطَّد. فهو ما انفكّ، منذ نهاية الحرب العالَميّة الثانية، يواكب الإشعاع الدولي للبلاد، ويرافق قدرتها على اجتذاب الأفراد والقلوب والعقول. وهو في هذا يشارك وبنشاطٍ في «قوّتها الناعمة» (soft power).
وهذه «القوة الناعمة» هي قدرةٌ تتشعّب وتتنوّع في أنساق تجعلها أكثر تأثيراً ونفوذاً وتأثيراً على العالم كلّه، وتتمدّد واقعاً، وتُقولب العالَم بصورةٍ تكاد تكون طبيعيّة وفق أصول وقواعد تزخّم من مصالح العملاق الأميركي.
والولايات المتّحدة تواصل هدفها الرسالي الذي حدّدته الأمّة في منابتها البعيدة: تكوين مثالٍ يُقتدى أو أمثولة تقبل التقليد والتأسّي، ومواصلة تغذية الأمل الأخير للجنس البشري كما تقول كلمات أبراهام لينكولن، والانتهاء بكلّ تأكيد بقطف ثمار ذلك... ولا يبدو إلى الآن أنّ وقائع الحياة السياسيّة الداخليّة أو تقلّبات واهتزازات عمل واشنطن الخارجي، قد عَوَّقت عمله أو عرقلت مفاعيله... فلنحاول إذن وضع قائمة عاجلة لهذه الأوراق والعناصر المتينة المربحة، ولو من دون أن تشملها وتستغرقها جميعها.

قوة الإنجليزية
هناك أولاً قوة الكلمة، أي انتشار وتأثير اللغة الإنجليزيّة التي هي «اللينغوا فرانكا» الجديدة أو «اللغة الجامِعة» الجديدة في المعمورة كلّها. وهي تأتي بعد الصينيّة والإسبانيّة، كاللغة التي تملك العدد الأكبر من الناطقين بها في العالَم. فهناك فردٌ واحد من كلّ خمسة أفراد لديهم «مبادئ» منها، وتعداد هؤلاء لا يقلّ عن مليار ونصف المليار من المُلِمّين بها، بينهم 400 مليون موزَّعون على 67 بلداً هي بالنسبة إليهم لغتهم الرئيسة. وهي في 27 أمّة أخرى اللغة الثانية فيها. وهكذا فإنّ ثمة 800 مليون إنسان يتكلّمونها بصورةٍ عاديّة. كما أنّ تَعليمها ينتشر وكأنّه قدرٌ مُقدَّر.
وهي تبدو في كلّ ناحية من العالَم غير الناطق بالإنجليزيّة، ومن باب أولى في مؤسّسات التعليم العالي، كشرطٍ لا مفرّ منه لِمَنْ يطلب العمل في مؤسّسة شمال أميركيّة، كما تبدو على وجهٍ أعمّ كورقةٍ سحريّة تفتح الأبواب للمستقبل. والإنجليزيّة تغلب وتسيطر وتتصدَّر، لأنّها أصبحت اللغة الدوليّة (أو الأُمميّة) في عالَمٍ باتَ مُعَولَماً، وصارت لغة الانتقال والرحلات والقاسم المُشترَك الأصغر، ووسيلة الاتصال الرئيسة بين الأفراد ذوي الأصول المختلفة.
وكما في المبادلات كذلك في الأعمال، بحيث إنّ الإنجليزيّة تظهر كالوسيط الذي يربط المصارف بالصفقات والوسطاء والعامِلين في بورصات المراكز الكبرى، وخصوصاً لندن ونيويورك وشيكاغو. وعلى هذا، فإنّ هذه اللغة تختلط مع لغة الرأسماليّة الماليّة المعَوْلَمَة التي تدعمها وتُجسِّدها الولايات المتّحدة. وواقع الأمر هو أنّ اللغة التي تُتَابَعُ بها برامج الكليّات والمعاهد الكبرى في كلّ البلدان تقريباً، هي الإنجليزيّة. كما أنّ هذه اللغة فرضت نفسها على الإنترنت؛ فهي لا تزال، على الرّغم من انتشار المُنافسين القادمين من البلدان الصاعدة وتوسّعهم، وعلى الرغم من إنشاء المحتويات بلغات التخاطب المحليّة، تُمَثِّل 50% من المحتويات و25% من المُستخدِمين. وأخيراً، فإنّها لغة 30% من الكُتُب التي تُنشَر سنويّاً، وفي غالب الأحيان بين الأكثر تعداداً للنُسَخ، في الكِتاب الواحد.
