صحيفة الاتحاد

دنيا

حبيب بن زيد.. سفير رسول الله الشهيد

أحمد مراد (القاهرة)
مثلت حياة الصحابي الجليل حبيب بن زيد بن عاصم - رضي الله عنه - قصة إيمان فريدة، كلها ثبات وعظمة وبطولة وتضحية واستشهاد في سبيل الهدى والحق، وعبر هذه الحياة لم يتخلف الصحابي الجليل يوماً عن واجبه نحو الإسلام ورسوله الكريم.
في بيعة العقبة الثانية بايع الرسول - صلى الله عليه وسلم - سبعون رجلا وسيدتان من أهل المدينة، وكان حبيب بن زيد وأبوه زيد بن عاصم - رضي الله عنهما - من السبعين رجلا، وكانت أمه نسيبة بنت كعب أولى السيدتين اللتين بايعتا رسول الله أما الثانية فكانت خالته.
وعاش الصحابي الجليل حبيب بن زيد إلى جوار الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة، وشارك جميع غزواته، وذات يوم شهد جنوب الجزيرة العربية عاتيين يدعيان النبوة ويسوقان الناس إلى الضلال، خرج أحدهما بصنعاء وهو الأسود بن كعب العنسي، وخرج الثاني باليمامة وهو مسيلمة الكذاب، وراح الكذابان يحرضان الناس على المؤمنين الذين استجابوا لله وللرسول في قبائلهما، ويحرضان على مبعوثي رسول الله إلى تلك الديار وأكثر من هذا راحا يشوشان على النبوة نفسها ويعيثان في الأرض فساداً وضلالاً.
وتلقى النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاباً من مسيلمة الكذاب يقول فيه: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، أما بعد فإني قد أشركت في الأمر معك، وإن لنا نصفَ الأرض، ولقريشٍ نصفَ الأرض، ولكن قريشاً قوم يعتدون. ولما قرئ الكتاب على النبي - عليه الصلاة والسلام - تعجب من جرأة مسيلمة على الله تعالى، فكتب إليه كتابا يقول فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين».
أول سفير
واختار النبي - صلى الله عليه وسلم - حبيب بن زيد - رضي الله عنه - ليحمل رسالته إلى مسيلمة الكذاب، وأخذ زيد الكتاب من يد النبي، ومضى به من المدينة إلى اليمامة، فسار أكثر من ألف ميل، حتى وصل إلى مسيلمة، فلما دخل على مسيلمة الكذاب ناوله الكتاب، فنظر مسيلمة في الكتاب، فغضب، ثم جمع قومه حوله، وأوقف حبيب بن زيد بين يديه، وسأله عن هذا الكتاب، فقال حبيب: هو من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال مسيلمة: أتشهد أن محمداً رسول الله؟. قال حبيب: نعم أشهد أن محمداً رسول الله. قال: وتشهد أني رسول الله؟. فقال له حبيب مستهزئاً: إن في أذني صمماً عما تقول «يعني أنت أقل وأذل من أن يُسمع كلامك»، فأعاد عليه مسيلمة: أتشهد أن محمداً رسول الله؟. قال حبيب: نعم أشهد أن محمداً رسول الله. قال: وتشهد أني رسول الله؟ فقال حبيب: إني لا أسمع شيئاً، فأعاد عليه السؤال فكرر حبيب الجواب.
وهنا غضب مسيلمة، ودعا السياف، وأمره أن يطعن بالسيف في جسد هذا الفتى، وهو يكرر عليه السؤال، ولا يسمع إلا جواباً واحداً لا يزيده إلا غيظاً وحقداً، فأمر مسيلمة السياف أن يفتح فم حبيب ويقطع لسانه، فأمسك به الجنود وفتحوا فمه، حتى قطع السياف لسانه، ثم أوقفوه بين يدي مسيلمة الفاجر والدماء تسيل من فمه الطاهر، فصاح به مسيلمة: أتشهد أن محمداً رسول الله؟، فأشار حبيب برأسه: نعم.. قال: وتشهد أني رسول الله؟ فأشار برأسه: لا.. فأمر مسيلمة سيافه بقطع يده، ثم قطع رجله، وجدع أنفه، واحتزّ أذنه، وراح يقطع جسده قطعة قطعة، ولحمه يتساقط، ودماؤه تسيل، وهو ينتفض على الأرض، ويئن من الألم، حتى مات - رضي الله عنه-.
وبلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نبأ استشهاد مبعوثه الكريم، واصطبر لحكم ربه، فهو يرى بنور الله مصير الكذاب مسيلمة، ويكاد يرى مصرعه رأي العين، أما نسيبة بنت كعب «أم حبيب» فقد ضغطت على أسنانها طويلا ثم أطلقت يمينا مبرورة لتثأرن لولدها من مسيلمة ذاته، ولتغوصن في لحمه الخبيث برمحها وسيفها، وكان القدر الذي يرمق آنئذ جزعها وصبرها وجلدها، يقرر أن يقف بجوارها حتى تبر بيمينها.
يمين الثأر
دارت من الزمان دورة قصيرة جاءت على أثرها موقعة اليمامة الخالدة، وجهز أبو بكر الصديق خليفة رسول الله جيش الإسلام الذاهب إلى اليمامة، حيث أعد مسيلمة أضخم جيش، وخرجت نسيبة مع الجيش وألقت بنفسها في خضم المعركة، في يمناها سيف، وفي يسراها رمح، ولسانها لا يكف عن الصياح: أين عدو الله مسيلمة؟ ولما قتل مسيلمة، وسقط أتباعه، وارتفعت رايات الإسلام عزيزة ظافرة وقفت نسيبة وقد ملأ جسدها الجليل القوي بالجراح وطعنات الرماح، وقفت تستجلي وجه ولدها الحبيب، فوجدته يملأ الزمان والمكان، وما صوبت نسيبة بصرها نحو راية من الرايات الخفاقة المنتصرة إلا رأت عليها وجه ابنها خفاقاً، منتصراً.