ومنذ نهاية الحرب العالميّة الأولى وما تبعها من ظروف متعثرة لحقت باللغة الألمانية، أصبحت الإنجليزيّة اللغة الرئيسة، كي لا نقول الوحيدة للعلوم: 80% من المنشورات المُفَهرَسَة والمؤشِّرة لدى سكوبوس (Scopus)، التي هي أكبر قاعدة معلومات واستشهادات في هذا المجال، هي باللغة الإنجليزية، بل إنّ النسبة تصل إلى 95% في ما خص المقالات العِلمية الصرفة. وهناك مؤشر البحث العِلمي المعروف مجلة «سكيماجو» (ScImago Journal Rank) الذي يؤكد هذا التفوق، إذ يُظهِر أنّ الإنجليزية هي اللغة التي تستخدمها الخمسون مجلة علمية الأكثر مهابة والأعظم مرجعيّة (هناك مجلّة واحدة من مصدرٍ غير بريطاني وغير أميركي).
واليوم يمر الاعتراف بالعلوم العِلميّة والتكنولوجية، بل وبمشروعيّة الأعمال العِلميّة والتكنولوجيّة، عبر مرورها بالمجلات العِلميّة البريطانيّة أو الأميركيّة، أو عندما تُكتب بكلماتٍ وتُنطَق في مُداخلات، بالإنجليزيّة. ولا تزال هذه الأخيرة تسحق في العديد من البلدان اللغات المكتوبة بلغاتٍ محليّة؛ ففي هولندا تصل النسبة إلى معدل واحد إلى 40. وكائناً ما كان الأمر، فإنّ مقالة تتمتع بشيء من الأهميّة، وخصوصاً إذا ظهرت في مجلة مرموقة، فإنّها لا تستطيع الاستغناء عن تقديم موجز لها بالإنجليزية. وقد اعتادت الجماعة العِلميّة على تجاهل المعلومات التي لا تكون مُقدمة بالإنجليزية. وممّا له دلالته أنّ بعض الأجناس الموصَّفَة في لغاتٍ أخرى، تفلت من «رادارات» الهيئات الدوليّة، ولا تنزل في النهاية على لوائح الكائنات الحيّة التي تتعرّض للتهديد.
وإذا كانت الإنجليزية تُسهل التبادل كثيراً، فإنّ سطوَتها وتأثيرها لا يزالان يُفيدان مباشرة في تعزيز شهرة وعمل العِلميّين الأميركيين والبريطانيين. ومن دون أن يكون الرابط قائماً بوضوح، إلا أنّ تعداد الفائزين بجوائز نوبل من الأميركيين والبريطانيين في الميادين الأكاديمية يعكس هذه الحالة: 342 من الأميركيين (وتِعدادهم أبعد من أن يتراخى: 171 منذ عام 1991، و120 منذ عام 2000)، و105 من البريطانيّين مقابل 102 لألمانيا أو 41 لفرنسا، و21 للاتّحاد السوفييتي وروسيا، واثنان فقط للصين الشعبيّة.

جاذبية علمية
شهرة التعليم العالي الأميركي معروفة ولا تحتاج إلى دليل. غير أنّ المفارقة فيها هو أننا إذا ما عدنا إلى التقييمات الدولية، وجدنا أنّ التعليم الثانوي في الولايات المتّحدة، هو على وجه العموم متوسّط الحال والنوعيّة. كما أن غالبيّة الأربعة آلاف مؤسّسة (4000) تعليم عالي لا تستطيع الادّعاء بأنّها تملك المستوى الذي تتمتّع به أفضل المؤسّسات.
ولا تزال هذه الأخيرة تستولي سنة بعد أخرى على المراتب الأولى من التصنيف الذي تركن إليه الجماعة العِلمية والمُثقفة، ويستند إليها المقرّرون والمانحون: تِعدادها ثمانية (بينها الثُنائي الذي يحتل رأس قائمة العشرة الأول الذين تتضمنهم اللائحة التي تُعرف باسم «لائحة شانغهاي») و16 من العشرين الأوائل و31 من 50... في لائحةٍ أخرى هي لائحة مؤسسة كواكواريلي سايموندز «كيو إس» للتصنيف الجامعي (QS World University Ranking) التي تولي المؤسّسات الجامعيّة الأميركية المراتب الأربعة الأولى، وتبقي على خامسة بين العشرة الأُوَل و11 من أصل 20 و19 بين الخمسين الأول.
ويجد المتتبع الأسماء المهيبة ذاتها تتكرر بانتظام: هارفارد (Harvard)، ستانفورد (Stanford) معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (Massachusetts Institute of Technology)، اختصاراً (MIT)، بيركلي (Berkeley)، كولومبيا (Columbia)، وجامعة شيكاغو (Chicago)، إلى جانب عشراتٍ أخرى تتمتَّع جميعها بالشهرة. وهذه المؤسّسات غنيةٌ بالموارد، قادرةٌ على توزيع المِنَح، أو على دفع أجور مرتفعة، وعلى توفير الشروط الفُضلى للبحث. كما أنّ لديها القدرة على اجتذاب خيرَة الطلاب المُندفعين المُتحفّزين والأساتذة المرغوب فيهم و«المطلوبين»، وبالتالي إمكانيّة تعهد شهرتها بالامتياز، وتوسيعها وتعميقها، وفي النهاية الاحتفاظ بغلبتها ودوام تصدُّرِها.
وهكذا، فإنّ هارفارد تستطيع أن تُفاخر بحاملي 48 جائزة نوبل كانوا من بين المُتخرِّجين من صفوفها، وبعددٍ مُماثل من حامِلي جائزة بوليتزر (Pulitzer)، وبمرور 32 رئيس دولة سابق على مقاعد الدراسة فيها. وهي برأسمالها المُتراكِم الذي يزيد على 37 ملياراً، موزَّعة بين 13.000 «صندوقاً»، قادرةٌ على أن تنفق ملياري دولار سنوياً. يُضاف إلى هذه الإمكانيّات سائر مصادر التمويل التي ترفدها، والتي هي أكثر تخصيصاً وأَوفر استقراراً، وتأتيها من شهرتها ومن البرامج التي سبق أن أجرتها مع الحكومة الاتّحادية (البنتاغون، الإدارة الوطنيّة للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، وزارة الطاقة، أو وزارة الزراعة، لكي لا نورد سوى أسماء بعضهم وأشهرهم)، وكذلك من ولاية مثل ماساتشوستس Massachusetts أو مدينة مثل بوسطن، ومن الشركات الكبرى.. الخ.. وهذا من دون أن ننسى تكلفة تسجيل الطلبة المرتفعة للغاية.
وعلى هذا، فإنّنا نفهم أن تكون الولايات المتحدة المقصد المُفضَّل للطلاب في باقي أنحاء العالَم. ففي عام 2018 استقبلت 1,1 مليون طالب، أي ما يُناهِز ربع الطلاب الجامعيين الدوليّين (4,6) مليوناً، مُتفوّقةً بذلك ومتجاوزة، وبسهولة، للمتلقّي الثاني الذين يَليها مباشرةً في الأهميّة، أي بريطانيا (11%)، والثالث، الصين (10%). وهذه الزيادات الأجنبيّة تأتي في غالبيّتها وبنسبة 65% من آسيا (وخصوصاً من الصين والهند)، وباتت تُشَكِّل نسبة 5% من مُرتادي الحرَم الجامعي في البلاد. والحقُّ أنّ تضاعُف هذه النسبة المئوية، وتضاعُف الأَعداد أربعة أضعاف خلال أربعين عاماً، تشهد لقدرة نظام الإعداد والتدريب والتعليم الأميركي على اجتذاب شبيبة العالَم كلّه -وعائلاتهم، المدعوَّة إلى أن تقبل بالاستنزاف الذي يحلّ بها، من أجل تمويل تلك الدراسات.
يبقى أنّ التكلفة المتزايدة الارتفاع، وتنامي العرض الدولي، وتعاظُم المنافسة بين نُظُم التعليم والتكوين والإعداد، وتردّي الوسط المحيط (صعوبة الحصول على تأشيرة وصدى حملات ترامب ضد المهاجرين، وحجاجه المتواصل ضدهم)، لا يبدو أنّ ذلك أثَّر على هذه النزعات الوافدة أو تجاوز في تأثيره هوامشها. يبقى أنّ ثمة تراجعاً جرت مُلاحظته منذ خريف عام 2017 في وتيرة نمو الأعداد الإجماليّة للطلاب. ثمّ ما هو أكثر دلالةً من ذلك، أي الانخفاض المؤكَّد في نِسَب التسجيل. والواقع هو أنّ هؤلاء الطلاب يواصلون التوزّع على مجمل الأراضي الأميركية وعلى مروحةٍ واسعة من المؤسّسات، ولكن ليس من دون تفضيلٍ لولاية كاليفورنيا، وولايات نيويورك وتكساس وماساتشوستس وإلينوي وبنسلفانيا.
وممّا يجدر ذكره هنا، أنّ أكثر من نصف الطلاب الوافدين تجتذبهم الهندسة والأعمال والمعلوماتيّة والرياضيات التي هي مواد تخلَّت الشبيبة الأميركيّة عنها جزئيّاً. ويُمثِّل الوافدون بالإجمال نسبة ثلث الطلاب المُتخرّجين في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيّات. وإذا كانت الولايات المتحدة لا تزال تُراكِم نسبة 20% من تعداد حملة الدكتوراه في العالَم في هذه الميادين، فذلك بسبب حضور هؤلاء الذين يُمثِّلون ضرباً من «هجرة الأدمغة» الحيويّة لتكوين المهارات التي يحتاج إليها اقتصاد البلاد. فمنذ عام 2013، والحاجات إلى هذا النوع من الأخصائيّين في هذه المجالات يزداد؛ والمحلِّلون يتوقّعون حدوث قصورٍ في حدود 1,3 مليون وظيفة في أُفق عام 2020.
يولِّد هؤلاء الطلاب نشاطاً على الأرض تُقدَّر قيمته بأربعين مليار دولار، يعتاش منها 450.000 شخص. وتظهر الإحصائيّات أنّ المُتخرِّجين في العلوم أو في الهندسة يولِّدون لدى استخدامهم 2.62 وظيفة إضافيّة، تتولَّد لدى توظيف الواحد منهم. وهؤلاء هُم في أصل ما يُساوي ربع مؤسّسات التكنولوجيا العليا في البلاد، ونصف تلك التي تولَّدت في سيليكون فالي (Silicon Valley التي تعجّ بهم، ثمّ إنّ واقعة كون أسلافهم من الهنود المُجَنَّسين أميركيّين، مثل سوندار بيتشاي Sundar Pichai)) أو ساتيا ناديلا (Satya Nadella) يُديرون اليوم على التوالي غوغل (Google) ومايكروسوفت (Microsoft)، ليس أمراً جاء من قبيل الصُدفة. والشركات الكبرى المرموز لها باسم (GAFAM) (من الحروف الأولى من أسماء الشركات العظمى (غوغل، آبل، فيسبوك، أمازون، ومايكروسوفت) أو تلك التي يُرمز لها باسم (TUNA) [و الحروف الأولى من تيسلا (Tesla)، أوبر (Uber)، ونيتنفليكس (Netflix)، وإير بي إن بي (Airbnb) وسوى ذلك من المنشآت الناشئة من الاقتصاد الجديد، التي تستخدم التقنيات الجديدة وبات لها اسم خاص شائع في اللغة الدارجة («licornes ou pépites») (حرفيّاً التبر وأحادي القرن) هي مؤسّسات تحتفظ بكامل قدرتها على الإغراء والاجتذاب، إذ تمتلك «الصورة الإيجابيّة المؤثِّرة» والمُهابة وشروط العمل ثمّ وبخاصّة إمكانيّات ضخمة، وتتمكَّن من اجتذاب العناصر الواعِدة أو الأكثر طموحاً على وجه المعمورة.

عناوين وحضور
بين الأسماء التي تتراءى وتتلألأ في القارّات الخمس، هناك أوّلاً، وقبل كل شيء، الشركات المتعدّدة الجنسيّات والعلامات التجاريّة العالميّة الأولى في تصنيف فوربس (Forbes) لعام 2019، تخص الولايات المتّحدة بنصيب الأسد وتؤكِّد تفوّقها الساحق. فالعلامات العالميّة الأولى تعود إلى الشركات الكبرى المرموز لها باسم GAFAM))، حتى ولو كانت لا تتبع الترتيب الحاصل في الاسم المختصَر، فهي آبل أولاً، وغوغل ثانياً، ثمّ مايكروسوفت، فأمازون، وفيسبوك، وهي باتت تسبق كوكاكولا (Coca-Cola) وسامسونغ (Samsung) وديزني (Disney) وتويوتا (Toyota) وماكدونالد (McDonald)، ممّا يجعل منها الثماني شركات الأولى عالميّاً من أصل 10، أو الست عشرة الأولى من أصل عشرين، أو 33 من أصل خمسين، أو 62 من أصل 100... وهناك لوائح تصنيفيّة أخرى تغيّر مراتب وصول العمالقة الأميركيّين، وذلك بأنْ تجعل من أمازون مثلاً الأنموذج الأصلي أو المثال الأصلي عن الشركة العالَميّة؛ ولكنّها تقديراتٌ لا تُغيّر الأرقام ولا تنال من المُعطيات التي تشاء أن تكون الولايات المتّحدة لا تزال تحتفظ بأفضل المراتب لجهة شهرة شركاتها ومحميّيها على المدى الطويل. كما أنّ غلبة وسيطرة لافتاتها التي تحمل علامة صُنِع في الولايات المتّحدة Made in USA)) لا تُنكَر.
ومن الصحيح أنّ هذه الشركات تخلّت عن فكرة المُرابطة في سوقها الداخليّة، وجعلت من الأرض كلّها تخوماً لها، وأنّها لا تزال تدفع حدود سيطرتها بلا كلل ولا ملل. وهكذا، فإنّ ماكدونالد افتتح أوّل امتيازٍ {فرعٍ} له في فيتنام عام 2014، مُضيفاً ذلك إلى 35.000 مؤسّسة أو فرعاً يحمل اسمه وشعاره (بينها 1400 في فرنسا مثلاً). وفي ما وراء لوس أنجلوس (Los Angeles) أو أورلاندو (Orlando)، فإنّ ديزني Disney) يمتلك مدناً/‏‏‏ ملاهي في باريس وطوكيو وشانغهاي أو هونغ كونغ. أما محطة سي.إن.إن (Cable News Network) أو (CNN) اختصاراً، فتزعَم من جهتها أنّها تُغَطّي على صعيد المعمورة أكثر من أربعة أضعاف المنازل الأميركيّة (90 مليون أميركي) وتتوقّع أن تصل إلى جمهورٍ مُحتملٍ من المشاهدين يُقارب المليارَيْ شخص، عبر 36 وكالة دوليّة، و3000 موفد، شراكةً مع آلاف الشركاء المَحليّين. أمّا مايكروسوفت، فإنّ لها مكاتب في 120 بلداً، وغوغل في 85.
وهذه الأسماء الحاضرة في سائر لغات الدنيا أو تكاد، وتقبل الصرف والإعراب فيها وتتراصف بين مفرداتها، ناهيك بالحالات التي تُصبح فيها أسماءٌ مثل كلينكس (Kleenex) أو نايلون (Nylon) أو فريجيدير (Frigidaire) وسكوتش (Scotch) (بالنسبة إلى الفرنسية) كلماتٍ من اللغة الأصيلة. وهي كذلك أرزاقٌ وسلعٌ يُتَّجر بها مثل جينز (jeans)، برغر (burger) أو موسيقى كروس أوفر (cross-over) أو الراب (rap) الخ.. أو عناصر من نمط الحياة مثل الوجبة العاجلة (fast-food)، مركز تسوُّق (Mall)، لطيف (cool)، تصميم العلامات (branding)، البثّ الحيّ (streaming) الـخ.. التي تدخُل في القواميس والمعاجم وتنشُر وتبثّ طُرُقاً في التصرّف وفي العمل وفي التفكير الوافد ممّا وراء الأطلسي. واذا كانت هذه المصطلحات تخضع على وجه العموم لعمليّات تكييف وتملُّك وإعادة تأويل محليّة، إلا أنّ ذلك لا يمنع من أنّها تعمل كدعائم لأنماطٍ ونماذج، أو من واضعي المعايير، أو مفوّضي اتصال بارعين، وماكرين ولا رَيب، ولكن كم هم فعّالون في نقل نفوذ القوّة الأعظم الأميركيّة وتأثيرها.

نشر «المثال الأميركي»
ظهرت الجمعيّات والمؤسّسات التي تعمل بصورةٍ مَكشوفةٍ لنشر «المثال الأميركي» في بداية القرن العشرين مع «وقفيّة» كارنيجي Carnegie Endowment أو مؤسّسة كارنيجي وفقاً للتسمية العربيّة المُعتمَدة في عام 1910، ثمّ جاءت بعدها مؤسّسة روكفلـر Rockefeller Foundation في عام 1913، ثمّ تكاثرت بعد ذلك الجمعيّات والمؤسّسات، ونجحت خلال العقود التالية في مُضاعفة قدرات التدخُّل لديها على الصعيد الدولي أضعافاً مُضاعفة، وذلك باستخلاص وصوغ أشكال الطرُق التقنيّة والوسائل اللازمة لسياسة النفوذ التي وضعتها.
وقد وُلِدَت غالبية هذه الجمعيّات والمؤسّسات من مبادرةٍ يقوم بها مانحٌ غنيٌّ يكون في الغالب أحد أقطاب الصناعة أو المال، كما بات عليه الحال في هذه الأيّام، فيترك لأسبابٍ شخصيّة أو دينيّة أو سياسيّة، أو حتى لمجرد أسبابٍ ضريبية، جزءاً مهمّاً من ثروته، فيُشكِّل به الرأسمال الابتدائي الذي ستستمدّ منه المؤسّسة المداخيل التي ستسمح لها بتمويل عملها. وكثير من المؤسّسات «الخيريّة» هذه، يتخصَّص في مهمّاتٍ تربويّة واجتماعيّة وثقافيّة على مستوى البلاد، إلا أنّ بعضاً منها، وليس من أقلّها شأناً، تقتَفي خُطى مؤسّسة كارنيجي وروكفلر، لتُكرِّس نفسها لأنشطةٍ موجَّهة نحو المسائل الدوليّة، سواء أكانت أنشطة في خدمة السلام في العالَم كما هو الحال مع أولى هاتين المؤسّستين، أم أنشطة موضوعها السعي إلى المبادلات الثقافيّة كما هو الحال مع المؤسّسة الثانية، أو أنشطة تهدف إلى المساعدة على التنمية والتي ما زالت تتزايد في هذه الأيّام.
أما الهدف فهو إنشاء شبكات من الفاعلين في البلدان المُستهدفة، من شأنها تنفيذ البرامج التي تلتزم بها هذه الجمعيّات والمؤسّسات للمدى الطويل. وغالباً ما يكون ذلك موافقاً لمقتضيات ودواعي الدبلوماسيّة الأميركية (التي تستطيع علاوةً على ذلك، أن تقدِّم لها خبرة جرى اكتسابها على أرضيّات تدخُّلاتها) -ولكن عبر أقنيَة وفي أُطُر ليس من شأنها أن تتغيَّر بين إدارةٍ وأُخرى، وعهدٍ وآخر. السلام والسوق والديمقراطيّة هي الثالوث الذي يَنضَوي تحته عمل هذه الجمعيّات والمؤسّسات، وهو عملٌ تتبع فيه المحور الذي تبنّاه رجالات الأمة بعامة، منذ ما لا يقلّ عن 150 سنة: الدفاع عن حقوق الإنسان، مُناصَرة ومؤازَرة المجتمعات الليبيراليّة، وتسوية النزاعات بالمبادلات. ومن هنا ضرورة تكوين أو إعداد شبكة من المُتحدِّثين وإعطاء الأولويّة لتسهيل تداول النُّخب التي لا يَني هؤلاء عن تجديدها وتَيسير تعاقُبها. ولهذا، فإنّ تمويل المَدارس أو مراكز البحوث أو منح الدراسة أو الندوات أو شراء الكُتُب يظلّ رافعةً مُتميّزة.
وهي تولي الاهتمام والأهميّة، شأن مؤسّسة فورد «Fondation Ford» إبّان الحرب الباردة في أوروبا، أو مؤسّسات جورج سوروس George Soros«المجتمع المفتوح»Open Society Foundation منذ أواخر سنوات 1970 في الشرق الأوروبي، كما في البلدان النامية للدفاع عن قضية المجتمعات المفتوحة، وبالتالي على إبراز وتقريظ المثال أو النموذج الأميركي وثقافته أمام الشعوب الأجنبيّة؛ في معارض تتولّاها أحياناً مُستَعينةً بمَعونةٍ سريّةٍ مكتومة من وكالة المخابرات المركزيّة CIA أو عبر دعم المجتمعات المدنيّة، ووسائل إعلامها المستقلَّة، وحركات المواطنين، والمنظمات غير الحكوميّة التي يشغلها شاغل الشفافيّة وكلّ هذا بالتوافق مع تجسُّداتٍ وتناسخات المؤسّسة المركزيّة الشهيرة «الوقفيّة القوميّة للديمقراطيّة» NED أو National Endowment for Democracy أو عبر أوامر «القوّة الذكيّة» smart power كما صار يحدث مؤخراً، أي اعتباراً من عام 2010، الصادرة عن وزارة الخارجيّة.
وهذه المؤسّسات وسواها، مثل مؤسّسة بيل وميليندا غيتس (Bill and Melinda Gates Foundation) الفائقة القدرة، تتدخّل في برامج طموحة واسعة من المعونة على التنمية المخصّصة للأكثر فقراً من الناس. وهذه المعونات الأخيرة تمرّ في أغلب الأحيان عبر الثقافة (مكافحة الأُميّة) والمَعونة على البحث الطبي (ضد الملاريا والإيدز.. الـخ..) والمبادرات في ميدان الوقاية والصحّة العامّة، وتأتي في صلة مع الهيئات والمنظمات الدوليّة كالبنك الدولي وبرنامج الأُمم المتّحدة للتنمية (PNUD)... الـخ، ومؤسّسات أخرى أو بصفةٍ أُحاديّة الجانب... والحق أنّ المؤسّسة التي تبدأ بهبةٍ مقدارها خمسين مليار دولار، ولا زالت تنفق منذ عام 1994 عشرة مليارات دولار، هي مؤسّسة تملك وسائل طموحها ويُمكنها أن تقرِّر التصرُّف وحيدةً وبصورةٍ أُحاديّة.
لم يعُد في وسعنا بعد هذه الجولة على حامِلات وناقِلات نفوذ الولايات المتّحدة الثقافي والعِلمي و«الخيري»، إلا أنْ نُلاحظ قدرة وقوّة وحتّى حيويّة الأدوات غير المباشرة، والأبدال التي من شأنها أن تُضفي القيمة على مثالها وأن تروِّج له، وأن تؤيّد مبادئها وتضمن مصالحها في ما وراء الحدود. وإذا كان لقائلٍ أن يقول إنّ «القوة الناعمة» soft power هي الشجرة التي تخفي غابة التقهقر والأفول الأميركي، إلا أنه لابدّ أيضاً من الملاحظة أنّ ظِلالها، بأبعادِها ومَداها، لم تفقد شيئاً من قدرتها على السِّحِر والفتنة، والتَخويف والتَرويع.

أكبر مصنع للأحلام في العالم
ربّما كانت الولايات المتّحدة اليوم أكبر مصنعٍ للأحلام في العالَم، مصنعٌ «تطبَّعَت» آلاته، ويطبّق نظام الإنتاج فيه، إنجيل الأعمال الذي تبشّر به مَدارس الأعمال (business schools) تطبيقاً حرفيّاً. وإذا كانت استوديوهات فوكس (Fox) وديزني (Disney) وفياكوم (Viacom) وباراماونت (Paramount)، وكولومبيا (Columbia) ويونيفرسال (Universal) وتايم وارنر (Time Warner) تواصل الغلبة وتستمر في السيطرة على عمليّات الصنع، إلا أنّها انتقلت إلى أيدي مجموعات وسائط الإعلام التي يركِّز قادتها أنظارهم على مؤشّرات المردوديّة وأرقام العوائد المرتبة على التوظيفات والتثميرات.
وعلى هذا، فإنّ الصناعة تغيرت منذ العصر الذهبي المزعوم (1920 إلى 1950)، فالتركيز وحصر المسؤوليّات الذي كان قائماً ومبالغاً فيه، أخلى الساحة الآن إلى تفويض الصلاحيّات، وإلى خارجيّة المهمّات، وإلى التعدد اللامتناهي للوسطاء إلى حدّ أنّه بات يُولِّد كافة أنواع التفرُّع الشبيهة بتفرُّع أغصان الأشجار وتكاثُرها من الشركات وفروع الشركات، صغيرةً كانت أو كبيرةً، تعمل في وضعٍ من الهشاشة أحياناً أو المُرونة والاستجابة، وبل الخلق لحساب الشركات العظمى. ومن الصحيح أنّه تبيّـن أنّ هذا النشاط مُربِح ويوفِّر الكثير من العملات. فقد مضى الزمن التي كانت الأفلام فيه مثلاً تُصَوَّر لكي تُعرَض على شاشات البلاد (إذ بات الزمن الآن زمن شاشات الداخل والخارج)، وبات الهدف المُستهدف هو المُشاهِد «المُعولم». حدث الانعطاف في عام 2000 عندما أصبحت المداخيل من العروض الدوليّة تفوق مداخيل العروض الأهليّة. وقد كانت الاستوديوهات سبَّاقة في هذا المجال ومتقدِّمة على مُنافسيها المُحتَمَلين. فهي تنتج واقعاً في بلد/‏‏ عالَم أو بلد/‏‏ دُنيا، سكّانه متنوّعون يُمكن أن يكوِّنوا عيّنة أو معياراً، ومن أجل بلد/‏ ‏عالَم أو دنيا واسعة. وإلى هذه الميزة تُضاف كمياتٍ من دراسات السوق المتطوّرة المُعقّدة، وتقنيات التسويق المتقدمة التي يخرج منها منتج نهائي سَلِس مصقول، أي منتج يسير «مع التيّار الرئيس ويُماشي الاتجاه السائد» (mainstream).

اقرأ أيضا